عبدالرحمن کورکی (مهابادي)*
يواصل النظام الكهنوتي الحاكم في إيران ممارساته في الإعدام والقتل، ويرى أن طريق بقائه يكمن في التغذي على دماء الشعب الإيراني. ذلك لأنه يعتبر الشعب الإيراني عدوه الرئيسي، وليس الدول الأجنبية! ويعتبر عدوه الرئيسي هو المقاومة التي وقفت بوجهه لخمسة عقود ولم ولن تستسلم. لقد أثبت التاريخ أن النصر حليف الشعب الإيراني الذي لا يتعب ولا يستسلم للديكتاتورية. لقد وجد الشعب الإيراني طريق خلاصه في مقاومة لم ولن تساوم الديكتاتورية أبداً!
توجد في إيران مشاكل نقابية واقتصادية وغيرها… ولكن يجب ألا ننسى أن المشكلة الأساسية هي مشكلة «سياسية». الشعب الإيراني غير راضٍ عن هذا النظام ولن يرضى بأقل من إسقاطه. لقد نزلوا إلى الشوارع وانتفضوا مراراً ودفعوا ثمناً باهظاً من أجل القضاء على الديكتاتورية في إيران، وهو ثمن يفوق بكثير ما دفعوه في عام ١٩٧٩ عندما أسقطوا ديكتاتورية الشاه!
رعب الديكتاتورية من الانتفاضة الشعبية
في الانتفاضات الشعبية، حاول النظام الديكتاتوري الحاكم بشتى الطرق حرف المسار الحقيقي للانتفاضات تحت مسميات مختلفة، حتى أنه استعان ببقايا الديكتاتورية السابقة. لكن هذه المحاولات لم توفر للديكتاتورية سوى القليل من الوقت. ورغم ذلك، فإن ضرورة إسقاط الديكتاتورية لم تبقَ على حالها فحسب، بل زادت إلحاحاً.
فضيحة مساعي الديكتاتورية للتفاوض
دعونا لا ننسى أنه على الساحة الداخلية، كان النظام يتشدق كذباً بالمفاوضات، لأن الكلمة الأخيرة كانت له. ولكنه الآن وقع بشدة في فخ التفاوض مع دولة أجنبية، لأن الكلمة الأخيرة ليست له. ولهذا السبب، انكشفت طبيعة هذا النظام بوضوح؛ فهو لم يكن يوماً من دعاة التعايش السلمي مع الآخرين، بل كان ولا يزال يسعى وراء أطماعه. الدرس الأول يمكن أن يكون زيف مساعي النظام الكهنوتي للتفاوض. وهذا الواقع، قبل كل شيء، جعل خطورة التفاوض مع النظام أكثر وضوحاً. وكما هو الحال مع الديكتاتورية السابقة وبقاياها، فهم أعداء للتفاوض وكانوا ولا يزالون يسعون لإعادة الديكتاتورية الملكية.
إن التصريحات الأخيرة لمسعود بزشكيان، الرئيس الكريكاتيري لنظام ولاية الفقيه، أمام تجمع من يُسمون برؤساء بلديات إيران، لا تُعد برنامجاً لتحسين حياة المواطنين، بل هي تعليمات أمنية واضحة للسيطرة على الانفجار الاجتماعي القادم. فقد خاطب مسؤولي النظام قائلاً: «يمكنكم جلب الناس إلى الساحة… عندما ينزل الناس إلى الساحة، يمنعون الفوضى، ويحلون المشاكل الاقتصادية، ويساعدون بعضهم البعض، ويتعاطفون، ويتعاونون، ويحافظون على الأمن» (تلفزيون النظام. ١ أكتوبر ٢٠٢٦).
الجيل الإيراني الشاب
أظهرت الانتفاضات في السنوات الأخيرة أن الشباب والمراهقين هم طليعة المقاومة ضد الاستبداد. إن تحويل المدرسة إلى مركز للمراقبة الأمنية هو رد فعل مباشر على خوف النظام من ارتباط الشارع بالمدارس. وقد أثبتت التجربة أن الانتفاضات السابقة للشعب الإيراني لا تتوقف عن المضي قدماً.
المواجهة السياسية للتجمعات الإيرانية
شهد المجتمع الإيراني في العقود الأخيرة تحولات عميقة في العلاقات الاجتماعية والاقتصادية. إن أحداث الرابع والخامس من أكتوبر والتجمعات المتزامنة للمتقاعدين والعمال والمنهوبة أموالهم والطلاب والنقابات، تقدم صورة واضحة للتلاحم الطبقي والارتباط بين «الخبز» و«الحرية». من أبرز سمات الاحتجاجات الأخيرة هو الانتقال السريع من المطالب المعيشية نحو المواجهة السياسية مع مجمل النظام. إن ترديد شعارات مثل «يجب إطلاق سراح السجين السياسي» و«يجب إطلاق سراح العامل السجين، والمعلم السجين، والمحتج السجين» في قلب تجمعات المتقاعدين، هو دليل واضح على تبلور الوعي الجماعي. لقد أدركت هذه الفئات بوضوح أن تحقيق العدالة الاقتصادية وحق التنظيم المستقل مستحيل دون إسقاط هذا النظام. وقد اتخذ المتقاعدون، من خلال شعارات مثل «الحرب والمفاوضات ذريعة، وحياتنا هي المستهدفة»، موقفاً عميقاً تجاه سياسات إثارة الحروب لنظام ولاية الفقيه.
شمولية التجمعات الشعبية
إن اتساع نطاق التجمعات في مناطق واسعة من غرب وجنوب وشمال ووسط إيران هو علامة على شموليتها. إن ما نراه اليوم في شكل تجمعات متكررة للمتقاعدين والفئات والشرائح الاجتماعية الأخرى في مدن إيران، هي احتجاجات ناضجة ومستمرة ومنظمة. إن التأكيد المتزامن على حرية السجناء، ومعارضة دعاة الحرب والفساد الاقتصادي، والتمسك بشعار المطالبة بالحقوق دون ابتزاز، يثبت أن الحركات الاجتماعية في إيران دخلت مرحلة من التفاهم واللغة المشتركة التي سيكون من المستحيل السيطرة عليها أو تجاهلها دون حل جذري للأزمات الاقتصادية والهيكلية.
الكلمة الأخيرة!
يعيش النظام الحاكم في إيران أيامه وأسابيعه الأخيرة. إنه يتشبث بكل قشة ويتوسل بكل فتنة وشيطان ليخلص نفسه من قبضة الشعب الإيراني. لكن الحقائق الأخيرة تظهر أن هذا النظام لا مفر له من السقوط على يد الشعب والمقاومة الإيرانية. إن إسقاطه حتمي، والبديل الوحيد له هو الجمهورية الديمقراطية. ويقع على عاتق الأبناء والتيارات الإيرانية الأصيلة تقصير هذه المدة قدر الإمكان!
***
*کاتب ومحلل سياسي خبير في الشأن الايراني






