مقالات

سوريا في حسابات واشنطن الجديدة: حين تتحول السياسة الخارجية إلى ملف للمساءلة

د. عدنان بوزان
لم تكن نتائج الانتخابات النصفية الأمريكية مجرد خسارة انتخابية عابرة للحزب الجمهوري، أو انتقال تقليدي للأغلبية من حزب إلى آخر داخل المؤسسة التشريعية، بل تمثل تحولاً سياسياً قد تمتد تداعياته إلى ملفات دولية وإقليمية بالغة التعقيد، وفي مقدمتها الملف السوري. ففقدان الجمهوريين السيطرة على مجلسي الكونغرس يضع إدارة دونالد ترامب أمام معادلة سياسية ومؤسساتية جديدة، لا تقتصر تداعياتها على قدرتها على تمرير التشريعات والسياسات، بل تمتد إلى مدى قدرتها على الدفاع عن خياراتها الخارجية وتبرير قراراتها أمام مؤسسات الرقابة والمساءلة. ومن هذا المنطلق، لا ينبغي قراءة هذا التحول من زاوية التنافس الحزبي الأمريكي فحسب، وإنما من خلال ما قد يتيحه من فرص لإعادة تقييم السياسات التي انتهجتها الإدارة خلال المرحلة السابقة، ولا سيما في مناطق النزاع والصراعات الدولية.

وتكمن أهمية هذا التحول في أن الكونغرس لا يقتصر دوره على التشريع وإقرار الموازنات، بل يمتلك أيضاً صلاحيات رقابية وأدوات للتحقيق والاستدعاء والاستجواب، يمكن توظيفها، متى توافرت الإرادة السياسية، لمراجعة أداء الإدارة التنفيذية، والكشف عن طبيعة التفاهمات والاتصالات التي رافقت إدارة الملفات الخارجية. وبذلك، لن تكون السياسة الأمريكية تجاه سوريا بمنأى عن تداعيات هذا التحول، خصوصاً أن واشنطن اتخذت خلال المرحلة الأخيرة قرارات استراتيجية أسهمت في إعادة تشكيل علاقتها بالسلطة الانتقالية في دمشق، وفتحت أمامها أبواباً سياسية ودبلوماسية كانت مغلقة في السابق، من دون أن تنهي التساؤلات الجوهرية المتعلقة بالضمانات الأمنية، وطبيعة النظام السياسي، وحماية المكونات السورية، ومستقبل القوى المسلحة، ومصير الملفات المرتبطة بالتطرف والإرهاب.

وفي هذا السياق، تبرز أهمية الدور الذي أداه المبعوث الأمريكي توم باراك، بوصفه أحد أبرز الوجوه التي تولت إدارة التواصل السياسي مع دمشق، والدفاع عن مقاربة إدارة ترامب تجاه السلطة الانتقالية برئاسة أحمد الشرع. غير أن التحولات في الخطاب الدبلوماسي، ولا سيما ما يتعلق بارتفاع مستوى الاهتمام بالانتهاكات والمجازر التي طالت المدنيين، خصوصاً في الساحل السوري، لا يمكن قراءتها بمعزل عن السياق السياسي والمؤسساتي الأوسع في واشنطن. فالمواقف الدبلوماسية لا تعكس بالضرورة تحولاً في القناعات أو مراجعةً أخلاقيةً للمواقف السابقة، بل قد تكون أيضاً استجابةً لتغير موازين القوة، وتصاعد الضغوط السياسية والرقابية، وتبدل حسابات المصالح داخل المؤسسات الأمريكية. ومع ذلك، فإن الربط بين أي تغير في الخطاب الدبلوماسي والنتائج الانتخابية يظل فرضية سياسية تحتاج إلى أدلة ومعطيات تثبت وجود علاقة مباشرة بينهما، ولا يصح التعامل معها بوصفها حقيقة محسومة.

لكن السؤال الأكثر أهمية لا يتمثل في ما إذا كانت واشنطن ستغير سياستها تجاه سوريا فحسب، بل في ما إذا كانت المرحلة المقبلة ستشهد مراجعة مؤسساتية جدية للأسس التي بنيت عليها هذه السياسة، وللأطراف التي شاركت في صياغتها وتنفيذها، وللنتائج السياسية والأمنية والإنسانية التي ترتبت عليها. فمن حق الكونغرس، في إطار صلاحياته الدستورية والرقابية، أن يبحث في طبيعة التفاهمات التي مهدت للانفتاح السياسي على السلطة الانتقالية، وفي المعايير التي استندت إليها قرارات تخفيف العقوبات وإعادة ترتيب العلاقات الدبلوماسية، وفي مدى انسجام تلك القرارات مع الالتزامات الأمريكية المعلنة بشأن حماية المدنيين والمكونات السورية، ومكافحة التنظيمات المتطرفة، وضمان عدم تحول سوريا مجدداً إلى بيئة حاضنة للجماعات المسلحة العابرة للحدود. كما أن ملفات المجازر والانتهاكات، ومسؤولية المؤسسات الأمنية، ومصير المقاتلين الأجانب، وإدارة السجون ومراكز الاحتجاز، تمثل جميعها قضايا جوهرية لا يجوز استبعادها من أي مراجعة جادة للسياسة الأمريكية في سوريا.

ولعل أخطر ما قد تواجهه الإدارة الأمريكية في هذا السياق ليس مجرد الانتقادات السياسية التي يوجهها خصومها الديمقراطيون، بل احتمال انتقال ملفات السياسة الخارجية من نطاق القرارات التنفيذية والتفاهمات الدبلوماسية إلى فضاء الرقابة المؤسسية العلنية. وعندئذ، قد تتحول العديد من الأسئلة التي جرى تجاوزها خلال مرحلة الانفتاح السياسي إلى موضوعات تستوجب التوضيح والتحقيق والمساءلة: ما طبيعة الضمانات التي حصلت عليها واشنطن مقابل إعادة ترتيب علاقاتها مع دمشق؟ وعلى أي أسس جرى تقييم القوى التي منحت شرعية سياسية ودبلوماسية جديدة؟ وهل كانت حماية المدنيين وحقوق المكونات السورية شرطاً أساسياً في تلك التفاهمات، أم أنها بقيت في حدود التصريحات والالتزامات السياسية التي رافقت إعادة ترتيب المصالح؟ والأهم من ذلك، من يتحمل المسؤولية السياسية عن القرارات التي اتخذت، إذا ثبت أنها أسهمت في تفاقم الانتهاكات أو وفرت غطاءً سياسياً لجهات متورطة فيها؟

إن سوريا ليست مجرد ورقة في معادلة التنافس بين الجمهوريين والديمقراطيين، كما أن مستقبلها لا ينبغي أن يظل رهينة الحسابات الانتخابية الأمريكية أو المصالح المتضاربة للقوى الإقليمية والدولية. غير أن التحولات الجارية في واشنطن قد تفرض على جميع الأطراف التي تعاملت مع الملف السوري إعادة النظر في حساباتها السياسية والدبلوماسية، لأن ما كان يدار في السابق ضمن تفاهمات مغلقة قد يصبح، في ظل تغير موازين القوى، موضع نقاش ومراجعة ومساءلة مؤسساتية. وفي السياسة الدولية، لا تكمن خطورة القرارات في لحظة اتخاذها وحدها، بل في نتائجها وتبعاتها، وفي قدرة أصحابها على الدفاع عنها عندما تتغير الظروف، وتفتح الملفات، وتطرح الأسئلة التي ظلت مؤجلة.

فالمرحلة المقبلة قد لا تكون مجرد مرحلة لتغيير المواقف أو إعادة ترتيب التحالفات، بل قد تتحول إلى اختبار حقيقي للقرارات والسياسات، وكشفٍ لطبيعة التفاهمات التي أُبرمت خلف الأبواب المغلقة، ومساءلةٍ سياسية لمن اعتقد أن النفوذ الدبلوماسي أو الغطاء الدولي يمكن أن يشكلا حصانةً دائمةً في مواجهة حقوق الشعوب وحقائق الوقائع على الأرض.

 

هل وجدت هذا المقال مفيدًا؟

رأيك يساعدنا في تحسين المحتوى

0% من القراء أعجبهم المقال
(0 تقييم)
0 0 الأصوات
Article Rating
الاشتراك
نبّهني عن
guest
0 Comments
الأقدم
الأحدث الأكثر تصويت

مقالات أخرى