حسين جلبيو لعل المرة الأولى و الوحيدة التي أفرح فيها نظام الأسد السوريين و أصدقائهم خلال كل تلك المدة هي تلك التي أعلن فيها عن التفجير الذي إستهدف مبنى (الأمن القومي) الذي كانت تجتمع فيه ما كان يُعرف (بخلية الأزمة)، التي يبدو أن أمرها قد إنتهى إلى غير رجعة، بحيث أن بشار الأسد قد أصبح وحيد عائلته و نظامه و زمانه، و بات كالطفل المدلل يُمارس جميع الألعاب حتى و إن كانت دموية و بدأت ترتد عليه، بدءاً من وضع أصبعه الخائف مباشرةً على الزناد، و إطلاق النار على كل شئ، لتكسير كل شئ، و إنتهاءً بقراءة نشرة الأخبار و تقرير ما يجب أن يُقال أو لا يُقال فيها.
هل يمكن إعتبار ما حدث بمثابة (غلطة الشاطر)؟ أم إن الأمر خرج عن السيطرة و بدء النظام يفقد أعصابه بعد أن فقد عقله، و لم يعد يقدر عواقب أفعاله، و أصبح عاجزاً عن إخفاء جرائمه و خسائره؟ مهما يكن من أمر فإن ما شهدناه على الإعلام خلال اليومين الماضين ـ و معذرة على التعبير ـ ليس سوى جنازاتٍ مضحكة يسير فيها مجموعة من المشيعين الحمقى، لأن من يحمل تلك الصناديق و من يسير خلفها لا يعلم ما الذي تحتويه حقاً، فهو لا يعرف، و كذلك نحنُ، هل هي مجرد حجارة صماء أم إشلاء هؤلاء الذين أُعلن عن مقتلهم، كما لا يعلم من يتلقى العزاء في هؤلاء و كذلك من يقوم بتقديمه أي كلماتٍ يجب عليهم إختيارها للمناسبة، و أيها يصلح للتبادل بين الطرفين، المؤكد أن طرفاً واحداً فقط هو الذي يملك الإجابة على كل هذه التساؤلات و هو الطرف الغير مرشح للحديث عنها، و ربما سيشترك مع الراحلين في أخذ سرهم معه، كما أن طرفاً آخر هو الذي يرقص فرحاً على ما أصاب النظام، بعد أن ذاق من سمه الذي طبخه طويلاً و قدمه له بكرمٍ يحسد عليه، مع العلم أن الطرف الأخير لا يملك سوى تصديق رواية عدوه، و لا يريد أن يتخيل كابوساً يتراجع فيه ذلك العدو عن روايته و يعيد هؤلاء إلى الحياة ثانيةً.
إن ما يزيد من من غموض المشهد و يضيف إليه عبثيةً هو ما يقوم به رئيس النظام بعد كل الذي أُعلن عنه، إذ لا أحكام عُرفية تُفرض، و لا حداد يُعلن، و لا أعلام تُنكس، و لا قُرآن يقرأ، و لا ظهور له في تلك الجنازات الكثيرة، و كأنه فرحٌ بالتخلص من ألعاب قديمة أصبحت مملة و بالية، أو تعب من لعب دور القوي المتماسك.
لقد إنقلبت الأمور بعد هذا الحادث الغامض، و بدأ النظام هو الذي يرقص على إيقاع الثورة المتسارع، رقصةٌ تتسارع بدورها لحظةً بعد أخرى، لأن الأرض تزداد سخونةً تحت قدميه، و لم يعد يستطيع الإحتفاظ بهما ثابتتين دون أن يحترق، و هو ما سيحصل أخيراً بعد الإعياء الذي بدأ يظهر عليه.
jelebi@hotmail.de






