أمل حسن
في الذكرى السنوية الرابعة والثلاثين لاستشهاد البيشمركة علي عمر، ابن قرية ريحانيك في ريف مدينة ديرك بكوردستان سوريا، تعود إلى الذاكرة حكاية مقاتل اختار أن يواجه الموت بشجاعة، وأن يقدّم روحه دفاعاً عن شرعية برلمان إقليم كوردستان وحكومته.
تاركاً خلفه سيرةً لا تختصرها لحظة الاستشهاد، بل تختزل سنوات من النضال والبسالة والوفاء، وتروي قصة إنسان عاش بين رفاق السلاح أخاً وابناً وصديقاً، ورحل جسداً، فيما بقي اسمه حاضراً في ذاكرة من عرفوه وشاركوه خنادق القتال وشقاء الجبال.
لم يكن الشهيد علي عمر، في ذاكرة رفاقه وأبناء عائلته، بيشمركة حمل السلاح في ساحات المعارك فحسب، بل كان نموذجاً للشجاعة والتضحية والوفاء، يضع حماية رفاقه والدفاع عن أرضه فوق سلامته الشخصية.
ومن هنا، فإن استعادة مسيرته ليست فقط إحياءً لذكرى شهيد، بل هي استحضار لمعاني التضحية والشجاعة والوفاء، ولحكاية عائلة ورفاق ظلوا يحملون ذكراه على امتداد أربعة وثلاثين عاما
فلنبدأ مسيرة النضال والبسالة للشهيد البيشمركة علي عمر من شهادة اللواء مصلح حاجي رمضان سليفاني، الذي كان يشغل منصب آمر هيز في قوات البيشمركة آنذاك، حيث كان المقاتل البطل علي عمر يقاتل معه في خندق واحد.
وقد تحدث عنه اللواء بكل فخر واعتزاز قائلاً:
لم أرَ في خنادق الشرف والبطولة أشجع ولا أشرس من الشهيد علي. لم يكن يهاب الموت قط، بل كان يقاتل في أرض المعركة وكأنه مئة مقاتل في جسد واحد.
وحين أصابته رصاصة الغدر من المعتدين، سارعت إليه، ووضعت رأسه على ذراعي، وأمسكت بيده، وكان يلفظ أنفاسه الأخيرة متحدثاً بكلمات لم أستطع فك رموزها من هول الموقف. وحين فارقت روحه الطاهرة جسده، شعرت وكأنني فقدت قطعة من جسدي مع رحيله.
ويتابع اللواء حديثه بنبرة يملؤها الحزن والوفاء:
على الرغم من أن الواجب العسكري لم يسمح لي بمغادرة جبهة القتال، فإنني قمت بكل ما يمليه عليّ الوفاء تجاه هذا البطل، فأرسلت جثمانه الطاهر من مكان المعركة على متن حصان، برفقة أربعة من مقاتلي البيشمركة، لتشييعه بمراسيم تليق بدمائه الزكية. لقد مرّ شهران على استشهاده آنذاك، ومع ذلك، لم تفارق صورته وضحكته ومجالسته وبسالته خيالي.
بل إنني، حتى هذه اللحظة التي أتحدث فيها معك عنه، ما زلت أشعر بالألم ذاته يعتصر قلبي، وكأنني فقدته بالأمس. فذكراه حية في وجداني، ولن تغيب أبداً.
ويختتم اللواء مصلح حاجي شهادته بكلمات تحمل معاني الاعتزاز بالشهادة والفخر بمسيرة العائلة المناضلة، قائلا نعم لقد فقدنا بطلاً جسوراً من أبطال قواتنا الباسلة ، لكننا في الوقت ذاته فخورون بشهادته التي تعد وسام شرف لنا ككورد، لأنه جاد بروحه دقاعاً عن تراب كوردستان المقدسة.كما أننا نفتخر بمسيرة عائلته المناضلة التي كانت ولا تزال تسير على خطاه وتقدم التضحيات بالروح والدم ، وخير دليل ونموذج على هذا الدرب النضالي هو شقيقه سعيد عمر الذي يواصل المسيرة بكل ثبات.
يزيدنا عزةً وإباءً هو أننا نواصل مسيرة الشهيد علي عمر ونضاله، متنقلين من محطة تضحية وفداء إلى أخرى
فبعد شهادة اللواء مصلح حاجي رمضان سليفاني، أخذنا الشوق والحنين إلى مسيرة الشهيد إلى عائلة كواشي، لكي نتعرف أكثر على تفاصيل حياته من أناس احتضنوه بروح عميقة وتاريخ عريق، وشاركوه ساحات القتال وشقاوة الجبال، فداءً بأرواحهم لتحيا كوردستان.
إنها شهادة عائلة تمثل مسيرةً من النضال، مفعمةً بروح الكوردايتي الأصيلة؛ عائلة البيشمركة القائد خالد يوسف محو، من قرية كواشي، المعروف بـ أبو كوردوـ لروحه السلام ـ الذي قاد انتفاضة سيميل ببسالة، وشقيقه البيشمركة إسكان يوسف كواشي، الذي كان أيضاً بيشمركة في ذلك الحين، يقاتل كتفاً بكتف مع الشهيد علي.
هذه العائلة التي كانت ولا تزال تعتبر الشهيد علي عمر فرداً من أفراد عائلة خالد يوسف محو من جميع الجوانب؛ فقد عاش معهم تفاصيل حياته اليومية والعسكرية، وكان الرفيق المقرب من أبو كوردو.
وحين سألت البيشمركة إسكان يوسف كواشي: كيف كانت صفات الشهيد علي عمر وأخلاقه وبسالته؟
أجابني بوفاء وفخر، كمن سبقه في الحديث عنه، قائلاً:
كان يحمل روحاً مرحة ونفساً متواضعة، وكان في الوقت نفسه مقاتلاً مقداماً ورجلاً بمئة رجل، لا يكسره شيء ولا ترعبه ضراوة المعارك. كان في ساحات المعارك شعلةً من نار لا تهدأ، عازماً على إحراق كل من يحاول المساس بتراب كوردستان أو الاعتداء على سيادة أراضيها.
بعد أن استمعت بفخر إلى شهادة كلٍّ من اللواء مصلح حاجي رمضان سليفاني، وإسكان يوسف كواشي، مسؤول قسم العلاقات في اللجنة المحلية لدوبان التابعة للفرع الأول للبارتي في محافظة دهوك، اتجهت بقلمي نحو غرب كوردستان؛ لأطرق باب آل ميرو، وتحديداً باب ديدار ميرو، ابن أخ الحاج دهام ميرو.
يعتبر ديدار الشهيدَ قطعةً من جسده؛ فقد سلكا معاً طريق البيشمركاتية، وعبرا نهر دجلة سوياً، لينضما إلى قوة عسكرية كانت تحمل اسم «قوة آكري»، تلك القوة التي كانت بمثابة نار، اسماً على مسمّى.
وتابع ديدار حديثه مستذكراً:
ذات ليلة، كنا معاً لأداء الواجب العسكري، وغلبني النوم على رائحة الجبال. وبعد أن فتحت عيني، رأيت الشهيد علي مستيقظاً ويده على البارود، فقلت له: لماذا لا تنام؟ فأجابني: أنا خائف عليك، وليس على نفسي. تابع نومك باطمئنان، وأنا سأحرسك وأحرس كوردستان من الأعداء.
وبقيت تلك الليلة راسخة في ذاكرة ديدار ميرو؛ إذ لم تكن البندقية التي كان يحملها الشهيد علي عمر مجرد قطعة سلاح على كتف المقاتل، بل كانت تعبيراً عن عهد قطعه على نفسه، بأن يبقى مستيقظاً، حارساً للوطن ورفاقه حين ينام الجميع.
وأضاف ديدار بنبرة مؤثرة:
لقد كان الشهيد علي بمثابة فرد من عائلة آل ميرو؛ لذا، حين ذهبت في إجازة إلى غرب كوردستان، التفتت إليّ والدتي وسألتني بلهفة: أين ابني علي؟
إن من يحظى بهذا الوفاء، ومن تتبناه الأمهات ابناً لهن، لا بد أن يكون رجلاً عظيماً وإنساناً شجاعاً. ومهما قلت وتحدثت في حقه، فسيبقى ذلك قليلاً؛ لأنه كان بحق جبلاً من الشجاعة.
بعد توثيق مسيرة الشهيد البيشمركة علي عمر من خلال أقوال وأحاديث رفاق السلاح الذين عاشوا معه تفاصيل القتال والحياة اليومية، كادت أقلامنا تذرف دماً من شدة الألم، ومن جهة أخرى، كانت تلك الشهادات تشعرنا بالفخر والاعتزاز ببسالة هذا الفارس.
نأتي بشهادة العائلة لتمنح هذه الملحمة بُعدها الإنساني والتاريخي، وتؤكد أن رحيل الشهيد لم يُنهِ حكايته، بل جعل ذكراه جزءاً من مسيرة متواصلة تحملها الأجيال.
وتتجلى هذه الإرادة في كلمات شقيقه، القيادي سعيد عمر، عضو المكتب السياسي للحزب الديمقراطي الكوردستاني – سوريا، ومسؤول مكتب العلاقات الوطنية للحزب في إقليم كوردستان، الذي يستحضر ذكرى شقيقه، مجدداً العهد على مواصلة الطريق الذي اختاره، والوفاء للقيم التي استشهد دفاعاً عنها.
ويقول سعيد عمر: لقد رحل الشهيد علي جسداً، لكن اسمه وبندقيته سيبقيان حيَّين على أكتافنا وأكتاف أبنائنا وأحفادنا، ما دامت فينا روح تتنفس. دم الشهيد علي هو طريقنا الذي نعتز به، وبه نجدد ولاءنا لتراب كوردستان،ولنهج البارزاني الخالد
إنها كلمات تعبّر عن رؤية العائلة لمعنى الشهادة؛ فالجسد قد يغيب، لكن الاسم والسيرة والمبادئ تبقى حاضرة في ذاكرة الأحياء، وتنتقل من جيل إلى آخر. وفي هذا السياق، لا ينظر سعيد عمر إلى استشهاد شقيقه بوصفه نهاية لمسيرة، بل باعتباره عهداً متجدداً بالوفاء لتراب كوردستان، وللحزب، وللنهج الذي يصفه بالمبارك، نهج البارزاني الخالد .
وفي استعادته لتلك الأيام، يقول سعيد عمر: طلبتُ من قادة البيشمركة المشاركة معهم، إلا أن أبو كوردو لم يقبل.
وبذلك، بقيت هذه الواقعة جزءاً من ذاكرة سعيد عمر عن الأيام التي عاشها في ظل المعارك والاشتباكات، وعن علاقته بقادة البيشمركة الذين كانوا يحيطون بالمقاتلين ويتعاملون مع ظروفهم وإمكاناتهم.
وفي سياق استعادة التفاصيل العسكرية المرتبطة باستشهاد علي عمر، أوضح سعيد عمر أن المسؤول المباشر عن القوات في تلك الفترة كان خالد يوسف محو، المعروف ب أبو كوردو، آمر القوة التاسعة التابعة للّشكر الثاني، فيما كان آمر البطليون سليمان حسن حمو .
ويستعيد سعيد عمر خليل الساعات الأولى التي أعقبت استشهاد شقيقه في 11 تشرين الأول 1992، مستحضراً تفاصيل تلقّي الخبر، والظروف التي كان يعيشها آنذاك في صفوف البيشمركة، قائلاً:
عندما استشهد شقيقي علي، أنا كنت في واجبي ضمن صفوف البيشمركة في منطقة خانك، وجاء حينها وفد من رفاق السلاح في قوات البيشمركة يضم يونس هاجاني، مسؤول تنظيم مكتب مسيريك، وسليمان حسن، آمر بطليون، وصلاح محمد، مقاتل ضمن صفوف البيشمركة، لتبليغي باستشهاد شقيقي علي، فذهبنا معاً إلى جامع مجمع مسيريك، ووجدنا حشداً كبيراً من أهالي المنطقة للمشاركة معنا في تشييع الشهيد علي.
ويؤكد سعيد عمر أن وفاء الأهالي وموقفهم في تلك اللحظات بقيا محفورين في ذاكرته، قائلاً: “لن أنسى وفاء أهالي منطقة سيميل ومسيريك ومشاركتهم بالآلاف في تشييع الجنازة، ومشاركتهم الفعالة في خيمة العزاء التي استمرت أسبوعاً كاملاً في مسيريك ومقر لجنة محلية البارتي في سيميل. في مشهد بقي حاضراً في ذاكرة سعيد عمر، الذي لا يزال يستذكر ذلك الوفاء بعد مرور أربعة وثلاثين عاماً على استشهاد شقيقه.
في ختام ما كتبته سابقاً، أود أن أركز على نقطة أجدها في غاية الأهمية، وهي أنه على الرغم من أن سلطات النظام السوري منعت وصول جثمانه إلى مسقط رأسه في قرية ريحانيك، فإنها لم تستطع أن تفصله عن أرضه وذاكرة أهالي منطقة ديرك وعشيرته (باتوا / كوجر شلد)، وسيبقى اسمه وبندقيته حاضرين في وجدان الجميع، رمزاً للتضحية والوفاء والانتماء إلى أرض كوردستان.
المجد لأرواح الشهداء الذين ضحّوا ورووا تراب كوردستان بدمائهم العفيفة، من أجل أن تحيا كوردستان شامخة برايتها.






