م. أحمد زيبار
في زمن نعيش فيه حروب الميديا وطوفان المسميات المضللة، نجد أنفسنا نطرح سؤالاً قديماً قدم الحضارة: كيف تسقط المجتمعات؟ هل تسقط بالجيوش والغزو الخارجي فقط، أم أن هناك تسوساً صامتاً ينخر في جسد الأمة من الداخل، حتى تصبح قابلة للانهيار عند أول صدمة؟ قبل أكثر من 2500 عام، وضع الفيلسوف الصيني كونفوشيوس يده على جانب بالغ العمق من هذه المسألة. لم يكن يرى إصلاح الدولة مجرد مسألة قوانين ومؤسسات، بل ربط استقامة المجتمع باستقامة الكلمة والقيم والذوق العام. ومن هنا تبرز فكرتان أساسيتان في التراث الكونفوشيوسي: تصحيح الأسماء، ودور الموسيقى والطقوس في تهذيب النفس والمجتمع.
• عندما تفقد الأسماء معانيها
في كتاب المختارات، سُئل كونفوشيوس عما سيبدأ به إذا أُسندت إليه إدارة الدولة، فأجاب بما عُرف لاحقًا بمفهوم ” تصحيح الأسماء”. المقصود ليس مجرد التدقيق في المفردات، بل إعادة التوافق بين الاسم والحقيقة التي يشير إليها. فإذا أصبح الحاكم لا يمارس مسؤوليات الحاكم، أو المسؤول لا يؤدي واجبات المسؤول، أو أُطلق على الظلم اسم العدالة، وعلى الرشوة اسم الهدية، وعلى الجبن اسم الحكمة، فإن المجتمع يبدأ بفقدان قدرته على وصف واقعه بدقة. وهنا تكمن خطورة التلاعب باللغة. فاللغة ليست مجرد وسيلة للتواصل، إنها إحدى الأدوات التي نفكر بها، ونصف بها أفعالنا، ونبني بها أحكامنا. وحين تنفصل الكلمات عن معانيها، يصبح من السهل إعادة تقديم الخطأ على أنه صواب، والفساد على أنه ضرورة، والقمع على أنه استقرار. وعندما تضطرب الأسماء، تضطرب معها المعايير. وعندما تضطرب المعايير، يصبح القانون نفسه عرضة للتلاعب. لهذا يمكن القول إن فساد اللغة ليس مجرد مشكلة لغوية، بل قد يكون مقدمة لفساد التفكير والحكم.
• الموسيقى بوصفها مرآة لروح المجتمع
أما الموسيقى والفنون، فلم ينظر إليها الفكر الكونفوشيوسي باعتبارها مجرد وسائل للترفيه، بل منحها مكانة مهمة في تشكيل شخصية الفرد والمجتمع. في التصور الكونفوشيوسي، ترتبط الموسيقى بالتهذيب والتناغم وضبط الانفعالات، كما ترتبط الطقوس بتنظيم السلوك والعلاقات الاجتماعية. ولذلك كانت الموسيقى، في هذا السياق، أكثر من مجرد صوت جميل، كانت جزءاً من منظومة تربوية وأخلاقية أوسع. ومن هنا جاءت الفكرة التي كثيراً ما تُنسب إلى التراث الصيني القديم، ومفادها أن حال الموسيقى يمكن أن يكشف شيئاً عن حال المجتمع الذي ينتجها ويستمع إليها. لكن من المهم ألا نفهم هذه الفكرة باعتبارها حكماً بسيطاً على كل موسيقى حديثة أو كل شكل فني جديد. فالمسألة الأعمق ليست في الآلات أو الألحان أو الأنماط الفنية بذاتها، وإنما في السؤال التالي: ما الذي تكافئه الثقافة في الإنسان؟
هل تكافئ التأمل أم الضجيج؟ * هل تمنح قيمة للعمق أم للانتشار السريع؟ * هل تشجع على الصبر والإبداع أم على الاستهلاك اللحظي والإثارة المستمرة؟
عندما يصبح الابتذال هو المعيار الوحيد للنجاح، وحين تتحول الشهرة إلى قيمة مستقلة عن الجودة، فإن المشكلة لا تعود فنية فقط، بل تصبح انعكاساً لتحول أوسع في الذوق والقيم.
• من فساد الكلمة إلى اضطراب المعايير
هنا تتضح أهمية الجمع بين الفكرتين. تزييف اللغة يربك العقل، وتسطيح الثقافة يربك الذوق. عندما يُطلب من الإنسان أن يعيش في عالم لا تطابق فيه الكلمات حقائقها، يصبح من الصعب عليه أن يميز بين الصدق والتضليل. وعندما تحاصره ثقافة تقوم باستمرار على الإثارة السريعة والاستهلاك السطحي، قد تتراجع لديه مساحة التأمل والصبر والقدرة على التذوق والنقد. ولا يعني هذا أن الموسيقى وحدها تُسقط الأمم، أو أن تغيير بعض المصطلحات يؤدي تلقائياً إلى انهيار الدول. التاريخ أكثر تعقيداً من ذلك. لكن الخطر يبدأ عندما تصبح الكذبة لغة، والسطحية ثقافة، والتبرير منهجاً عاماً. عندها لا يحتاج المجتمع إلى عدو خارجي كي يبدأ بالضعف، فقد تبدأ عوامل الانهيار من داخله، في طريقة تفكيره، وفي لغته، وفيما يعتبره جميلاً أو قبيحاً، نبيلاً أو مبتذلاً، مقبولاً أو مرفوضاً.
• من الفكر القديم إلى واقعنا المعاصر
ربما لهذا تبدو بعض أفكار كونفوشيوس، رغم مرور أكثر من ألفي عام عليها، جديرة بالتأمل في عصرنا. نحن نعيش في عالم تستطيع فيه وسائل الإعلام والمنصات الرقمية أن تعيد تشكيل معاني الكلمات بسرعة هائلة، وأن تجعل المصطلح المتكرر يبدو وكأنه حقيقة لمجرد كثرة تداوله. وفي الوقت نفسه، أصبح اقتصاد الانتباه يكافئ المحتوى الأسرع والأكثر إثارة، لا بالضرورة الأكثر عمقاً أو قيمة. لذلك فإن الدفاع عن نزاهة اللغة، ووضوح المفاهيم، وجودة الفن، وعمق الثقافة ليس ترفًا فكرياً ولا حنيناً إلى الماضي. إنه دفاع عن قدرة الإنسان على أن يرى الواقع كما هو، وأن يسمي الأشياء بأسمائها، وأن يحتفظ بحس نقدي يحميه من أن تتحول الأكاذيب إلى حقائق لمجرد أنها تكررت كثيراً. فالأمم لا تُبنى بالسلاح والاقتصاد وحدهما. إنها تُبنى أيضاً بالكلمات التي تؤمن بها، والقيم التي تحترمها، والأشياء التي تعتبرها جميلة وجديرة بالاحتفاء. وحين تفسد الكلمات، وتضطرب المعايير، ويصبح الابتذال ثقافة، يبدأ السؤال الأخطر: هل ما زال المجتمع قادراً على رؤية الخلل في نفسه؟
رأي: هذه الأفكار التي أطرحها ليست سوى محاولة للنقاش والتأمل، واستعادة بعض الأفكار القديمة في ضوء ما نعيشه اليوم. فنحن نلاحظ كيف تتسلل بعض المفاهيم إلى حياتنا تدريجياً، حتى يصبح بعضها مألوفاً في لغتنا وطريقة تفكيرنا، وقد يصل الأمر إلى أن يصبح النقاش فيها أو التشكيك بها أمراً غير مقبول. وهذا لا يقتصر على جانب واحد، بل يمتد إلى مختلف نواحي الحياة. ويمكن ملاحظة ما عمل النظام السوري، على مدى عقود، على ترسيخه في الخطاب والوعي المتداول بين أبناء شعبنا الكردي، وساهم في ذلك بعضنا، بقصد أو بغير قصد، حتى غدا بعضه جزءاً من طريقة تفكيرنا دون أن نتوقف دائماً عند خلفياته ودلالاته. ولا شك أن بيننا عقلاء ومثقفين ومؤتمنين على مصلحة مجتمعهم، وأن مراجعة ما ترسّخ في وعينا، والانتباه إلى ما قد يُضاف إليه مستقبلاً، وفتح باب النقاش حوله، مسؤولية مشتركة. فكل جهد في سبيل الوعي والنقد والحوار هو، في النهاية، جهد في خدمة المجتمع ومستقبله.
بريمن- 10.10.2026





