مقالات

بين شرعية البرلمان وأزمة السلطة: هل يحق لحزب أن يعطّل الإقليم أو يقسم مؤسساته؟

شادي حاجي

إن ما شهدته الساحة السياسية في إقليم كردستان من انعقاد جلسة البرلمان وانتخاب هيئة رئاسته بعد تعطيله لسنتين تقريباً، رغم مقاطعة الاتحاد الوطني الكردستاني، وما أعقب ذلك من إعلان بافل طالباني الانسحاب من حكومة الإقليم والمطالبة بإرسال رواتب موظفي السليمانية وحلبجة مباشرة من بغداد، يطرح تساؤلات دستورية وقانونية تتجاوز الخلاف الحزبي.

أولاً: شرعية البرلمان لا تتوقف على حضور حزب بعينه.
فالبرلمان مؤسسة دستورية تستمد شرعيتها من الانتخابات والقانون، وليس من التوافق الإلزامي بين الأحزاب. وإذا تحقق النصاب القانوني واستوفيت شروط الدعوة والانعقاد والتصويت، فإن مقاطعة حزب الاتحاد الوطني الكردستاني لا تشكل سبباً قانونياً لإبطال الجلسة أو نتائجها. ولا يملك أي حزب حق تعطيل مؤسسة دستورية لمجرد عدم موافقته على مسارها السياسي.

ثانياً: الانسحاب من الحكومة حق سياسي وليس قراراً بإسقاطها.
يحق للاتحاد الوطني أن يقرر الانسحاب من الحكومة وسحب مشاركته السياسية، لكن هذا القرار لا يؤدي تلقائياً إلى سقوط الحكومة أو انتهاء الصفة القانونية لوزرائه. فالمناصب الحكومية تخضع لإجراءات دستورية وقانونية، ولا يمكن استبدالها ببيانات حزبية أو قرارات تنظيمية.

ثالثاً: رواتب الموظفين حق دستوري ومالي لا يجوز توظيفه في الصراع الحزبي.
إن مطالبة بغداد بضمان صرف رواتب موظفي السليمانية وحلبجة بصورة مباشرة ليست بحد ذاتها مخالفة قانونية، إذا تمت وفق الآليات الاتحادية وقرار المحكمة الاتحادية العليا الصادر في 21 شباط 2024. لكن يجب التمييز بين ضمان وصول الرواتب إلى مستحقيها وبين إنشاء نظام مالي مستقل للمحافظتين خارج الإطار الدستوري والمالي للإقليم.
فحقوق الموظفين ليست ملكاً للحزب الاتحاد الوطني الكردستاني أو الديمقراطي، ولا يجوز أن تتحول إلى ورقة ضغط متبادلة بين الطرفين.

رابعاً: السليمانية ليست ملكاً لحزب، وأربيل ليست ملكاً لحزب آخر.
إن طرح فكرة فصل السليمانية عن أربيل أو تشكيل إدارة موازية لا يمكن أن يستند إلى قرار حزبي منفرد. فإقليم كردستان يتمتع بوضع دستوري باعتباره إقليماً اتحادياً ضمن جمهورية العراق، وأي تغيير في بنيته الإدارية والمؤسساتية يجب أن يتم وفق الدستور والقوانين النافذة.
ومن حق السليمانية المطالبة بالعدالة في توزيع الموارد والصلاحيات، ومن حق مواطنيها المطالبة بإدارة أكثر كفاءة وشفافية، لكن ذلك لا يعني إنشاء سلطة موازية أو تقسيم المؤسسات الدستورية بقرار سياسي.

الخلاصة:

إن الخلاف بين الحزب الديمقراطي الكردستاني والاتحاد الوطني الكردستاني، مهما بلغت حدته، لا يمنح أي طرف حق احتكار الشرعية أو تعطيل المؤسسات أو إعادة رسم الخريطة الإدارية للإقليم بإرادة حزبية منفردة.

فالاحتكام إلى الدستور والقانون يجب أن يكون فوق إرادة الأحزاب، كما أن البرلمان لا يُعطّل بالمقاطعة، والحكومة لا تسقط بمجرد إعلان الانسحاب، والرواتب لا تُجزّأ وفق الانتماءات السياسية، والمحافظات لا تُفصل بقرار حزبي.

إن الدولة تُدار بالمؤسسات والقانون، لا بالتفاهمات الحزبية وحدها. وحين تتحول الخلافات السياسية إلى تهديد لوحدة المؤسسات، يصبح الاحتكام إلى القضاء والدستور ضرورة وطنية وقانونية، لا مجرد خيار سياسي.

هل وجدت هذا المقال مفيدًا؟

رأيك يساعدنا في تحسين المحتوى

100% من القراء أعجبهم المقال
(2 تقييم)
0 0 الأصوات
Article Rating
الاشتراك
نبّهني عن
guest
0 Comments
الأقدم
الأحدث الأكثر تصويت

مقالات أخرى