مقالات

قراءة في كلمة رئيس الاتحاد الوطني الكوردستاني.. فرصة للاستقلال بإمارة السليمانية!

محمدالشرف الحسيني
1- خطاب الانفصال
أعلن رئيس الاتحاد الوطني الكوردستاني، في خطاب رسمي اليوم، عن توجهٍ نحو جعل منطقة نفوذ حزبه إقليماً مستقلاً عن إقليم كوردستان الحالي، وبصريح العبارة، تحدث عن رئيسٍ للإقليم وحكومةٍ خاصة به، على غرار إقليم كوردستان. وهو ما يضعنا أمام تحوّل سياسي بالغ الخطورة، قد يتجاوز حدود الخلاف الحزبي إلى إعادة رسم الخارطة السياسية والإدارية لكوردستان. والأغرب من ذلك أن الخطاب جاء محمّلاً بشعارات قومية كوردية، مستحضراً أجزاء كوردستان الأخرى، وكأن الشعب الكوردي غافلٌ عمّا حدث ويحدث في عمق معادلته السياسية، أو كأن القومية باتت غطاءً لتفكيك وحدته السياسية والإدارية.
واللافت أيضاً أن الخطاب خلا من أي تلميح إلى اتخاذ إجراءات قانونية أو اللجوء إلى المحكمة الاتحادية العليا للطعن في جلسة البرلمان أو مخرجاتها، واكتفى بالتهديد بفصل السليمانية عن إقليم كوردستان. وهذا ما يجعلني أقرأ الخطاب بوصفه إعلاناً عن فرصة سياسية لطرح انفصال السليمانية عن الإقليم، وليس مجرد اعتراض على جلسة برلمانية أو خلاف حول تشكيل الحكومة.
ولا ننسى الادعاء بأن سياسة التوافقات والمحاصصة كانت الحل الأمثل في إقليم كوردستان، علماً أن من كسر هذه القاعدة (التوافقات) هما بغداد والسليمانية، عندما رأتا أن الطريق ممهد أمامهما لإزالة الحزب الديمقراطي الكوردستاني من الساحة السياسية.
2- أعمق من الخطاب
لكن ثمة سيناريوهات أعمق من الخطاب ومن رؤيتنا السياسية للحالة الظاهرية المباشرة، تتجاوز حدود الخلاف بين الحزبين، وتتصل بما يمكن تسميته بالسياسة العميقة لتحركات بغداد والدول الإقليمية. فهل أصبح تقسيم إقليم كوردستان إلى إدارتين منفصلتين خياراً تسعى إليه بعض الأطراف، باعتباره ضمانة سياسية وأمنية لطمأنة بغداد ودول الجوار، والحيلولة دون قيام دولة كوردية مستقلة في المستقبل؟ وهل يمكن أن يكون ما نشهده اليوم جزءاً من هندسة سياسية أوسع، غايتها إبقاء المشروع الكوردستاني ضمن حدود إدارية وسياسية لا تتجاوز الخطوط الحمراء الإقليمية؟
وفي المقابل، ثمة سيناريو آخر أكثر تعقيداً، يتمثل في احتمال وجود تفاهمات سياسية غير معلنة بين بغداد والسليمانية وأربيل، تقوم على إعادة المناطق المستقطعة من إقليم كوردستان، ولا سيما في محافظة نينوى وبعض المناطق المتنازع عليها، إلى الإقليم، مقابل القبول بإنشاء إقليمين كورديين بإدارتين منفصلتين. وبذلك تحصل الأطراف الكوردية على مكاسب جغرافية وإدارية، في حين تحصل بغداد ودول الجوار على ضمانات سياسية بأن المشروع الكوردي لن يتجه نحو تأسيس دولة مستقلة وموحدة.
إنها فرضيات سياسية لا يمكن التعامل معها بوصفها حقائق مثبتة، لكنها تظل احتمالات تستحق القراءة والتأمل، خصوصاً أن ما يجري قد يكون أكبر من مجرد صراع على رئاسة البرلمان أو تشكيل الحكومة. فهل نحن أمام خلاف حزبي حقيقي، أم أمام إعادة ترتيب شاملة للخارطة السياسية والجغرافية لكوردستان؟
3- سيناريوهات محتملة في إقليم كوردستان
1. إعلان الانفصال الإداري والسياسي: إعلان انفصال منطقة نفوذ اليكيتي عن منطقة نفوذ البارتي، وتكريس الانقسام رسمياً بين إدارتين سياسيتين منفصلتين.
2. الاستقواء ببغداد وطهران: لجوء السليمانية إلى طلب الدعم العسكري والسياسي من بغداد وطهران بصورة علنية، بما يفتح الباب أمام تدويل الخلاف الداخلي.
3. اللجوء إلى المحكمة الاتحادية العليا العراقية: إذا كانت الجهة الكوردية التي ترى في جلسة البرلمان جلسةً قانونية مستوفية للنصاب الدستوري متمسكة بشرعية قراراتها، فقد تلجأ إلى المحكمة الاتحادية العليا العراقية لحسم الخلاف دستورياً، الأمر الذي قد يجعل الكلمة الفصل في هذه المواجهة بيد القضاء، لا الأحزاب والتوازنات السياسية. والعكس صحيح؛ إذ إن الجهة التي ترى في الجلسة مخالفةً للقانون أو الدستور يمكنها بدورها اللجوء إلى المحكمة الاتحادية العليا، وطلب إبطال الجلسة ومخرجاتها وفق الأصول القانونية.
4. التدخل الإقليمي: تدخل الدول الإقليمية لدعم مشروع تقسيم إقليم كوردستان إلى إدارتين منفصلتين، وفق حساباتها ومصالحها الاستراتيجية.
5. تغيير المعادلة من الداخل: حدوث انقلاب سياسي أو أمني غير متوقع داخل إدارة السليمانية ضد الاتحاد الوطني، بما يؤدي إلى تغيير المعادلة برمتها.
6. التدخل العسكري المباشر: احتمال التدخل العسكري المباشر من إحدى الدول الأربع (العراق، تركيا، إيران، سوريا)، أو أكثر، تحت ذرائع أمنية وسياسية، نتيجة قراءتها لتوجهات أربيل نحو تعزيز الاستقلال الكوردي.
7. الانتخابات المبكرة: اللجوء إلى انتخابات برلمانية مبكرة باعتبارها مخرجاً سياسياً لحسم الخلاف وإعادة تشكيل موازين القوى.
4- الختام
إن الباب مفتوح على مختلف الاحتمالات، بما فيها السيناريوهات الأكثر خطورة: من اندلاع مواجهة عسكرية مباشرة بين بغداد والسليمانية من جهة، وأربيل من جهة أخرى، إلى احتمال عودة تنظيم داعش أو تحريك خلاياه لاستهداف أربيل بقوة، ضمن سيناريوهات قد تحظى بدعم إقليمي أو تُستثمر في ظل انهيار التوازن السياسي والأمني.
إن ما يجري ليس مجرد خلاف على المناصب أو تشكيل الحكومة؛ بل قد يكون بداية مرحلة جديدة من تفكيك الكيان السياسي الكوردستاني، وإعادة توزيع النفوذ على حساب المشروع القومي. وبين الشعارات القومية وحسابات الأحزاب، يبقى السؤال الأكبر:
هل نحن أمام مشروع استقلال حقيقي، أم أمام هندسة سياسية لتقسيم كوردستان تحت مسميات إدارية جديدة؟
ولن تكون كوردستان سوريا بمنأى عن تداعيات ما يجري في إقليم كوردستان؛ فالتطورات في أي جزء من كوردستان لا تبقى محصورة في حدوده، بل تمتد آثارها إلى سائر الأجزاء، سياسياً وقومياً واستراتيجياً.

هل وجدت هذا المقال مفيدًا؟

رأيك يساعدنا في تحسين المحتوى

100% من القراء أعجبهم المقال
(1 تقييم)
0 0 الأصوات
Article Rating
الاشتراك
نبّهني عن
guest
0 Comments
الأقدم
الأحدث الأكثر تصويت

مقالات أخرى