شــــريف علي
شهدت مدينة الحسكة خلال الأسبوعين الماضيين تصاعدًا في مظاهر التعبئة والتحريض وخطاب الكراهية الموجّه ضد الشعب الكوردي، تحت شعارات تتصل ببسط سيادة الدولة. وترافقت هذه التطورات مع مظاهرات تخللتها، بحسب ما أُفيد، اعتداءات على ممتلكات ومنازل تعود لمواطنين كورد .
هذه الأحداث تكشف عن خطورة انتقال الخلافات السياسية والأمنية من دائرة التنافس على شكل الدولة وإدارتها إلى استهداف مكوّن قومي بعينه، بما يهدد السلم الأهلي ويضعف فرص بناء شراكة وطنية متوازنة في سوريا. فسيادة الدولة، في جوهرها، ليست امتيازًا لسلطة أو مكوّن، بل مسؤولية قانونية وسياسية تقتضي حماية جميع المواطنين وضمان حقوقهم على قدم المساواة .
ولا يمكن فهم ما تشهده الحسكة بمعزل عن السياق الجيوسياسي الأوسع الذي تعيشه غرب كوردستان، حيث تتقاطع الملفات السورية والكوردية والتركية والأمريكية والإقليمية، وتتداخل اعتبارات الأمن والحدود والنفوذ والموارد. وفي مثل هذه البيئة، قد تتجاوز تداعيات التوترات المحلية أسبابها المباشرة، لتصبح جزءًا من معادلات سياسية وأمنية أوسع، ولا سيما عندما تتراجع الثقة بين المكونات وتضعف الضمانات السياسية والقانونية التي تنظم علاقاتها. ومن هنا يبرز سؤال جوهري:
هل تعكس التوترات المتكررة خلافات داخلية فحسب، أم أن أطرافًا إقليمية قد تجد في هذه الخلافات فرصة لتوسيع نفوذها، وتوظيف الانقسامات المحلية في صراعاتها، أو نقل جانب من أزماتها إلى الساحة الكوردية؟
إن طرح هذا السؤال لا يعني افتراض وجود تدخل خارجي في كل حدث، بل يستدعي دراسة المصالح والوقائع والآليات التي قد تربط بين الداخل والتحولات الإقليمية .
وتكمن خطورة الانقسامات الداخلية في أنها تتيح للأطراف الإقليمية توسيع هامش تأثيرها من خلال الضغط السياسي، أو دعم أطراف محلية، أو استثمار المخاوف القومية والتباينات الأمنية لتحقيق مصالح تتجاوز المنطقة. وقد أظهرت تطورات غرب كوردستان خلال عام 2026، وما رافقها من تغيرات في السيطرة العسكرية ومفاوضات دمج قوات سوريا الديمقراطية والمؤسسات القائمة في مؤسسات الدولة، مدى ارتباط التوازنات المحلية بحسابات دمشق وأنقرة وواشنطن، فضلًا عن انعكاساتها على أمن المنطقة ومستقبل الإدارة فيها. كما حذّر خبراء أمميون في كانون الثاني 2026 من تداعيات العمليات العسكرية على المدنيين والحقوق الكوردية، مؤكدين ضرورة حماية السكان وتسوية الخلافات بالوسائل السلمية.
وتشير هذه المعطيات، في ضوء المستجدات الإقليمية، إلى أن استمرار الانقسام الداخلي يخلق بيئة يمكن لبعض الأطراف الاقليمية استثمارها في صراعات النفوذ،. من هنا، فإن منع توظيف الخلافات المحلية يستدعي تحصين الجبهة الداخلية، وضمان الحقوق، وإخضاع العلاقة بين السلطات والمكونات لقواعد واضحة من الشراكة وسيادة القانون .
وفي مواجهة هذه المخاطر، تقع على عاتق السلطات مسؤولية مباشرة في حماية المدنيين وممتلكاتهم، ومنع التحريض القومي، والتحقيق في الاعتداءات ومحاسبة المسؤولين عنها وفق القانون، بصرف النظر عن انتماءاتهم السياسية أو القومية. ولا تُقاس سيادة الدولة بالشعارات أو بالمظاهر الاحتفالية، وإنما بقدرتها على فرض القانون على الجميع من دون تمييز، وصون الحقوق والحريات دستوريا، وضمان الأمن المتكافئ لجميع المواطنين. كما تقتضي المسؤولية السياسية التمييز بين المطالب المتعلقة بوحدة الدولة وإدارتها، وهي موضوعات قابلة للنقاش والتفاوض، وبين الممارسات التي تستهدف مكوّنًا قوميًّا أو تبرر الاعتداء على أفراده وممتلكاته. فالدولة التي تسعى إلى ترسيخ سلطتها لا تستطيع تحقيق ذلك عبر تعميق المخاوف القومية، بل من خلال بناء الثقة وتكريس المواطنة المتساوية.
وعليه، فإن قراءة ما تشهده غرب كوردستان تتطلب الجمع بين فهم العوامل الداخلية وتحليل المصالح الإقليمية، من دون الوقوع في التفسيرات التآمرية أو تجاهل مسؤولية القوى المحلية والسلطات المعنية. فالمسألة لا تقتصر على تحديد الجهات التي قد تستفيد من استمرار التوتر، بل تشمل أيضًا معالجة الظروف السياسية والاجتماعية التي تتيح تصاعد التحريض وتوظيف الخلافات في صراعات أوسع. ويظل المعيار الحاسم هو قدرة القوى السياسية والسلطات على منع تحويل الاختلاف إلى عداء قومي، وضمان حقوق الكورد وسائر المكونات السورية، وإرساء قواعد واضحة للشراكة الوطنية. فاستقرار غرب كوردستان لا يتحقق بفرض الوقائع أو بتغليب منطق الغلبة، ولا بإعادة إنتاج سياسات الإقصاء القومي والمركزية القسرية التي ارتبطت بتجربة البعث، بل ببناء علاقة متوازنة بين الدولة والمجتمع المتنوع، تقوم على القانون والاعتراف المتبادل واحترام الخصوصيات القومية ، وتمنع تحويل المنطقة إلى ساحة مفتوحة لتصفية الحسابات الداخلية والإقليمية .
============ 9 اكتوبر 2026 =============





