د. عدنان بوزان
ليست المسألة المطروحة اليوم في باشور كوردستان (إقليم كوردستان العراق) مجرد خلاف سياسي بين أربيل والسليمانية، ولا هي محض تباين في وجهات النظر بشأن توزيع الصلاحيات الإدارية والموارد المالية أو طبيعة العلاقة بين حكومة الإقليم ومؤسساتها، بل إنها تعكس أزمة سياسية وبنيوية أعمق تتصل بطبيعة المشروع السياسي الكوردي، وبمدى قدرة القوى المتصدرة للمشهد على التمييز بين المصالح الوطنية الاستراتيجية ومصالحها الحزبية ومقتضيات استمرارها في السلطة. فعندما تصبح المحافظة على مواقع النفوذ أولوية تتقدم على حماية الكيان السياسي، وعندما تتحول الشراكة الوطنية إلى معادلة لتقاسم السلطة بدلاً من أن تكون أساساً لبناء مؤسسات مشتركة، لا يعود الانقسام مجرد اختلاف سياسي مشروع، بل يتحول إلى عامل استنزاف تدريجي للمقومات التي يقوم عليها الإقليم. ومن هذا المنطلق، أرى أن النقاش المتعلق بإقليم واحد أم إقليمين ينبغي ألا ينطلق من مسألة إعادة رسم الخريطة الإدارية أو البحث في إمكان فصل السليمانية وحلبجة عن أربيل ودهوك، بقدر ما ينبغي أن ينطلق من سؤال سياسي أكثر جوهرية: لماذا عجزت القوى السياسية الكوردية، على الرغم من امتلاكها تجربة طويلة في الحكم والإدارة، عن بناء صيغة مستقرة للشراكة السياسية تضمن التعددية، وتحمي المؤسسات، وتمنع تحول الاختلاف إلى صراع مستمر على السلطة والنفوذ؟
إن الإشكالية الأساسية، في تقديري، لا تكمن في تعدد الأحزاب الكوردية، ولا في اختلاف برامجها السياسية أو توجهاتها الاقتصادية والإدارية، فالتعددية الحزبية ظاهرة طبيعية في المجتمعات التي تسعى إلى بناء نظام سياسي تعددي، بل يمكن أن تشكل مصدراً للقوة والتجدد إذا استندت إلى التنافس الديمقراطي والاحتكام إلى المؤسسات واحترام قواعد العمل السياسي. وإنما تكمن المشكلة في طبيعة إدارة هذا التعدد، وفي عجز بعض القوى السياسية عن تجاوز منطق الحزب بوصفه مركزاً مستقلاً للسلطة، والتعامل مع الإقليم باعتباره كياناً سياسياً مشتركاً تتقدم فيه المصلحة العامة على الاعتبارات التنظيمية والحزبية. فالتنافس السياسي، عندما يفقد ارتباطه ببرامج الحكم والمساءلة العامة، يتحول تدريجياً إلى تنافس على مراكز القرار ومصادر الموارد ومجالات النفوذ، وتصبح السلطة في هذه الحالة غاية تسعى الأطراف إلى المحافظة عليها، لا مسؤولية سياسية يفترض أن تخضع للمحاسبة والتداول. وضمن هذه المعادلة، يغدو التوافق أكثر صعوبة من استمرار الخلاف، لأن الوصول إلى تسوية حقيقية قد يفرض على بعض الأطراف إعادة النظر في امتيازاتها التقليدية، والتنازل عن أجزاء من نفوذها لمصلحة مؤسسات عامة لا تخضع لإرادة حزب بعينه.
وهنا تبرز مفارقة سياسية تستحق التوقف عندها: لماذا يبدو الاتفاق بين القوى السياسية الكوردية أكثر صعوبة من استمرار خلافاتها، رغم أن المصالح الوطنية المشتركة يفترض أن تكون أوسع وأبقى من المصالح الحزبية؟ أرى أن أحد التفسيرات الرئيسية لهذه المفارقة يرتبط بتشابك الحسابات الداخلية مع الارتباطات والتحالفات الإقليمية والدولية التي بنتها بعض القوى الكوردية عبر سنوات طويلة. فقد تجاوزت حسابات هذه القوى، في كثير من الأحيان، حدود التنافس الداخلي، وأصبحت تتأثر بتوازنات خارجية ومصالح متقاطعة مع أطراف إقليمية ودولية. ولا يعني ذلك أن إقامة العلاقات الخارجية أو بناء التحالفات السياسية أمر سلبي في حد ذاته، فهذه من أدوات العمل السياسي والدبلوماسي التي تلجأ إليها مختلف الكيانات السياسية، وإنما تكمن المشكلة عندما تتحول تلك العلاقات من وسائل لتعزيز المصالح الوطنية إلى محددات تؤثر في استقلالية القرار الداخلي، أو عندما تتعارض حسابات الأطراف الخارجية مع مقتضيات التوافق الكوردي، فتجد القوى السياسية نفسها أمام أولويات متباينة تجعل الاتفاق على موقف مشترك أمراً بالغ الصعوبة. وعند هذه النقطة، لا يعود الاختلاف مجرد تباين في تقدير المصالح أو اختلاف في الرؤى والبرامج، بل يصبح انعكاساً لتوازنات تتجاوز حدود الإقليم، وتؤثر بصورة مباشرة أو غير مباشرة في مسار قراراته السياسية.
ومن هذا المنطلق، يمكن تفسير جانب من استمرار الأزمات دون الوصول إلى تسويات سياسية مستقرة. فالتوافق الذي يفترض أن يؤدي إلى توحيد المؤسسات والقرار السياسي قد يقتضي من بعض الأطراف التخلي عن امتيازات راكمتها خلال سنوات الحكم، أو القبول بإعادة توزيع الصلاحيات والنفوذ على أسس مؤسساتية أكثر عدالة. في المقابل، يمنح استمرار الانقسام كل طرف مساحة أوسع للاحتفاظ بمراكز قوته وأدوات تأثيره، وإدارة مناطق نفوذه وفق حساباته الخاصة. وهكذا تتحول الأزمة، بدلاً من أن تكون حالة استثنائية تستدعي المعالجة، إلى واقع سياسي قابل للاستمرار، حتى وإن كانت تكلفته باهظة على المجتمع ومستقبل الإقليم. وقد يبدو الصراع في ظاهره تنافساً بين رؤيتين سياسيتين مختلفتين، لكنه في بعض جوانبه يعكس تنازعاً على مراكز السلطة ومجالات النفوذ أكثر مما يعكس اختلافاً جوهرياً حول طبيعة النظام السياسي الذي ينبغي بناؤه. وهذه نقطة بالغة الأهمية؛ لأن اختلاف البرامج يمكن أن يكون مدخلاً للتطور السياسي، أما تحويل الخلاف إلى وسيلة دائمة لحماية المواقع الحزبية، فإنه يقوض إمكانية بناء مشروع وطني مشترك.
إن أخطر ما في هذه المعادلة أن التوافق قد يتحول، في حسابات بعض مراكز القوة، من ضرورة وطنية إلى تهديد سياسي. فتوحيد القرار يعني الحد من التصرفات المنفردة، وتوحيد المؤسسات يعني إخضاع مختلف مراكز النفوذ لقواعد قانونية وإدارية مشتركة، وإقامة نظام مؤسساتي حقيقي تعني أن الحزب لا يستطيع التعامل مع المؤسسات العامة باعتبارها امتداداً لنفوذه التنظيمي. ولذلك قد يصبح استمرار الخلاف، بالنسبة إلى بعض الأطراف، أقل كلفة من الوصول إلى تسوية تفرض عليها تقاسم السلطة بصورة فعلية، لا شكلية. وهنا ينبغي التمييز بين ما يخدم بقاء الأحزاب في الحكم وما يخدم استمرار التجربة السياسية الكوردية؛ فليس كل ما يحقق مكاسب حزبية يحقق مكاسب وطنية، وليس كل ما يحافظ على مواقع القيادات يضمن حماية المكتسبات السياسية والدستورية التي تحققت عبر عقود من النضال والتضحيات.
أما الطرح المتعلق بإقامة إقليمين، أحدهما في أربيل ودهوك، والآخر في السليمانية وحلبجة، فلا ينبغي التعامل معه بوصفه حلاً إدارياً جاهزاً للخلاف القائم، أو باعتباره مخرجاً حتمياً من حالة الانسداد السياسي. فمن الناحية النظرية، يمكن النظر إلى تعدد الأقاليم باعتباره أحد الخيارات الدستورية لتنظيم الصلاحيات وتوسيع اللامركزية السياسية والإدارية، والاستجابة لخصوصيات المناطق واحتياجات سكانها. غير أن السؤال الجوهري لا يتعلق بإمكان إعادة تنظيم الإدارة فحسب، بل بطبيعة النتائج السياسية والمؤسساتية التي يمكن أن تترتب على هذا الخيار: هل سيؤدي إلى معالجة جذور الأزمة، أم سيمنح الانقسام الحزبي القائم إطاراً مؤسساتياً وجغرافياً أكثر رسوخاً؟ وهل ستكون الغاية منه تحسين كفاءة الإدارة وتوسيع المشاركة السياسية، أم أنه سيصبح وسيلة لتثبيت مناطق النفوذ وإضفاء شرعية إدارية على واقع الانقسام؟ إن الفصل الإداري لا يعني بالضرورة إنهاء الصراع، كما أن إنشاء مؤسسات منفصلة لا يضمن نشوء ثقافة سياسية جديدة. بل قد نجد أنفسنا أمام سلطتين منفصلتين، لكل منهما حساباتها السياسية والاقتصادية والأمنية وتحالفاتها الخارجية، في حين تبقى القضايا القومية والاستراتيجية والمصالح المشتركة معلقة بين الطرفين.
ومن الخطأ افتراض أن تحويل الخلاف السياسي إلى انفصال إداري ومالي وأمني سيؤدي تلقائياً إلى الاستقرار. فقد يخفف هذا الخيار بعض مظاهر الاحتكاك المباشر، وربما يمنح كل منطقة قدرة أكبر على إدارة شؤونها المحلية، لكنه لا يعالج بالضرورة الأسباب السياسية التي أنتجت الأزمة، ولا يضمن بناء علاقة مستقرة بين الكيانين المفترضين. بل إن غياب الضمانات المؤسسية والتوافقات السياسية قد ينقل الصراع من داخل المؤسسات المشتركة إلى ما بين مؤسسات منفصلة، ويحول الاختلافات الحزبية إلى تنافس بين سلطتين على الموارد والصلاحيات والشرعية السياسية. ومع مرور الوقت، قد تتكرس حدود إدارية ونفسية واقتصادية يصعب تجاوزها، فتتحول المعالجة التي كان يفترض أن تخفف الأزمة إلى عامل إضافي لتعقيدها. ولذلك فإن أي نقاش جدي بشأن هذا الخيار ينبغي أن يسبقه تقييم شامل لتداعياته السياسية والاقتصادية والدستورية والأمنية، وأن ينطلق من إرادة المواطنين ومصالحهم، لا من حسابات القيادات ومراكز النفوذ.
ولا يمكن في هذا السياق إغفال البعد الدستوري والقانوني للمسألة. فالدستور العراقي لعام 2005 أقر إقليم كوردستان وسلطاته القائمة إقليماً اتحادياً بموجب المادة (117)، كما نصت المادة (119) على حق محافظة أو أكثر في تكوين إقليم، وفق إجراءات محددة تبدأ بطلب يطرح للاستفتاء، سواء أكان مقدماً من ثلث أعضاء مجالس المحافظات المعنية أم من عشر الناخبين في كل محافظة. غير أن هذه النصوص تنظم آلية تكوين الأقاليم الجديدة، ولا تتضمن حكماً صريحاً ومفصلاً ينظم انسحاب محافظة من إقليم اتحادي قائم وإعادة تنظيم وضعها ضمن إقليم جديد. ومن ثم، فإن الانتقال من الحديث السياسي عن إقليمين إلى تطبيق هذا التصور عملياً يستوجب دراسة دستورية وقانونية متخصصة، تبحث في مدى انطباق النصوص ذات الصلة، والإجراءات اللازمة، وحدود الاختصاصات الاتحادية والإقليمية، والآثار المترتبة على إعادة تنظيم المؤسسات والموارد والالتزامات المالية والأمنية. فالمسائل التي تمس بنية النظام الاتحادي لا يجوز أن تحسم بالضغط السياسي أو التهديد المتبادل، بل ينبغي أن تخضع لمبدأ المشروعية الدستورية، وأن تستند إلى إرادة السكان والآليات القانونية والمؤسساتية المعتمدة.
لكنني أعتقد أن الخطر الأكبر لا يكمن في احتمال قيام إقليمين بحد ذاته، وإنما في استمرار العقلية السياسية التي أنتجت الأزمة الحالية، بصرف النظر عن الشكل الإداري الذي ستؤول إليه الأمور. فما الجدوى من إقامة إقليمين إذا كان كل منهما سيعيد إنتاج نموذج الحكم الحزبي المغلق ذاته؟ وما قيمة توسيع الصلاحيات الإدارية إذا ظلت المؤسسات خاضعة لمراكز النفوذ، ولم تتحول إلى مؤسسات عامة تمثل المواطنين وتخضع للمساءلة؟ إن الإشكالية لا تتعلق بشكل النظام الإداري وحده، بل بطبيعة العلاقة بين السلطة والمجتمع، وبمدى استعداد القوى السياسية للتخلي عن احتكار القرار، والقبول بأن يكون الإقليم أكبر من الحزب، وأن تكون المؤسسات أقوى من الأشخاص، وأن تخضع ممارسة السلطة لقواعد قانونية لا تتغير بتغير موازين النفوذ. فالإصلاح السياسي الحقيقي لا يبدأ بإعادة توزيع الخريطة الإدارية، وإنما بإعادة تعريف مفهوم السلطة وحدودها ووظيفتها، وتحويلها من مجال للامتياز الحزبي إلى مسؤولية عامة تستمد مشروعيتها من إرادة المواطنين.
وهنا لا بد من الإشارة إلى أن الأزمة الكوردية في بعض جوانبها لا تنفصل عن أزمة أوسع تعاني منها البنية السياسية العراقية عموماً. فثمة أوجه تشابه في أنماط ممارسة السلطة لدى قوى سياسية عربية وكوردية، على اختلاف مرجعياتها وخطاباتها، ولا سيما في تغليب الولاءات الشخصية والحزبية، وتقديم شبكات النفوذ على المؤسسات، وتحويل الاستحقاقات العامة إلى حصص تتقاسمها القوى المتنفذة. وهذا التشابه لا يعني تطابق التجارب أو المسؤوليات أو الظروف التاريخية والسياسية، لكنه يكشف عن مشكلة بنيوية في الثقافة السياسية السائدة، تتمثل في استمرار تأثير عقلية الزعامة والاستئثار بالقرار على حساب مفاهيم المواطنة والمؤسسات والمساءلة. ومن هنا، فإن تغيير الخريطة الإدارية وحده لن يكون كافياً ما لم يترافق مع تحول حقيقي في فلسفة الحكم، وفي فهم العلاقة بين القيادة السياسية والمجتمع، وفي إدراك أن شرعية السلطة لا تقاس بقدرتها على الاحتفاظ بمواقعها، وإنما بقدرتها على إدارة الشأن العام وتحقيق مصالح المواطنين.
ولعل ما يزيد من خطورة المشهد أن تجربة باشور كوردستان تمتلك من المقومات السياسية والتاريخية والجغرافية والمؤسساتية ما كان يمكن أن يجعلها نموذجاً متقدماً في إدارة التعددية والحكم الاتحادي في العراق والمنطقة. فقد راكم الإقليم تجربة طويلة في الحكم الذاتي، ثم في ظل النظام الاتحادي العراقي، واكتسب حضوراً سياسياً وعلاقات خارجية ومؤسسات إدارية وأمنية واقتصادية. وكان من المفترض أن تتحول هذه المكتسبات إلى قاعدة لبناء مشروع سياسي أكثر نضجاً واستقلالية، قادر على حماية الحقوق الدستورية وتطوير المؤسسات وتعزيز الاستقرار. غير أن استمرار الانقسام، وتعدد مراكز القرار، وتغليب الحسابات الحزبية على مقتضيات العمل المشترك، تهدد بتحويل هذه المكتسبات إلى أوراق تفاوضية متبادلة، بدلاً من أن تكون عناصر قوة جماعية. فالكيانات السياسية لا تفقد مكانتها بالضرورة نتيجة هزيمة عسكرية أو قرار دولي، بل قد تتعرض للتآكل التدريجي عندما يعجز قادتها عن الاتفاق على الحد الأدنى من المصالح المشتركة، وعندما تصبح الخلافات الداخلية أكثر تأثيراً في مستقبلها من التحديات الخارجية التي تواجهها.
وإذا أردنا قراءة المشهد من منظور كوردي أوسع، فإن ما يحدث في باشور كوردستان ينبغي أن يكون موضع مراجعة سياسية جادة في ضوء التجربة التي مرت بها روجافاي كوردستان (كوردستان سوريا). ولا يعني ذلك وضع التجربتين في إطار واحد أو تجاهل الاختلافات الجوهرية بين ظروفهما الدستورية والسياسية والعسكرية والإقليمية، فلكل منهما خصوصيتها وتعقيداتها، لكن ثمة درساً استراتيجياً مشتركاً لا يجوز إغفاله: إن غياب التوافق السياسي الكوردي الواسع، وعدم القدرة على بناء مرجعية مشتركة، وترك الخلافات الحزبية تتحكم في العلاقات بين القوى، كلها عوامل تجعل المكتسبات السياسية عرضة للضغوط والتراجع، مهما كانت التضحيات التي بذلت من أجل تحقيقها. وما شهدته التجربة الكوردية في سوريا خلال السنوات الماضية ينبغي أن يدفع القوى السياسية في باشور إلى التعامل مع الانقسام بوصفه خطراً استراتيجياً يستوجب المعالجة، لا مجرد خلاف حزبي يمكن تأجيله أو احتواؤه مؤقتاً. فالتاريخ لا يمنح الشعوب ضمانات دائمة، والمكتسبات السياسية لا تحمي نفسها بنفسها؛ بل تحتاج إلى إرادة سياسية واعية، ومؤسسات قادرة على صونها، وقيادات تدرك أن مسؤوليتها تتجاوز حدود الحزب والمنطقة ومراكز النفوذ.
ومن هنا، فإنني أخشى أن يؤدي استمرار النهج السياسي الحالي في باشور كوردستان إلى إضعاف الإقليم من الداخل، وتقليص قدرته على حماية صلاحياته ومكانته الدستورية ضمن النظام الاتحادي العراقي. فعندما تتعدد مراكز القرار وتتضارب المواقف، يصبح التفاوض مع الحكومة الاتحادية أكثر تعقيداً، وتتراجع القدرة على تقديم مطالب مشتركة تستند إلى موقف سياسي متماسك. كما تتأثر قدرة الإقليم على بناء سياسة خارجية متوازنة، لأن فاعلية السياسة الخارجية ترتبط، إلى حد كبير، بوجود حد أدنى من التوافق الداخلي حول المصالح الاستراتيجية. والأخطر من ذلك أن القوى الإقليمية والدولية قد تجد في الانقسامات الداخلية فرصاً لإعادة ترتيب علاقاتها وموازين نفوذها بما يتوافق مع مصالحها، دون أن تكون بالضرورة معنية بحماية وحدة القرار الكوردي أو استقرار مؤسساته. ففي العلاقات الدولية، لا تكفي عدالة القضية وحدها لضمان حمايتها، بل لا بد من امتلاك القدرة السياسية والمؤسساتية على إدارتها، وتوحيد أدوات التفاوض بشأنها، وبناء موقف داخلي يمنحها قوة الاستمرار.
إن التجربة الكوردية، في أجزائها المختلفة، تدفعنا إلى مساءلة العلاقة بين الخطاب القومي والممارسة السياسية. فما قيمة الحديث عن وحدة المصير إذا كانت القوى التي ترفع هذا الشعار عاجزة عن الاتفاق على الحد الأدنى من إدارة المصالح المشتركة؟ وما جدوى الدفاع عن الحقوق القومية إذا كانت الخلافات الحزبية تضعف القدرة على حمايتها؟ إن الهوية القومية المشتركة لا تفرض تطابق الرؤى السياسية، ولا تلغي حق الأحزاب في الاختلاف والتنافس وبناء التحالفات، لكنها تقتضي إدراكاً عميقاً بأن الاختلاف لا ينبغي أن يتحول إلى أداة لتقويض المصالح الاستراتيجية المشتركة. فمن حق كل حزب أن يحتفظ ببرنامجه السياسي وخياراته وتحالفاته، لكن ليس من حق أي طرف أن يجعل مستقبل الشعب رهينة لحساباته الخاصة، أو أن يتعامل مع المؤسسات العامة باعتبارها امتداداً لنفوذه التنظيمي. فالمسؤولية القومية لا تقاس بكثرة الشعارات، وإنما بمدى القدرة على ترجمة تلك الشعارات إلى ممارسات سياسية تحمي الشعب وتصون مكتسباته وتضمن حقوق أجياله المقبلة.
ولذلك أرى أن النقاش الحقيقي ينبغي أن ينتقل من ثنائية إقليم واحد أم إقليمين إلى سؤال أكثر عمقاً واتصالاً بجوهر الأزمة: أي نموذج سياسي نريد أن نبني، ولمن ستكون السلطة، ومن يملك حق تحديد مستقبل الإقليم؟ فإذا كان الهدف هو إقامة نظام يضمن التعددية السياسية، ويحقق العدالة في توزيع الموارد والصلاحيات، ويحترم إرادة المواطنين، ويمنع احتكار القرار، فإن تحقيق هذه الأهداف ممكن من خلال إقليم واحد ذي مؤسسات موحدة وحكم لامركزي عادل، كما يمكن من حيث المبدأ بحث صيغ إدارية أخرى ضمن الأطر الدستورية، شريطة ألا تتحول إلى أدوات لتكريس الانقسام الحزبي. أما إذا بقيت عقلية الحكم قائمة على المحاصصة والنفوذ والارتباطات الخارجية المتعارضة، فلن يكون الإقليم الواحد ضمانة حقيقية للوحدة، ولن يكون الإقليمان ضمانة للاستقرار. فالخلاف الذي لا يعالج في جذوره السياسية والمؤسساتية لا يختفي بمجرد تغيير الحدود الإدارية، وإنما ينتقل إلى مستويات أخرى، وقد يصبح أكثر تعقيداً وأصعب احتواءً.
إن المطلوب اليوم ليس اتفاقاً شكلياً بين القيادات، ولا صورة جماعية أمام الكاميرات، ولا بياناً سياسياً مؤقتاً يتراجع مفعوله عند أول اختلاف على المناصب أو الموارد، بل تفاهم سياسي استراتيجي يعيد تعريف العلاقة بين الأحزاب والسلطة والمجتمع، ويؤسس لعقد سياسي يقوم على احترام الدستور وسيادة القانون وفصل المؤسسات العامة عن الهيمنة الحزبية. ويتطلب ذلك العمل الجاد على توحيد المرجعيات الأمنية والعسكرية، وإيجاد نظام مالي وإداري شفاف، وضمان استقلال القضاء، وتكريس مبدأ تكافؤ الفرص، وإخضاع السلطة للمساءلة الشعبية، فضلاً عن بناء آليات مؤسساتية لإدارة الخلافات ومنع تحولها إلى أزمات تهدد الاستقرار. كما يتطلب مراجعة طبيعة العلاقات الخارجية، بحيث تندرج ضمن رؤية استراتيجية مشتركة تخدم المصالح العليا للإقليم، لا أن تتحول إلى مسارات متعارضة تتنافس من خلالها الأحزاب على اكتساب النفوذ والدعم. والأهم من ذلك كله، أن يكون المواطن الكوردي صاحب الحق الأصيل في تحديد شكل الإدارة التي يريدها، وأن تكون إرادته هي المرجعية النهائية في أي تغيير سياسي أو دستوري يمس مستقبل الإقليم.
وفي تقديري، فإن الخطر الذي يواجه باشور كوردستان لا يتمثل فقط في احتمال الانقسام الإداري، بل في اعتياد النخبة السياسية على الانقسام بوصفه واقعاً دائماً لا يمكن تجاوزه. فعندما تتحول الأزمات المتكررة إلى نمط مستقر في الحياة السياسية، ويصبح غياب التوافق قاعدة، بينما يغدو الاتفاق استثناءً مؤقتاً، تتآكل تدريجياً فكرة المشروع المشترك، ويبدأ كل طرف في بناء حساباته المستقبلية بمعزل عن الآخرين. وهذه هي المرحلة الأكثر خطورة، لأن الانقسام عندها لا يبقى محصوراً في خلافات القيادات، بل يمكن أن يمتد إلى البنية الاجتماعية والاقتصادية، ويؤثر في علاقات المواطنين ومصالحهم وتصوراتهم للمستقبل. وعندما يتحول التنافس الحزبي إلى انقسام في المصالح والولاءات، تصبح استعادة الثقة والوحدة السياسية أكثر صعوبة، حتى لو توافرت لاحقاً إرادة حقيقية لمعالجة الأزمة.
إنني لا أدافع عن الإقليم الواحد لمجرد أن الوحدة أفضل من التعدد الإداري في جميع الظروف، كما أنني لا أتعامل مع فكرة الإقليمين باعتبارها خياراً مرفوضاً من حيث المبدأ. ما أرفضه هو تحويل الخيارات الدستورية والإدارية إلى أدوات للمساومة على السلطة، أو استخدامها غطاءً سياسياً لإدامة الصراع بين مراكز النفوذ، ثم مطالبة الشعب الكوردي بالاختيار بين شكلين إداريين دون معالجة الأسباب الحقيقية التي أوصلت التجربة إلى هذا المستوى من الانقسام. فالوحدة التي تقوم على الإكراه واحتكار القرار ليست وحدة سياسية حقيقية، والتعدد الإداري الذي يبنى على المصالح الحزبية الضيقة لا يمثل بالضرورة لامركزية ديمقراطية. وما نحتاج إليه هو نظام سياسي يضمن أن يكون الاختلاف مصدر قوة وتجدد، لا مدخلاً للتفكك، وأن تكون المؤسسات إطاراً جامعاً لجميع المواطنين والقوى السياسية، لا أدوات خاضعة لموازين النفوذ والتفاهمات المؤقتة.
وفي المحصلة، أرى أن باشور كوردستان يقف أمام مفترق طرق استراتيجي لا يحتمل المزيد من المراهنة على الوقت أو الاكتفاء بإدارة الأزمات بدلاً من معالجتها. فإما أن تدرك القوى السياسية أن استمرارها في إدارة الخلافات بمنطق المصالح الحزبية والارتباطات الخارجية المتعارضة سيؤدي إلى إضعاف الإقليم تدريجياً، وربما يهدد مكتسبات سياسية ودستورية تحققت عبر عقود من التضحيات، وإما أن تستمر في النهج ذاته حتى تجد نفسها أمام واقع سياسي لم تعد تملك القدرة الكافية على التحكم في مساراته أو الحد من تداعياته. وما يقلقني ليس احتمال أن يصبح في كوردستان إقليمان بدلاً من إقليم واحد بقدر ما يقلقني أن يؤدي العجز عن بناء التوافق إلى إضعاف الكيان السياسي القائم، وفقدان القدرة على حماية المكتسبات التي تحققت فيه.
لقد قدمت روجافاي كوردستان تضحيات جسيمة في سياق تجربتها السياسية والعسكرية، وواجهت تحديات داخلية وإقليمية ودولية معقدة، ولا ينبغي أن تتحول تجربة باشور إلى مسار آخر يعيد إنتاج الخسائر ذاتها بأسباب مختلفة وظروف مغايرة. فالشعوب لا تخسر قضاياها دائماً لأن خصومها يمتلكون قوة أكبر، بل قد تتراجع مواقعها أيضاً عندما تعجز قياداتها عن إدراك أن القوة الحقيقية لا تكمن في عدد الأحزاب، ولا في اتساع مناطق النفوذ، ولا في حجم التحالفات الخارجية، وإنما في القدرة على بناء إرادة سياسية مشتركة، وتقديم المصلحة الوطنية على الحسابات الفئوية، وتحويل المكتسبات إلى مؤسسات راسخة لا تتأثر بتبدل القيادات والتحالفات.
فالمسألة في جوهرها ليست كم إقليماً نريد، ولا أين ترسم الحدود الإدارية بين أربيل والسليمانية، بل ما إذا كنا نمتلك مشروعاً سياسياً مشتركاً وإرادة وطنية قادرة على حماية ما تحقق، ومنع تكرار الخسارة في تجربة أخرى. فالإقليم الذي تعجز قواه السياسية عن الاتفاق على حمايته، لن تنقذه حدود إدارية جديدة، ولن تصون مستقبله تعددية شكلية تخفي وراءها صراعاً دائماً على السلطة.



