حيدر عمر : 
إقليم الجزيرة الفراتية
لتحديد هذا الإقليم جغرافياً ينقل الدكتور أحمد خليل عن حسن شُميساتي أن الجزيرة تسمى “ما بين النهرين”، كما تسمى “ميزوپوتاميا” عند اليونان والرومان، وهي المناطق الواقعة بين نهرَيْ دِجلة والفرات في العراق وسوريا وتركيا، وتمتد من تكريت على دِجلة إلى الحديثة وعانة على الفرات جنوباً، ثم تتجه شمالاً إلى منابع دجلة والفرات، وهذا ما أجمع عليه أكثر الجغرافيين، ونسب بعضهم إلى هذا الإقليم مدناً وقرى بعيدة عن ضفَّتَيْ النهرين، كالعمادية وإربيل ومَعْلَثايا والبوازيج”(([1]).
وحددها أبو الفداء في “تقويم البلدان” إذ قال: “والذي يحيط بالجزيرة الفرات من حدود بلاد الروم، وهو طرف الحد الغربي الجنوبي للجزيرة، فيمتد الحد الجنوبي الغربي مع الفرات إلى ملطية إلى سميساط إلى قلعة الروم إلى البيرة إلى قبالة منبج إلى بالس إلى الرقة إلى قرقيسيا إلى الرحبة إلى هيت إلى الأنبار، ومن الأنبار يخرج الفرات عن تحديد الجزيرة، ثم يعطف الحد من الأنبار إلى تكريت وهي على دجلة، إلى السَّنِّ، إلى الحديثة على دجلة إلى الموصل إلى جزيرة ابن عمر إلى آمِد، ثم يصير الحد غربياً ممتداً بعد أن يتجاوز آمِد على حدود أرمينية إلى بلاد الروم إلى الفرات عند ملطية من حيث ابتدأنا، فعلى هذا يكون بعض أرمينية وبعض الروم غربي الجزيرة، وبعض الشام وبعض البادية جنوبيها، والعراق شرقيها وبعض أرمينية شماليها”([2]).

خريطة الجزيرة الفراتية
و يسميها ياقوت الحموي (جزيرة أقور) بالقاف و يحددها فيقول:”وهي التي بين دجلة والفرات مجاورة الشام، تشتمل على ديار مضر وديار بكر ، سُميت الجزيرة لأنها بين دجلة والفرات، يلتقيان عند البصرة، ثم يصبان في البحر. وهي صحيحة الهواء جيدة النماء، واسعة الخيرات، بها مدن جليلة وحصون وقلاع كثيرة، ومن أمهات مدنها حرَّان والرُّها والرقة ورأس العين ونصيبين وسنجار والخابور وماردين وآمِد وميَّافارقين والموصل”.([3])
و “تشكِّل بلاد الجزيرة الفراتية الجزء الشمالي من الأراضي المحصورة بين نهرَيْ دجلة والفرات، وتضم الأقاليم والمدن الواقعة بين غربي دجلة وشرقي الفرات، وهي مناطق كوردية مقسَّمة بين العراق وسوريا وتركيا.”([4])
إبان الفتح / الغزو العربي الإسلامي، قُسِّمت الجزيرة إلى ثلاث مناطق عُرفت باسم القبائل العربية التي استوطنتها. يقول المقدسي: “وقد قسَّمنا هذا الإقليم على بطون العرب لتعرف ديارهم وتميّزها وجعلناه على ثلاث كُوَر على عدة بطونهم أولها من العراق ديار ربيعة ثم ديار مضر ثم ديار بكر، و به أربع نواحٍ”.([5])
أما ديار ربيعة، نسبة إلى قبيلة ربيعة العربية التي استوطنتها، فقصبتها الموصل ومن مدنها الحديثة، مَعْلَثايَ، الحَسَنِيَّة، تَلَّعْفَر، سِنجار الجبل، بَلَد، أذْرَمَة، بَرْقَعيد، نصيبين، دارا،كَفَرْتوثا، رأس العين، ثمانين، وأما ناحيتها فجزيرة ابن عمر (جزيرة بوتان) ومدنها فَيْشابور باعَيْناثا المُغيثَة، الزَّوْزان.
وأما ديار مُضَر ، نسبة إلى قبيلة بني مُضر العربية، التي استوطنتيها، فقصبتها الرقة ومن مدنها حرَّان والرُّها وسّروج و الرقة وقرقيسيا (كَركَميش / قرقميش)على الفرات والخابور بالقرب من الرقة.
وأما ديار بكر، نسبة إلى قبيلة بني بكر العربية التي استوطنتيها، فقصبتها آمِد، ومن مدنها مَيّافارقين وشِمْشاط (خربوت/حصن زياد/ آلازيغ) وقاليقالا وأرْزَن الروم(أرضروم) و حصن كيفا.
كانت منطقة “الجزيرة الفراتية” قبل الفتح/الغزو العربي الإسلامي خاضعة لنفوذ الدولتين الساسانية واالبيزنطية. يقول أبو يوسف في كتابه الخراج :”إن الجزيرة كانت قبل الإسلام، طائفة منها للروم، وطائفة لفارس، ولكل فيما في يده منها جند وعمال. فكانت رأس العين فما دونها إلى الفرات للروم. ونصيبين وما وراءها الى دجلة لفارس، وكان جبل ماردين ودارا وطور عابدين للروم”.([6])
مثلما كان فتح / غزو جلولاء مقدمة لغزو بلاد الكورد في إقليم الجبال، كان فتح الرقة مقدمة أو مدخلاً لغزو بلاد الكورد في إقليم الجزيرة الفراتية، ففي السنة السابعة عشرة للهجرة غزا عياض بن غنم مدينة الرقة حسب ما يرد لدى ابن الأثير، وكانت حينها تحت حكم البيزنطيين، فحاصر المدينة وأغار على الفلاحين فأصاب منهم غنيمة كبيرة. وأرسل فرقاً من الجند إلى الريف، فأتت إليه بالأسرى وبالأطعمة الكثيرة. ثم طلب أهلها الصلح، فصالحهم “على أن أمَّنَ جميع أهلها على أنفسهم وذراريهم و أموالهم ومدينتهم، وقال قولته التي تشير إلى أن المدينة وريفها أصبحت ملكاً لهم: “الأرض لنا قد وطئناها وأحرزناها (ملكناها)”، فأقرها في أيديهم على الخراج، و وضع الجزية على رقابهم، فألزم كل رجل منهم ديناراً في كل سنة، وشيئاً من زيت وخلّ وعسل”.([7])
بينما يرد لدى ابن الأعثم أن عياضاَ صالح أهل الرقة “على عشرين ألف دينار عاجلة (أي مدفوعة)، وعلى أنه وضع على كل محتلم (بالغ) منهم في كل سنة جزية مقدارها أربعة دنانير، وكلما أدرك (بلغ) منهم غلام يلحق بالجزية، وعليهم العُشر في مواشيهم و استضافة المسلمين إذا نزلوا بهم ثلاثة أيام”.([8])
بعد الرقة توجَّه عياض بن غنم بجنده إلى الرُّها، إحدى مدن الجزيرة، وكانت تحت حكم البيزنطيين كالرقة، فاستعد أهلها لمواجهتم والدفاع عن مدينتهم، ولكنهم اضطروا بعد “قتال دامٍ استمر خمسة عشر يوماً، إلى طلب الصلح وفق الصلح الذي أبرمه عياض بن غنم مع أهل الرقة،([9]) وعلى معونة المسلمين على عدوهم، فإن تركوا شيئاً مما شرط عليهم فلا ذمة لهم”([10]) .
وغزا عياض بن غنم، بالإضافة إلى الرقة والرُّها “حرَّان ونصيبين و ميَّافارقين وقرقيسيا وقرى الفرات ومدائنها ففتحها صلحاً بعد أن استولى على أراضيها عنوة.([11]) إذ وجَّه حبيب بن مسلمة الفهري إلى قرقيسيا، ففتحها على مثل صلح الرُّها، وفتح الأشتر النخعي آمِد، وعقد مع أهلها صلحاً على أن يدفعوا خمسة آلاف دينار نقداً، وأربعة دنانير جزية على كل شخص.([12]) و سار الأشتر بعد ذلك إلى ميَّافارقين، فصالح أهلها على أن يدفعوا ثلاثة آلاف دينار نقداً والجزية المقررة على أهل آمِد، أي أربعة دنانير على كل شخص. . وصالح عياض بن غنم أهل حرَّان على “ثلاثين ألف دينار نقداً وعلى كل شخص منهم أربعة دنانير جزية.([13]).
و توجَّه عياض بن غنم بجنده إلى عين الوردة / رأس العين، فأصابوا قوماً من الفلاحين وغنموا مواشيهم، فأغلق أهل المدينة أبوابها ونصبوا العرادات (وهي آلات لرمي الحجارة) عليها، فقُتِل كثير من المسلمين بالحجارة والسهام. ويُقال”لاقى المسلمون قتالاً شديداَ في رأس العين، و عجزوا عن دخولها، فغزاها عمير بن سعد الذي كان والياً على الجزيرة بأمر من الخليفة عمر بن الخطاب وتوجيه من عياض بن غنم،فدخلها عنوة بعد قتال، واستولى على أرضهم، فصارت لهم، ثم صالحهم على الجزية على رؤوسهم بأربعة دنانير على كل شخص”.([14])
و أرسل عياضُ عميرَ بن سعد الأنصاري على رأس قوة من الجند إلى سنجار، فتصدى له أهلها في قتال دامٍ استمر يوماً، ثم طلبوا الصلح على ثلاثة آلاف دينار نقداً، و أربعة دنانير جزية سنوية عن كل شخص.([15]) و أسكن عياض بن غنم في سِنجار قوماً من العرب.([16])
وامتنعت نصيبين، وهي مدينة تاريخية يسكن الكورد فيها وفيما يحيط بها،([17]) على عياض بن غنم وجند المسلمين، فحاصروها سنة كاملة، ولم يستطعوا فتحها إلا بعد أن قذفوها بجِرار مليئة بعقارب استجلبوها في جرار من مدينة شهرزور، وهي عقارب قاتلة،فرموا الجرار في الليل إلى المدينة ، فانتشرت فيهاالعقارب تقتل كل من لدغته، فاضطر أهل المدينة للخروج وطلب الصلح، فلم يجبهم عياض إلا بعد أن رموا جميع الجرار، ثم دخل جند المسلمين المدينة عنوة، وقتلوا وسبوا النساء والذراري وأسروا الرجال، وأصابوا الكثير من الغنائم بحيث أصاب كل واحد منهم، بعد الخُمس، عشرة آلاف درهم و آلاف المواشي والأمتعة والأسرى.([18])
([1]). د. أحمد محمود الخليل: تاريخ الكورد في العهود الإسلامية، مصدر سابق، ص 124.
([2]) . أبو الفداء: تقويم البلدان، دار صياد، بيروت ص 274. راجع ذلك بالتفصيل مع الخرائط ص 274-285.
([3]).ياقوت الحموي: معجم البلدان ص 134.
([4]). الدكتور فرست علي: الفتح الإسلامي لبلاد الجزيرة الفراتية. مقال إلكتروني
([5]).المقدسي: يسميها جزيرة أقور. مصدر سابق، ص137.
([6]) . الدكتور فرست مرعي: الفتح الإسلامي لكوردستان، ص 131، نقلاً عن كتاب الخراج لأبي يوسف.
([7]).ابن الأثير: الكامل في التاريخ 2/379. البلاذري: فتوح البلدان، ص 237، 238. ابن الأعثم: الفتوح، تحقيق علي شيري، الطبعة الأولى، دار الأضواء للطباعة والنشر والتوزيع،بيروت 1991، ص 249.
([8]). ابن الأعثم: الفتوح، دار الأضواء للطباعة والنشر، بيروت 1991، ص 251.
([9]).. البلاذري: فتوح البدان، مصدر سابق، ص 236.
([10]). البلاذري: المصدر السابق، ص 236، 237. ابن الأعثم، مصدر سابق، ص 252.
([11]). البلاذري:مصدر سابق، ص 241.
([12]). ابن الأعثم : مصدر سابق، ص 259.
(8). ابن الأعثم. مصدر سابق، ص 257.
([14]). البلاذري: فتوح البلدان، ص 242، 243.
([15]). ابن الأعثم. الفتوح، ص 258.
([16]).البلاذري. فتوح البلدان، ص 244.





