مقالات

فككوا هذا الحزام الذي زرعه النظام البائد

علي شمدين
ما إن غادر الفرنسيون البلاد عام 1946، حتى سارع التيار القومي العروبي إلى تأسيس حزب البعث العربي الاشتراكي عام 1947، الذي انتهج عقلية عنصرية تعتبر كل من تكلّم العربية عربيًّا. ومنذ ذلك الحين وحتى سقوطه أواخر عام 2024، ظل هذا الحزب يواجه الشعب الكردي الأعزل بهذا المنهج الشوفيني العفن، مستهدفًا وجوده الأصيل في مناطقه التاريخية، الجزيرة وكوباني وعفرين، وساعيًا إلى إحداث تغيير ديمغرافي فيها، من خلال تنفيذ أسوأ السياسات الشوفينية وأفظع المشاريع العنصرية، بحق هذه المناطق التي أُلحقت قسرًا بالدولة السورية وفقاً للاتفاقات الاستعمارية التي أعقبت الحرب العالمية الأولى.
ومنذ ذلك الحين، ولا سيما بعد استلام حزب البعث السلطة رسمياً عام 1963، واحتكاره قيادة الدولة والمجتمع، وإطلاقه العنان لأجهزته الأمنية المسعورة لتحتكر جميع مفاصل السلطة، في تلك الأجواء المشحونة بالقمع والعنف والاستبداد، وفي ظل غطاء كثيف من الشعارات المضللة التي تذرعت بها تلك السلطات الشوفينية لمواجهة ما سمته بخطر الانفصال وإقامة (اسرائيل الثانية)، سارعت إلى تنفيذ الخطوات المتتالية لمشروع الحزام العربي، وذلك بهدف تدمير البنية الاجتماعية في منطقة الجزيرة، وتغيير ديمغرافيتها، وبالتالي إنهاء الوجود الكردي كما كانت تحلم.
فقد أعد المسؤول الأمني في الجزيرة، محمد طلب هلال، عام 1963، كراساً بعنوان «دراسة عن محافظة الجزيرة من النواحي القومية، الاجتماعية، السياسية»، يصف فيه القضية الكردية بأنها «ورم سرطاني» لا سبيل إلى معالجته سوى البتر والاستئصال، ويقترح على قيادة حزبه اثني عشر إقتراحاً يرى أنها كفيلة باقتلاع الوجود الكردي في الجزيرة من جذوره. وكان مشروع «الحزام العربي» من أخطر تلك المقترحات التي اعتمدها نظام البعث آنذاك، والذي بدأ بالاستيلاء عام 1966،على شريط من أخصب الأراضي الزراعية المحاذية للحدود مع تركيا، بطول يزيد عن (375)كم، وعمق أكثر من (15) كم، وانتزاعها من أصحابها الكرد، بعد أن كانت قد جردتهم من جنسيتهم عام 1962.
وبعد قيام حافظ الأسد بحركته الانقلابية واستلامه الحكم في البلاد عام 1970، بدأ بتنفيذ المرحلة التالية في عام 1973، وكانت هي المرحلة الأكثر خطورة في هذا المشروع الشوفيني، والتي تمثلت في توزيع تلك الأراضي المستولى عليها من قبل الدولة بذريعة إنشاء ما يسمى بمزارع الدولة، على آلاف العائلات العربية التي استقدمتها الدولة من محافظتي حلب والرقة، بحجة أن مياه سد الفرات قد غمرت أراضيها، وأسكنتها في قرى نموذجية أقامتها لها ووفرت لها جميع المستلزمات المادية والمعنوية، وبخطوتها هذه زرعت الدولة هذه المنطقة بألغام موقوتة ناسفة بعدد تلك القرى التي بنتها لتلك العوائل.
وإدراكاً من أبناء شعبنا الكردي في سوريا وحركته السياسية للأبعاد الشوفينيةلهذه االفتنة القومية التي كان من الممكن لها أن تشتعل في أي لحظة، فقد تجنبوا إثارتها إلى حين سقوط تلك المنظومة الاستبدادية التي زرعت هذا الحزام (الناسف) في منطقة هي جزء من هذا الوطن العزيز، بانتظار قدوم نظام ديمقراطي عادل يعيد الحقوق إلى أصحابها، وتفكيك هذه الفتنة التي زرعها النظام البائد ويمكن لأيتامه أن يفجروها في أي لحظة لا سمح الله، حينها لن ينجو من تداعياتها أي أحد.
ولحسن الحظ، فإن النظام الذي زرع هذه الفتنة بين أبناء الوطن الواحد، قد سقط، وأن هناك حكومة قد استلمت الحكم من بعده، وتحظى بثقة دولية وإقليمية واسعة، ويهمها أن تنال ثقة شعبها بكافة مكوناته من دون تفرقة أو تمييز. ولهذا، فإنه يترتب عليها أن تبادر إلى نزع فتيل الألغام التي زرعها النظام البائد بين صفوف الشعب السوري بمختلف انتماءاته القومية والدينية، وفي مقدمتها مشروع الحزام العربي، ومن واجبها أن لا تنسى بأن هناك حقوقاً مسلوبة بفعل فاعل شوفيني، وأراض مستولى عليها بدافع عنصري بحت، وهي بالتأكيد لن تموت بالتقادم، ولا بد لهذه الحكومة المؤقتة أن تتحمل مسؤولياتها الوطنية تجاه مواطنيها الذين كانوا من أشرس خصوم النظام البائد، وتبدأ بالاهتمام بهذه القضية والتواصل مع أصحابها الحقيقيين، وحلها من دون تأجيل.
10تشرين الأول 2026

هل وجدت هذا المقال مفيدًا؟

رأيك يساعدنا في تحسين المحتوى

0% من القراء أعجبهم المقال
(0 تقييم)
0 0 الأصوات
Article Rating
الاشتراك
نبّهني عن
guest
0 Comments
الأقدم
الأحدث الأكثر تصويت

مقالات أخرى