حيدر عمر
تمهيد.
كوردستان اسم يتألَّف من مقطعين، الأول “كورد” يعني الشعب الكوردي، والثاني “ستان” يعني مكان، وطن وبلاد، وعلى هذا فإن اجتماعهما معاً يعني وطن الكورد، مثلما تعني “بلوشستان” وطن البلوش و “أفغانستان” وطن الأفغان. ولكن اسم “كوردستان” لم يكن متداولاً أيام الفتح العربي الإسلامي، بل كانت بلاد الكورد تُعرَف بأسماء أخرى مثل “أتروپاتيا، وهو اسم زرادشتي ميدي قديم له علاقة اشتقاقية باسم “أتراڤان” الذي يعني الكاهن والمحارب والراعي و المِهَني.”( )
يبدو أن أسماء الشعوب والأماكن والبلدان مرَّت ببعض الألفاظ حتى استقرت على الاسم الذي نعرفه اليوم، فمثلاً يقول الدكتور أحمد خليل:”كان الكورد القدماء يطلقون على العرب اسم “التازيين”، وسماهم آخرون “ساراسين، وسماهم السريان القدماء باسم “تيَّايا”، ربما تعميماً لاسم قبيلة طيّ” العربية.( )
أما تسمية “كوردستان فقد ظهرت “حوالي منتصف القرن السادس الهجري / الثاني عشر الميلادي، إذ اقتطع السلطان السلجوقي سنجر بن مَلِكْشاه بن ألب أرسلان جزءاً من بلاد الكورد، يُعرف في التاريخ الإسلامي باسم “إقليم الجبال”، وسماه “كوردستان” أي موطن الكورد. يقع هذا القسم بين أذربيجان شمالاً، ولورستان جنوباً، وكان يضم همذان ودينَوَر وكرمنشاه شرقي سلسلة جبال زاغروس و شهرزور وسِنجار غربي هذه السلسلة.”( )
ولكن اسم “الكورد” سبق هذا التاريخ في الظهور. يقول أرشاك سافراستيان: “تفيد الوثائق الأدبية ظهور اسم : “كُرد” للمرة الأولى في الكتابات التي دُوِّنت باللغة الپهلوية على شكل “كُرد” أو “كُردان”، وأن أرتخشير بابكان، مؤسس الدولة الساسانية عام (226)م، يذكر اسم “ماديگ” ملك الكُردان أو الكُرد من بين خصومه. ويبدو أن مدمِّر العرش الپارثي (الفارسي) أرتخشير حوَّل الاسم القديم جوتي / گوتي إلى “كُرد”، وقد اقتبس المؤرخون المسلمون العظام، أمثال الطبري والمسعودي هذا الاسم من الساسانيين، و وصل إلى العصور الحديثة على هذا النحو “كرد”.( )، وكانت بلادهم إبان الفتح الإسلامي مقسَّمة إلى أقاليم إدارية يذكرها الدكتور زرار صديق: إقليم الجبال، و إقليم الجزيرة (الفراتية)، و إقليم أذربيجان و إقليم أرمينيا ، و إقليما فارس وخوزستان،ويزيد عليه الدكتور أحمد محمود الخليل ثلاثة أقاليم مقتبساً من كتاب صورة الأرض لابن حوقل إقليم العراق و إقليم گرميان و إقليم خراسان.( ) سنستعرض الغزوات العربية الإسلامية باختصار في إقليمَيْ الجبال والجزيرة الفراتية.
إقليم الجبال.
بدأ الفت العربي الإسلامي في كوردستان في زمن الخليفة عمر بن الخطاب، وهو الخليفة الثاني بعد أبي بكر الصديق،وحينذاك كانت هذه البلاد معروفة باسم الأقاليم الإدارية السابقة ذكرها، ومحتلة من قِبَل الدولة الساسانية في الشرق والدولة البيزنطية في الغرب، وكانت حدود الدولتين تتغير سعةً وضيقاً تبعاً لقوتهما ولانتصاراتهما في حروبهما البينية، وفي تلك الأثناء كانت المناطق الكوردية مسرحاً لمعاركهما.( )
خريطة إقليم الجبال من كتاب صورة الأرض لابن حوقل
يضم إقليم الجبال أجزاء من كوردستان ، يغلب عليها الطابع الجبلي، ومنه كان اسمه، ولعل الجغرافيا الجبلية هي التي كانت وراء هذه التسمية، فجبالها (جبال زاغروس). شاهقة و وعرة ومعروفة بكثرة سلاسلها العالية. وقد عرف اليونانيون هذا الإقليم باسم (ماذي / ميديا) ” أو “ميديا الكبرى”( ) الممتد من سهول العراق والجزيرة الفراتية في الغرب إلى مفازة فارس الملحية في الشرق، وقد سماها البلدانيون العرب “إقليم الجبال”( )،وهي ترجمة حرفية لاسمه المعروف سابقاً منذ ما قبل الإسلام “كوهستان” المؤلَّف من مقطعين “كُوه” بمعنى الجبل، و”ستان” بمعنى المكان، البلد، الوطن، وباجتماع المقطعين يصبح “كُوهستان”، وميَّزوه عن (العراق العربي) باسم (العراق العجمي)، وهو شمال غرب إيران، الذي يشكِّل أحد أجزاء كوردستان الأربعة، و يُعرَف لدى الكورد بـ”شرق كوردستان”، وكذلك عرفه آخرون باسم “بلاد پهلة نسبة إلى پهلة – فهلة، ولغة أهلها الپهلوية المعروفة في المصادر الفارسية بالپهلويات”.( ) و قد أورد المقدسي وصفاً دقيقاً لهذا الإقليم بطبيعته ومناخه ونتاجه ومدنه و شعبه.( )
ويحدده القزويني إذ يقول:”الجبال ناحية مشهورة يُقال لها قُهستان، شرقيُّها خراسان وفارس، وغربها أذربيجان، وشمالها بحر الخَرَز، وجنوبها العراق وخوزستان، وهي أطيب النواحي هواءً وماءَ وتربةً، وأهلها أصحُّ الناس مزاجاَ و أحسنهم صورة”( ).
كان هذا الإقليم من بلاد الكورد خاضعاً للإمبراطورية الساسانية في فترة الفتح الإسلامي، ويضم المدن التالية: حُلوان وأربيل وشهرزور و سُهْرَوَرد وزنجان وقصر شيرين وقِرميسين (كِرمنشاه) و دينور و همذان ونهاوند وبروجِرد وقُم (في أقصى شرق بلاد الجبل) وجبل دُنباوند (في أقصى شمال شرقي بلاد الجبل). وكانت بلاد الجبل تتبع الكوفة والبصرة إدارياً. وقد فصَّل ابن حوقل الحديث عن هذه المدن في كتابه “صورة الأرض”( ).
كان لمعركة القادسية التي انتصر فيها المسلمون على الدولة الساسانية عام (16ه) تأثيرها في خط سير عمليات الفتح العربي الإسلامي نحو كوردستان واستمرار المسلمين في العمل على مشروعهم التوسُّعي بحيث طاردوا الجيش الساساني في كل مكان.
وحين أعاد الساسانيون تنظيم صفوفهم في جلولاء وجمعوا فيها أعداداً كبيرة من الجند والعتاد، وحاولوا استرجاع بعض الأراضي التي فقدوها أمام العرب المسلمين، حينذاك حوَّل الجيش الإسلامي وجهته بقيادة هاشم بن عتبة بن أبي وقاص بتكليف من عمه سعد بن أبي وقاص إلى “جلولاء” التي كانت تُسمَّى “گولالة” قبل الإسلام، فحاصرها عدة أشهر، واتخذ الساسانيون تدابير دفاعية، فحفروا خندقاً حول المدينة، ولكنه لم ينفعهم،إذ دارت معركة شرسة بين الطرفين انتهت بفتح / باستيلاء العرب المسلمين على جلولاء واستباحتها. وقُتل يومها مائة ألف أكثرهم من الساسانيين، فجلل القتلى المجال، فسُمِّت جلولاء لِما جلَّلها من القتلى، فهي “جلولاء الوقيعة”( )
غنم المسلمون الكثير من الأموال في جلولاء، إذ “أصابوا غنيمة لم يغنموا مثلها قبل ذلك، كما أصابوا سبياً كثيراً من بنات فارس”( )، بالإضافة إلى السلاح والذهب والفضة والأموال، فبلغ مجموعه ثلاثين ألف ألف (ثلاثين مليون)، فأصاب كل فارس بعد الخُمس، سبعة آلاف وتسعة من الدواب.( )
وبعد جلولاء استهدف العرب المسلمون المدن الكوردية التي أصبحت ساحات قتال بينهم و بين الساسانيين. وكان احتلال هذه المدينة الكوردية، كما يقول المؤرخون الكورد، مقدمة لاحتلال المدن الكوردية الأخرى( )، إذ توجه الجيش الإسلامي بعدها بقيادة جرير بن عبد الله البَجَلي إلى مندلي، فطلب أهلها الأمان، فعقد معهم صلحاً على أداء الجزية والخراج، ثم توجَّه المسلمون إلى خانقين، فأصابوا غنائم وسبايا ، وفتحوا / احتلَّوا حلوان، وهي “مدينةجليلة أغلب سكانها من الكورد إلى جانب بعض العرب والفرس. اشتهرت تاريخياً بجمالها وطبيعتها ورمانها وتينها الذي كانوا يسمونه “شاه انجير / انژ ير” أي ملك التين . وكانت مركزاً حضارياً مهماً على طريق القوافل ومشارف جبال زاغروس التي تكسوها الثلوج أغلب أيام السنة”.( ) تقاتل المسلمون والساسانيون خارجها قتالاً شديداً، انتهى بانتصار المسلمين، ويٌقال فتحها القعقاع بن عمرو بعد قتال شديد، فدخلها المسلمون، فغنموا وسبوا ودعوا السكان إلى الإسلام، فأبوا وقبلوا الجزية. وكان ذلك سنة 16ه أيام عمر بن الخطاب.( ) و غزا هاشم بن عتبة بن أبي وقاص قرماسين (كرمَنشاه) وصالحهم على مثل صلح حلوان.”( ) وفي نهاوند جرت مفاو ضات بين القائد الساساني مردانشاه و المغيرة بن شعبة القائد العربي الإسلامي في محاولة من القائد الساساني لإيقاف الغزو العربي، وبعد فشل المفاوضات دارت معركة حامية بين المسلمين بقيادة النعمان بن مقرن المزني والجيش الساساني بقيادة مردانشاه، دامت أربعة أيام، انتهت بانتصار العرب المسلمين رغم مقتل النعمان بن مقرن المزني،”( ) ثم دخل العرب المسلمون نهاوند عل صلح مثل صلح حلوان، وأصابوا غنائم كثيرة ، حيث أصاب الفارس من أصل الغنيمة ستة آلاف والراجل ألفين وكان عدد المسلمين ثلاثين.( )
بعد فتح نهاوند توجَّه العرب بقيادة أبي موسى الأشعري، الذي كان قد مضى إلى نهاوند في مددٍ للنعمان بن مقرن المزني، توجَّه إلى دينور، المدينة الكوردية التي تقع في صميم إقليم الجبل، فحاصرها خمسة أيام قوتل منها يوماً واحداً، ثم أقرَّ أهلها بالجزية والخراج والأمان على أنفسهم وأموالهم وأولادهم.( )
ثم توجَّه أبو موسى الأشعري بعد ذلك ألى ماسبذان، فلم يقاتله أهلها، بل صالحوه على مثل صلح أهل دينور، على أن يؤدوا الجزية والخراج، وبثَّ السرايا فيهم، فغلب على أرضها.( )
وحاصر الجيش العربي الإسلامي همذان، وهي “أكباتانا” التي كانت فيما مضى عاصمة المملكة الميدية، بقيادة جرير بن عبد الله البجلي، وقد قاوم أهلها وقاتلوا قتالاً شديداً حتى إن جريراً فقد إحدي عينيه بسهم أصيب به أثناء القتال. وانتهت المواجهة بصلح مثل صلح نهاوند، و أُخِذت أرضها قسراً / عنوة . إلا أن أهلها خرجوا على السلطة وانتقضوا في خلافة عثمان بن عفان، فقاتلهم والي الكوفة العلاء بن وهب بن عبد بن وهبان، أحد بني عامر بن لؤي، ثم صالحهم على أن يؤدّوا خراج أرضهم وجزية الرؤوس ويعطوا المسلمين مائة ألف درهم.( )
و شهرزور التي يقول عنها ياقوت الحموي ” هي كورة واسعة في الجبال بين إربل وهمذان، وأهل هذه النواحي كلهم أكراد، وهي مدينات وقرى فيها مدينة كبيرة، هي قصبتها، أهلها عصاة على السلطان قد استطعموا الخلاف واستعذبوا العصيان، ولأهلها بطش وشدة يمنعون أنفسهم ويحمون حوزتهم، وأكثر أمرائهم منهم، وجرَّأهم الأكراد بالغلبة على الأمراء ومخالفة الخلفاء، وذلك أن بلدهم مشتى ستين ألف بيت من أصناف الأكراد الجلالية والباسيان والحكمية والسولية”( ).
شهرزور هذه حاول عزرة بن قيس البجلي غزوها حين كان والياً على حلوان في خلافة عمر بن الخطاب، ولكنه فشل أمام مقاومة أهلها، وقد قُتِل كثير من جنده بلدغات عقاربها الشديدة السمية، ثم غزاها عتبة بن فرقد ودار بينه وبين أهلها قتال شديد انتهى بانتصاره، فصالح أهلها على مثل صلح حلوان وعلى ألّا يُقتَلوا و لا يُسْبوا و لا يُمنعوا طريقاً يسلكونه.( ) و بالإضافة إلى شهرزور غزا عتبة بن فرقد الصامغان و دراباذ، “وقاتل الأكراد فقتل منهم خلقاً.( )





