دستور الكاتب.. إلى شهداء مجزرة «حداد»

إبراهيم اليوسف

إذا كان من شأن الثورة السورية أن تقدم لنا محيطاً من الكتابات، بل والأسماء التي تعكس أصداء الحرب المفتوحة من قبل النظام المجرم على الشعب، في كتاباتها، كلٌّ منها بحسب درجة نقاء رؤيتها، وحبرها، وزاوية رصد الحدث، في الوقت نفسه  قد حققت لكتبة، أدعياء، لم نجد في أخطر مراحل الاستبداد في وطنهم، أي أثر حميد لهم، كي يصفعوا نواظرنا ويخدشوا ذائقاتنا بمزايدات عجفاء، على امتداد الأربع والعشرين ساعة من اليوم، منذ سنتين ونيف:

أجل، لقد كشفت الثورة عن أسماء كتابية، مرموقة، تسبقنا، الآن، في الخطّ الأول.
كشفت عن صحفيين لم يجلسوا يوماً على مقاعد الصحافة لكنهم ترجموا صدق كلمتهم بدمائهم..
كشفت عن أبطال كتابة، ميدانيين، إلى جانب أبطال الميدان، بتنا نخجل من أية كتابة عارية عن التجربة، أمام حضرات أرواحهم الباذخة، العالية، كجبال شماء..
كما أنها فكّت عقد الأدعياء، والزائفين، والمهرجين، والببغاوات.
ثمة ثنائية هنا:
الكاتب الذي يضع أصبعه على الجرح
والكاتب الذي يضلل صاحب الأصبع الجريح، والعالم، وربما نفسه..!
وثمة كاتب منزو، لأسباب خاصة به: هو غير معنيّ هنا، خارج عن هذه الثنائية…..
كاتب يعرف حدوده، لا يزايد على أحد البتة
ممارساً أعظم مأثرة ممكنة، له، في زمن الزيف:
كاتب له عالمه وخصوصيته
وقد يقول كلمة: تكون الأكثر صواباً
خارج الزمان أو المكان،
أو داخلهما، لا فرق..!
ليس هنتك تجنيد إجباري في الكتابة البتة
الكاتب يعرف متى يكتب؟، ومتى يضرب عن الكتابة؟..
وقد يكون إضرابه موقفاً
وقد يكون الوحيد الذي لا يخطأ
أجل، الوحيد الذي لا يخطأ…
لا دستور في إمبراطورية الكتابة العظمى إلا وهو مكتوب بحبر الصدق، والبسالة، لاحبر الإلكترون، ولا الكيمياء الزائف.
ولعلّ لكل كتابة رديئة أو حسنة جمهورها
الكتابة أخطر ممارسة وأعظم مسؤولية
على الكاتب وهو حامل النقيضين:
الثورة والسلم
الحبّ والغضب
الإباء والتواضع
 أن يعرف متى يرقُّ ومتى يثور
على الكاتب أن يتكىء على رصيد من النزاهة، والاستقامة، ، والإخلاص، والممارسة، والتجربة، والامتحان.
وقبل كلِّ ذلك: المسؤولية..!
أجل، المسؤولية….
الآن، كلهم قادر على  أن يكتب عبارات قوية، مجلجلة، مدوية، لم يجرؤ أن قالها يوماً ما لشرطي فاسد.
الكتابة الآن، حققت أعلى منزلة لها في الثورة
هي أغلى ما في رصيد الكاتب
والكتابة الآن هي الأرخص، في الثورة، وفي رصيد الكاتب
الكتابة كشفت عن الوجوه المقنعة، وزمر الأرواح
كما أنها كشفت عن أبطال لم يخطروا لنا ببال
اليوم، كلهم قادر أن  يشطب على العالم كله-بمجرد الضغط على كلمة  في كيبوردات كمبيوتراتهم- في ظل غياب المعايير، والنواميس.

enter
وها هو كل” مغرِّد” يجد من حوله جمهرات من مصفقين، سواء أصاب أم أخطأ
الكتابة ليست عزفاً على “الآنيِّ” في ظل استسهال ذلك، مادام لم يعد تشكل “خطراً” على صاحبها
الكتابة سيوفها ليست من خشب
وأبطالها ليسوا دونكيشوتيين.
الكتابة حفرٌ أزليٌّ في الأعالي، وصعود أبديٌّ إلى أعلى الطود
الكتابة ليست هبوطاً إلى المستنقعات والحضيض
وليست- هناك- مرتبة كتابية، نحتلها قبل الممارسة الصحيحة لها،  بعد النجاح في إجادة كتابة موضوع إنشائي رخيص، بشهادة مدرس لغوي عابر.
الكاتب من يزاوج بين القول والفعل
النظرية والتطبيق
لن يكون كاتباً صادقاً من يصرخ بأعلى صوته: تباً للهاربين من المعركة، ويكون أول لائذ بالفرار والانتهاز..!
لهؤلاء الكتبة الزائفين-تحديداً- يمكن القول:
الكلمة التي تقولونها، اربطوها ببعدها المستقبلي، في أقل تقدير، مادام البعد التاريخي عندكم “منسوفاً”،مهمة الكاتب أخطر من مهمة الطبيب، وأشدّ حساسية من مهمة القائد السياسي والجنرال:
الكاتب الحق، من يشحذ همم كل هؤلاء
يصقل أرواحهم
يقدم لهم مرايا الواقع لا المرايا المقعرة والكاذبة
الكاتب الحق، محارب حق، في الجبهة الأمامية…..
الكاتب الحق يجمع في شخصه كل الصفات النبيلة:
إنه حكيم وثائر
عاشق، وملاك
أب، وشقيق، وابن
أستاذٌ في الحنو، والرفق.
وهو وحده جبهة من غضب وشراسة وحنو
يمكن لأي منا، في هذا الفضاء الإلكتروني أن يبدي رأيه وهومن حقه
ولكن، عليه ألا يثير الغبار على الحقيقة،
و عليه، نشر ثقافة الحبِّ لا الكراهية
الكاتب في تعريفه الجديد..:
– حيث كتابة التعريف لاتزال جارية-
الكتابة الحقة أن تفضح الجلاد
الكتابة الحقة أن  تسهم في حقن دماء الناس
الكتابة الحقة أن توصل رسائلك في كل الاتجاهات:
تقول لمن أخطأ: حسناً، لقد أخطأت
أن تقول للمجرم: إنك مجرم
أن تقول للكاذب: إنك كاذب
أن تقول للصديق: إنك صديق
 
أن تقول للمتقاعس أنك متقاعس..
ولا تقطع طريق العودة أمامه..
بلا رياء، أو محاباة
ألم نتفق أن الكتابة” حكمة”..؟
……………………..
………………….
-سألتني ما الكتابة؟
الأمر-هنا- أكبر من توافر لابتوب، وخط إنترنت، ومحو أمية
إنه مصير شعب ووطن…..
قرية حداد، شرق قامشلي، أغلب سكانها كرد، قصفتها طائرات الأسد الصغير، وراح ضحيتها  سيعة عشر شهيداً وعشرات الجرحى..

شارك المقال :

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 Comments
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
اقرأ أيضاً ...

سلمان حسين -هولندا في سوريا التي أنهكتها الحروب، وتراكمت على ذاكرتها الجماعية صور الدمار والدماء، يبرز مفهوم النصر عبر السلام بوصفه الرؤية الأعمق والأكثر إنسانية لتحقيق الغاية الأسمى لأي صراع لحماية الحقوق، وصون كرامة المواطن السوري المغلوب على أمره، وترسيخ الأمن والاستقرار. فالنصر الحقيقي لا يُقاس بعدد المعارك التي تُحسم , ولا بحجم القوة التي تُفرض، وخاصة بين أبناء البلد…

عبدالرحمن کورکی (مهابادي)* إن البديل الديمقراطي ضد الديكتاتورية الحاكمة في إيران لا يُعرّف بالشعارات والادعاءات. البديل الحقيقي هو القوة التي تمثل صوت المنتفضين، وتتواجد في قلب المعركة، وتستطيع نقل واقع انتفاضة الشعب الإيراني إلى الرأي العام العالمي. من هذا المنظور، فإن دراسة انتفاضة الشعب الإيراني وتداعياتها توفر معياراً واضحاً لتمييز البديل الحقيقي. التنظيم؛ الشرط الضروري للبديل إن دفع الاحتجاجات المناهضة…

إبراهيم اليوسف   كان الخوف يسكنني طويلاً كلما نظرت إلى أبناء الجيل الذي كبر بعيداً عن تراب الولادة. خشية على ارتباطهم بلغتهم. خشية من انقطاع الخيط الذي يربط البيت الأول بالشارع الجديد. خشية من أن تتحول الذاكرة إلى صورة باهتة معلّقة فوق جدار لا يلتفت إليه أحد. شعرتُ أن الغربة لا تكتفي بأخذ الجغرافيا، إذ تمضي أبعد فتأخذ الكلمات، ثم…

شادي حاجي قاتل الكرد في سوريا بشجاعة، وهزموا “داعش” حيث فشل كثيرون، لكنهم حين انتقلت البلاد من الحرب إلى السياسة، وجدوا أنفسهم خارج الغرفة. هذا الإقصاء لا يمكن تفسيره فقط بتآمر الخارج، ولا تبرئته بحجّة “الظروف الدولية”. خطيئة القوة بلا سياسة امتلك حزب الاتحاد الديمقراطي (PYD) القوة العسكرية، لكنه أخطأ حين افترض أن الانتصار في الميدان يكفي لفرض الاعتراف السياسي….