مقالات

هل يناضل الكورد لينتصروا؟

هل يناضل الكورد لينتصروا؟

د. محمود عباس

لماذا تستطيع أحزاب كوردية أن تشرح لأجيال شعبها أسباب استمرار النضال، وتعجز عن توضيح ما يقرّبها من الانتصار؟

واجه الكورد، عبر إماراتهم وقبائلهم وانتفاضاتهم، ثم حراكهم السياسي والثقافي الحديث، سلطات استهدفت استقلال قرارهم ووجودهم وحقوقهم. وفاقم التآكل الداخلي قدرتَ تلك السلطات على إخضاعهم، مستنزفًا قواهم ومعطّلًا تحويل تضحياتهم إلى مكتسبات راسخة. وتكامل القمع العسكري مع الإخضاع الإداري والإعلامي، ثم أضافت التنظيمات التكفيرية إلى الاستهداف القومي محاكماتٍ لإيمان الكورد، ومنحت نفسها سلطة توزيع صكوك الإيمان والخيانة والتحدّث باسم الله.

وفي التاريخ الديني الكوردي، من الموروثات الأزداهية والزرادشتية والإيزيدية إلى حضور اليهودية والمسيحية والإسلام، تجارب عميقة من الإخلاص للمعتقد. لكنّ سلطات خارجية وقوى محلية وظّفت الانتماء الديني والمذهبي، مستفيدة من الجهل والتعصّب، لتحويل الكوردي المختلف إلى خصم. ودفع أبناء كوردستان ثمن ولاءات جعلت إرضاء السلطة الدينية والسياسية مقدّمًا على حقوق الشريك في الوطن.

واستثمرت القوى المهيمنة على كوردستان خصومات الإمارات والزعامات والقبائل، ثم تناقضات الأحزاب الحديثة. وبلغ الاختلاف الكوردي أخطر مراحله عندما استعانت قيادات بمن ينكر حقوق شعبها لترجيح موقعها على منافس كوردي؛ فأصبح لخصوم كوردستان نفوذ داخل القرار الكوردي نفسه. والمؤلم أنّ سياسيين ومثقفين يشرحون اليوم كيف استُخدمت خلافات أسلافهم، ثم يبرّر بعضهم الاستقواء بالقوى نفسها لخدمة حزبه. هكذا تصبح المعرفة التاريخية إدانةً لتبعية مضت، وذريعةً لتبعية حاضرة.

ومع ذلك، حافظ الشعب الكوردي على قسم كبير من لغته وثقافته وروابطه وحضوره السياسي، رغم القمع والتهجير ومحاولات الصهر والاستنزاف الداخلي. يكشف هذا البقاء طاقة هائلة تستحقّ تنظيمًا يحوّلها إلى حقوق ومؤسسات ومكتسبات قابلة للحماية. وقدرة المجتمع الكوردي على تعويض خسائره تفرض مساءلة القيادات التي تسهم في إنتاجها؛ فصمود الشعب لا يكفي وحده لإثبات سلامة القرار السياسي.

ومع الخوارزميات والذكاء الاصطناعي، اتّسعت أدوات تشويه الحضور الكوردي: إغراق خطابه بالضجيج، واقتطاع تصريحات كتّابه وسياسييه، وترويج ما يطعن بعضهم ببعض. وتتجاهل منصّات معادية إنتاج الكورد المعرفي والأدبي، ثم تحتفي بنصّ خرج من خصومة داخلية، وتقدّمه شهادةً على فشل شعب بأكمله. لذلك تقتضي مسؤولية الكاتب الكوردي تحديد موضوع نقده: من ارتكب الخطأ؟ وأيّ قرار يُساءَل؟ وبأيّ دليل؟ فالإدانة الفضفاضة تتيح تحويل نقد قيادة إلى طعن في أهلية شعب لحقوقه.

وتخوض الثقافة الكوردية معركة أخرى على استقلال الاعتراف بها. فبعض المنابر العربية تنشر للكاتب الكوردي، لكنها تهمّش تجربته أو تختزله في التعليق على النزاعات الكوردية. ويزداد أثر هذا الانتقاء عندما يقبل الكاتب اعتراف تلك المنابر مقياسًا أعلى لقيمته، ويكيّف خطابه طلبًا لرضاها. عندها تصبح مكانته مرهونة بحاجة غيره إلى صوته، ويتراجع حضوره صاحبَ معرفة وموقف مستقل.

وفي الداخل، تتحمّل المنابر الحزبية والثقافية الكوردية مسؤولية حماية النقاش من التشهير والتخوين، وتتحمّل القيادات مسؤولية الإجابة عن النقد. فتحويل الاعتراض إلى مؤامرة يحصّن صاحب القرار ويترك الخطأ يتكرّر. ويجب أن تتوجّه المساءلة إلى من يعقد التحالفات ويحتكر المعلومات ويحدّد أولويات المواجهة؛ فالمواطن الكوردي الذي يدفع أثمان هذه الخيارات لا يملك بالضرورة سلطة اتخاذها.

لقد أثقلت الحروب الدموية والسياسية والثقافية والاجتماعية والاقتصادية حياة أجيال الكورد، حتى كاد استمرار المواجهة يصبح في خطاب بعض الأحزاب برهانًا على صواب الطريق. تُستدعى التضحيات للردّ على السؤال عن النتائج، مع أنّ دماء الضحايا تزيد مسؤولية القيادة عن تفسير قراراتها: ما الحقوق التي انتُزعت؟ وما المكتسبات التي حُميت؟ وأيّ الخسائر فرضها عدوان الخصم، وأيّها أسهمت فيها أخطاء القرار الكوردي؟

ولا تُقاس مسؤولية الأحزاب الكوردية بما يتجاوز إمكاناتها، بل بكيفية استخدام المتاح منها، وبالخيارات التي تملك حرية اتخاذها.

الخطر أن تمنح ديمومة النضال الحزبَ شرعيةً تعفيه من إثبات تقدّمه، وأن يصبح بقاء التنظيم مقياسًا لبقاء القضية. ومن حقّ الشعب الكوردي أن يعرف المستقبل الذي تعدّه أحزابه، وأدوات بلوغه وأولوياته ومراحله. فالشعار القومي وسنوات المواجهة لا يجيبان وحدهما عن مقدار ما أضافه الحزب إلى قدرة الكورد على تقرير مصيرهم.

أثبت الكورد قدرتهم على الاحتمال؛ وعلى حراكهم السياسي والثقافي أن يحوّل هذه القدرة إلى إرادة منظّمة، ومؤسسات مستقلة، وقرار يقلّل الاستنزاف ويحمي المكتسبات. ويتطلّب ذلك تآلفًا بين أطراف الحراك الكوردي على أهداف قومية مشتركة، واحترامًا لاختلافاتها. يستحقّ كل جيل كوردي أن يرث حقوقًا أرسخ وأدوات أقوى، إلى جانب ذاكرة الجراح وأسباب مواصلة المعركة. ومن هنا يُطرح السؤال على القيادات والأحزاب والنخب الكوردية: هل تقودون نضال الشعب نحو الانتصار، أم تديرون استمراره؟

 

د. محمود عباس

الولايات المتحدة الأمريكية

1/11/2026 م

 

هل وجدت هذا المقال مفيدًا؟

رأيك يساعدنا في تحسين المحتوى

100% من القراء أعجبهم المقال
(1 تقييم)
0 0 الأصوات
Article Rating
الاشتراك
نبّهني عن
guest
0 Comments
الأقدم
الأحدث الأكثر تصويت

مقالات أخرى