كمال بكر
في النقاشات الدائرة داخل أوساط الحركة الكوردية السورية، تتردد بين الحين والآخر عبارة: «من في الداخل هم الأدرى». وقد تبدو للوهلة الأولى تعبيراً طبيعياً عن خصوصية التجربة التي يعيشها أبناء الداخل، وما يواجهونه من ظروف وتحديات ومخاطر ترتبط مباشرة بالواقع اليومي. لكن المسألة تستحق تأملاً أوسع حين تتجاوز العبارة وصف هذه الخصوصية، لتصبح معياراً يُحدَّد على أساسه من يحق له المشاركة في النقاش السياسي، ومن يُفترض أن يكتفي بالمساندة من بعيد.
لا شك أن العيش في الداخل يمنح الإنسان معرفة مباشرة بتفاصيل قد يصعب على المقيم في الخارج الإحاطة بها. فهناك فرق بين متابعة الأحداث ومعايشتها، وبين قراءة التحولات في التقارير والبيانات والاحتكاك اليومي بآثارها على حياة الناس. والاعتراف بهذه الخصوصية جزء من الإنصاف، لكن هل تعني بالضرورة أن تصبح التجربة الداخلية المصدر الوحيد للمعرفة، أو أن يتحول الموقع الجغرافي إلى معيار لقبول الرأي؟
فالمعرفة بالواقع لا تأتي من مصدر واحد، والخبرة السياسية لا تتشكل كلها في المكان نفسه. قد يمتلك من يعيش في الداخل معرفة أعمق بالتفاصيل الميدانية والاجتماعية، فيما يمتلك آخر خبرة تنظيمية أو قانونية أو سياسية اكتسبها من تجربته ومتابعته للتحولات. ولكل من هذه الخبرات حدودها وإمكاناتها، كما أن لكل منها ما يمكن أن تضيفه إلى فهم القضية.
وهنا يبرز السؤال الذي يستحق أن يكون في قلب النقاش:
هل يُقاس انتماء الإنسان إلى قضيته بمكان إقامته، أم بصلته بها، ومعرفته بواقعها، ومسؤوليته تجاهها، وحقه في المشاركة وفق قواعد عادلة وواضحة؟
ليس المقصود بهذا السؤال التقليل من شأن من يعيشون في الداخل، ولا منح المقيمين في الخارج أفضلية لمجرد اختلاف ظروفهم أو اتساع بعض إمكاناتهم. بل المقصود التمييز بين خصوصية التجربة وحق المشاركة؛ فالإقامة في مكان معين قد تمنح الإنسان معرفة لا تتوافر لغيره، لكنها لا تجعل هذه المعرفة شاملة لكل جوانب القضية، مثلما أن الإقامة في الخارج لا تعني انقطاع الصلة بالوطن أو فقدان الأهلية للمساهمة في شؤونه.
فالاغتراب، ولا سيما حين يكون نتيجة الاضطرار إلى مغادرة الوطن، لا يمحو بالضرورة تاريخ الإنسان أو تجربته أو علاقاته أو اهتمامه بما يجري في بلده. وقد تتيح سنوات العيش في الخارج اكتساب خبرات جديدة، والاطلاع على تجارب سياسية ومؤسسية مختلفة، وبناء صلات يمكن أن تفيد القضية التي ينتمي إليها. وفي المقابل، تظل المسافة عن الواقع اليومي مصدراً محتملاً لسوء التقدير، ما لم تقترن المتابعة بالإصغاء إلى من يعيشون تفاصيله.
وكذلك فإن القرب من الأحداث يمنح معرفة مباشرة، لكنه لا يضمن وحده اتساع الرؤية أو دقة الحكم. فلا الداخل يحتكر الحقيقة بحكم الموقع، ولا الخارج يمتلكها بحكم المسافة. وما بينهما اختلاف في التجربة يمكن أن يتحول إلى مصدر معرفة مشتركة، إذا أُحسن الإصغاء إليه، بدلاً من تحويله إلى مفاضلة بين من بقي ومن غادر.
وتكتسب المسألة أهمية إضافية حين ننظر إلى واقع الأحزاب الكوردية السورية، التي يحتفظ كثير منها بتنظيمات أو أطر عمل في الخارج، ويشارك أعضاؤها في الأنشطة السياسية والإعلامية والثقافية، وتنظيم المظاهرات والندوات والفعاليات، والتواصل مع المؤسسات والجهات المختلفة، فضلاً عن المساهمات المالية التي يقدمها بعضهم لاستمرار العمل التنظيمي.
هذا الواقع يطرح سؤالاً مشروعاً عن طبيعة العلاقة بين العضو وتنظيمه: إذا كانت العضوية ترتب واجبات ومسؤوليات، فكيف تُنظَّم حقوق المشاركة في النقاش وصياغة المواقف ومتابعة القرارات؟ وهل توجد آليات تتيح لأعضاء الخارج إيصال آرائهم والمساهمة في القضايا التي تمس مستقبل الحزب؟
لا يكفي وجود تنظيمات حزبية في الخارج لإثبات أن أعضاءها يتعرضون للتهميش، كما لا يصح افتراض أن جميع الأحزاب تتبع نهجاً واحداً. فالأمر يتطلب النظر في الأنظمة الداخلية والممارسات الفعلية، وفي الظروف التي قد تفرض توزيعاً مختلفاً للمسؤوليات. لكن من المشروع أيضاً التساؤل عن مدى التوازن بين ما يُطلب من العضو وما يُتاح له، وعن قدرة المؤسسة على الاستفادة من خبرات أعضائها أينما أقاموا.
فالمشاركة لا تعني تطابق الأدوار في جميع الظروف، ولا تجاهل المخاطر التي قد يتحملها العاملون في الداخل. لكنها تقتضي وضوح القواعد، ووجود قنوات حقيقية للتشاور، وألا يتحول اختلاف الموقع إلى سبب تلقائي لتقليص دور فئة من الأعضاء أو الانتقاص من قيمة رأيها.
وهنا تتجاوز المسألة حدود العلاقة بين الداخل والخارج، لتلامس ثقافة المؤسسة السياسية نفسها. فالمؤسسة التي تسعى إلى تطوير عملها تحتاج إلى أن تستمع إلى تجارب أعضائها المختلفة، وأن تناقش آراءهم على أساس مضمونها وما تستند إليه من معرفة، لا على أساس مكان إقامة أصحابها. كما تحتاج إلى التمييز بين حق العضو في إبداء الرأي، وحق الهيئات المخولة في اتخاذ القرار وفق قواعد واضحة، من دون أن يتحول اختلاف الرأي إلى خلاف حول شرعية الانتماء.
فالقضية الكوردية السورية تتصل بالحقوق والهوية واللغة والأرض والمستقبل، وتتأثر بما يجري داخل سوريا وبالعلاقات الإقليمية والدولية. والتعامل مع هذه الملفات يحتاج إلى معارف وخبرات متعددة، لا يمكن افتراض توافرها جميعاً في موقع واحد أو لدى فئة واحدة. لكن اتساع القضية لا يمنح أحداً، في الداخل أو الخارج، حق الادعاء بأنه يتحدث باسم الجميع؛ فالمشاركة المسؤولة تقتضي الإصغاء، واحترام الاختلاف، والاستعداد لمراجعة المواقف، والتمييز بين التعبير عن الرأي وامتلاك حق اتخاذ القرار نيابة عن الآخرين.
ولعل ما يستحق الانتباه هو ألا ينتقل الاختلاف في الظروف إلى انقسام في الانتماء. فعندما يُقدَّم الداخل والخارج باعتبارهما موقعين متقابلين، تضيق مساحة النقاش وكأن الإنسان لا يستطيع أن يكون قريباً من قضيته إلا إذا كان قريباً من مكانها. بينما يمكن النظر إلى اختلاف المواقع بوصفه تنوعاً في الخبرة، يتيح رؤية جوانب متعددة من الواقع، شرط أن تجمع بينها قواعد عادلة للمشاركة والمسؤولية.
إن احترام خصوصية الداخل لا يستدعي تقليص دور الخارج، مثلما أن الاعتراف بحقوق المقيمين في الخارج لا يبرر تجاوز من يعيشون في الداخل أو التقليل من خبرتهم. وما بين الأمرين مساحة تحتاج إلى تفاهم وتنظيم ومراجعة مستمرة، لا إلى مفاضلة دائمة بين من عايش الحدث ومن تابعه من مسافة.
وربما يكون من المفيد أن تتحول هذه المسألة إلى جزء من مراجعة أوسع لثقافة العمل الحزبي: كيف تُدار المشاركة؟ كيف تتوزع المسؤوليات؟ كيف تصل الخبرات المختلفة إلى دوائر النقاش والقرار؟ وكيف يمكن للمؤسسة أن تحافظ على صلة أعضائها بعضهم ببعض، رغم اختلاف مواقعهم وظروفهم، من دون أن تجعل الجغرافيا معياراً لتحديد قيمة الإنسان أو شرعية رأيه؟
فالقضايا العامة لا تحتاج إلى أصوات متطابقة بقدر ما تحتاج إلى مساحة تستطيع فيها الآراء المختلفة أن تتفاعل، وأن تختبر أفكارها، وأن تتعلم من أخطائها. ولا تتحقق هذه المساحة بمجرد الدعوة إلى الوحدة أو التأكيد على الانتماء، بل بممارسة مؤسسية تجعل المشاركة مسؤولية وحقاً، وتربطهما بقواعد معلومة يمكن للجميع فهمها ومناقشتها.
قد تكون عبارة «من في الداخل هم الأدرى» تعبيراً عن حقيقة تتصل بخصوصية التجربة، ولا تستدعي في ذاتها خلافاً. لكن السؤال يبدأ حين تتحول هذه الخصوصية إلى إجابة جاهزة عن مسألة أوسع: من يحق له أن يشارك في التفكير في مستقبل القضية؟
بين الجغرافيا والانتماء مسافة لا ينبغي ملؤها بالأحكام المسبقة. قد يختلف الناس في مواقعهم، وفي مقدار معرفتهم بتفاصيل الواقع، وفي تقديراتهم للخيارات المتاحة، لكن ذلك لا يلغي حاجتهم إلى قواعد عادلة تنظم المشاركة، ولا يعفي المؤسسات من مسؤولية الإصغاء إلى أعضائها ومراجعة طرق عملها.
لعل التحدي لا يكمن في تحديد من هو الأدرى، بل في بناء مساحة مشتركة تستطيع أن تستوعب اختلاف التجارب ومواقع الإقامة، وأن تحوّلها إلى مصدر للمعرفة والعمل. فهل تستطيع مؤسساتنا أن تجعل من هذا التنوع أساساً للمشاركة، بدلاً من أن تتحول الجغرافيا إلى حدّ يفصل بين من يحق لهم الكلام ومن يُنتظر منهم الاكتفاء بالمساندة؟





