شفان عباس
عندما نتحدث عن تاريخ الحركة الوطنية الكوردية في إقليم كوردستان، فإننا لا نتحدث عن تاريخ أحزاب وقيادات فحسب، بل عن تاريخ شعب دفع أثماناً باهظة من أجل البقاء والحرية والكرامة. تاريخ كُتب بدماء الشهداء وتضحيات البيشمركة ومعاناة آلاف العائلات التي واجهت سياسات القمع والإبادة والتهجير.
لقد مرّ إقليم كوردستان بمراحل تاريخية صعبة، وشهد صراعات ومؤامرات داخلية وخارجية استهدفت إرادة الشعب الكوردي ووجوده السياسي. ورغم الاختلافات السياسية والفكرية بين الحزب الديمقراطي الكوردستاني والاتحاد الوطني الكوردستاني، فإن تاريخ النضال الكوردي شهد محطات من التعاون والعمل المشترك، وصولاً إلى تأسيس مؤسسات الإقليم وترسيخ تجربته السياسية.
لكن ما نشاهده ونسمعه اليوم عبر وسائل الإعلام من سجالات وتصريحات متبادلة بين بعض القيادات السياسية في الإقليم يثير أسئلة مؤلمة: هل نسي البعض حجم التضحيات التي قدمها هذا الشعب؟ وهل أصبحت الخلافات السياسية أهم من دماء شهداء الأنفال وحلبجة وبارزان، ومن آلام العائلات التي دفعت أغلى ما تملك من أجل كوردستان؟
أكثر من 180 ألف إنسان بين قتيل ومفقود في حملات الأنفال، وآلاف الضحايا في جريمة حلبجة الكيميائية، إلى جانب مآسي بارزان وغيرها من صفحات الألم في تاريخ شعبنا. هذه ليست أرقاماً عابرة، بل ذاكرة أمة لا يجوز أن تتحول إلى مجرد شعارات في المناسبات السياسية.
وهنا يحق لنا أن نسأل القيادات السياسية جميعاً: ما الأهداف التي حملتموها خلال مسيرة نضالكم؟ ألم تكن الحرية والكرامة وحقوق الشعب الكوردي وتقرير مصيره من أبرز تلك الأهداف؟ وكيف يمكن أن نبرر اليوم انشغال القيادات بالصراعات الحزبية والمصالح السياسية، بينما لا تزال القضية الكوردية بحاجة إلى موقف موحد ورؤية وطنية جامعة؟
إن السؤال الأخطر هو: هل هناك أطراف خارجية تنتظر أن ترى البيت الكوردي منقسماً حتى تحقق أهدافها القديمة في إضعاف إقليم كوردستان وتفكيك مؤسساته؟ وهل ندرك أن الإقليم ليس مجرد إدارة جغرافية، بل يمثل سنداً سياسياً ومعنوياً مهماً للكورد في الأجزاء الأخرى من كوردستان التي قسمت بفعل اتفاقيات وصراعات التاريخ؟
ومن المؤسف أن نرى أسماءً وتضحياتٍ صنعت تاريخاً وطنياً تتحول أحياناً إلى موضوع للمزايدات السياسية، وأن يصبح المنصب أو النفوذ أو التفاهمات السياسية موضعاً للتنافس على حساب المصلحة القومية العليا.
ولنتذكر جميعاً محطة كوباني التاريخية عام 2014، عندما قرر برلمان إقليم كوردستان إرسال قوات البيشمركة للمشاركة في دعم مقاومة المدينة. يومها شاهد العالم راية كوردستان ترفرف فوق آليات البيشمركة المتجهة إلى كوباني، وشاهد الملايين من الكورد في مختلف أجزاء كوردستان كيف تجاوزت القضية حدود الخلافات الحزبية، وكيف تحولت تلك اللحظة إلى رمز للتضامن القومي.
لم تكن تلك اللحظة مجرد تحرك عسكري، بل كانت رسالة سياسية ومعنوية بأن معاناة الكورد في أي جزء من كوردستان تعني الكورد جميعاً، وأن وحدة الموقف قادرة على تجاوز الكثير من الحواجز والخلافات.
يا سادة، كوردستان اليوم لا تحتاج إلى مزيد من الصراعات الإعلامية وتبادل الاتهامات، بل تحتاج إلى قيادات تتحمل مسؤولياتها التاريخية، وتعمل على حماية مؤسسات الإقليم، وجمع الصفوف، وترميم ما تصدع من البيت الكوردي.
إن الشعب الذي قدم كل هذه التضحيات لا يستحق أن يرى تاريخه يتحول إلى ورقة في صفقات سياسية أو وسيلة للوصول إلى المناصب. ومن يختلف سياسياً مع الآخر، فليختلف ضمن المؤسسات والدستور والحوار، لا على حساب مستقبل شعب بأكمله.
كوردستان ليست ملكاً لحزب، ولا إرثاً عائلياً أو سياسياً، بل هي قضية شعب وأرض وذاكرة وتضحيات أجيال.
وأختم بالقول:
إن أرض كوردستان وشعبها يحتاجان اليوم إلى من يدافع عنهما، ويلملم جراحهما، ويعيد الثقة إلى البيت الكوردي، لا إلى من يزيد جراحهما عمقاً. فليس من الحكمة أن نترك مريضاً على سرير الألم، ثم يأتي من يفترض به أن يداويه ليزيد جراحه بدلاً من إنقاذه.
فالتاريخ لن يسأل عن عدد المناصب التي شغلها السياسيون، بل سيسأل عمّا قدموه لشعبهم، وكيف حافظوا على ما تركه الشهداء أمانة في أعناق الأجيال.
كوردستان أكبر من الجميع، ووحدة شعبها ومؤسساتها يجب أن تبقى فوق كل اعتبار حزبي وشخصي.



