مقالات

الديمقراطية الكردية بين نجاح الفرد وأزمة المؤسسة

بنكين محمد 
من المفارقات اللافتة في التجربة السياسية الكردية المعاصرة أن الكرد أثبتوا، في العديد من الدول الأوروبية، قدرة واضحة على الانخراط في المؤسسات الديمقراطية والوصول إلى البرلمانات والمجالس البلدية، والمشاركة في صناعة القرار ضمن قواعد سياسية تقوم على التنافس، وتداول المسؤوليات، والمساءلة، واحترام نتائج الانتخابات.
لكن المفارقة تصبح أكثر إيلاماً عندما ننتقل من المؤسسات الأوروبية إلى بعض مؤسساتنا الحزبية الكردية، حيث يبدو المشهد مختلفاً تماماً: أحزاب تتحدث عن الديمقراطية في خطابها السياسي، بينما تعاني داخل بنيتها التنظيمية من ضعف تداول القيادة، واحتكار القرار، وتهميش الأصوات النقدية، وتحول المؤتمرات أحياناً من فضاء للمحاسبة والتجديد إلى مجرد مناسبة لإعادة إنتاج الوجوه نفسها.
وهنا يبرز السؤال الذي يستحق أن يُطرح بجدية: كيف يستطيع الإنسان الكردي أن يمارس الديمقراطية بنجاح داخل برلمان أو بلدية أوروبية، بينما يجد صعوبة في ممارستها داخل حزبه الكردي؟
المشكلة، في جوهرها، ليست في قدرة الكردي على فهم الديمقراطية أو ممارستها؛ فالتجارب الأوروبية أثبتت أن الكفاءة موجودة، والقدرة على المنافسة موجودة، والوعي السياسي موجود. المشكلة تكمن في الثقافة التنظيمية التي تحكم بعض مؤسساتنا السياسية.
فالديمقراطية ليست صندوق اقتراع يُفتح كل عدة سنوات فقط، وليست شعاراً يُرفع في البيانات السياسية، وليست كلمة جميلة تُستخدم عند الحديث عن حقوق الشعوب. الديمقراطية ثقافة تبدأ من داخل المؤسسة نفسها: من حق العضو في السؤال، ومن حقه في الاعتراض، ومن حقه في النقد، ومن حقه في الترشح والمنافسة، ومن حقه في رؤية المسؤول يترك موقعه عندما تنتهي المدة أو عندما تفشل التجربة.
أما عندما يتحول المسؤول إلى مؤسسة قائمة بذاتها، ويصبح بقاؤه في منصبه أمراً شبه دائم، فإن الحزب يبدأ تدريجياً بفقدان أهم عناصر الحيوية السياسية.
فالسكرتير الذي لا يغادر موقعه لا يصنع بالضرورة حزباً أكثر استقراراً؛ وقد يصنع، من حيث لا يريد، حزباً أكثر اعتماداً على الأشخاص وأقل اعتماداً على المؤسسات.
والأخطر من ذلك أن تتحول العلاقة داخل الحزب من علاقة سياسية قائمة على النقاش والمساءلة إلى علاقة تقوم على الولاء الشخصي. عندها يصبح التصفيق أسهل من النقد، والمجاملة أكثر أماناً من الصراحة، والصمت أكثر فائدة للموقع من طرح الأسئلة الصعبة.
وهكذا، قد نجد حزباً يطالب المجتمع بالديمقراطية، لكنه لا يسمح بالديمقراطية الكاملة داخله؛ يطالب الآخرين بتداول السلطة، لكنه يجد مبررات لا تنتهي لبقاء قياداته؛ يدافع عن التعددية السياسية، بينما يضيق أحياناً بالتعددية داخل صفوفه.
وهذه ليست مشكلة شخص واحد، ولا يمكن اختزالها في سكرتير أو قيادة بعينها. إنها مشكلة بنية وثقافة سياسية عندما تتحول المواقع التنظيمية من مسؤولية مؤقتة إلى امتياز دائم.
إن تداول القيادة ليس إهانة للقائد، بل اعتراف بأن المؤسسات أكبر من الأشخاص.
والقيادة الحقيقية لا تُقاس بعدد السنوات التي بقي فيها الشخص في منصبه، بل بقدرته على بناء مؤسسة تستطيع الاستمرار بعده.
فإذا كان الحزب لا يستطيع إنتاج قيادات جديدة، وإذا كان الشباب ينتظرون سنوات طويلة قبل أن يحصلوا على فرصة حقيقية للمشاركة في القرار، وإذا كانت النساء والشخصيات المستقلة والأصوات النقدية تجد نفسها دائماً خارج دوائر التأثير، فإن السؤال لا يعود: من هو القائد؟
بل يصبح السؤال الأهم: ما الذي يمنع المؤسسة من إنتاج قيادة جديدة؟
لقد أثبت الكرد في أوروبا أن المشاركة الديمقراطية ليست حلماً مستحيلاً. كثيرون منهم دخلوا الحياة السياسية من بوابة المجتمع المدني والبلديات والأحزاب والنقابات، وتعلموا كيف يخوضون المنافسة، وكيف يقبلون الخسارة، وكيف يهنئون الفائز، وكيف ينتقلون من موقع المعارضة إلى موقع المسؤولية، ثم يغادرون الموقع عندما تنتهي ولايتهم.
هذه الخبرة تستحق أن تنتقل إلى مؤسساتنا الكردية أيضاً.
نحن بحاجة إلى الانتقال من ديمقراطية الأشخاص إلى ديمقراطية المؤسسات.
من ثقافة القائد الذي لا يُستبدل إلى ثقافة المؤسسة التي تتجدد .
ومن ثقافة العضو الذي يصفق إلى ثقافة العضو الذي يسأل ويناقش ويحاسب .
ومن اعتبار النقد خيانة إلى اعتباره ضرورة تنظيمية.
فالحزب الذي يخاف من النقد لا يصبح أقوى بإسكات المنتقدين، بل يصبح أكثر هشاشة. والحزب الذي يفتح أبوابه للنقد والمنافسة والتجديد يملك فرصة أكبر للبقاء والتطور.
وفي النهاية، ليست المشكلة أن يكون لدينا قادة يمتلكون خبرة طويلة؛ فالخبرة السياسية قيمة مهمة. المشكلة تبدأ عندما تتحول الخبرة إلى احتكار، والاستمرارية إلى أبدية، والولاء للمؤسسة إلى ولاء للأشخاص.
الديمقراطية التي نطالب بها للآخرين يجب أن نمارسها أولاً داخل بيوتنا السياسية.
فلا يمكن أن نطالب العالم بأن يحترم حق الشعب الكردي في تقرير مستقبله، بينما نعجز عن احترام حق أعضائنا في تقرير مستقبل أحزابهم.
ولا يمكن أن نبني مشروعاً وطنياً ديمقراطياً بعقلية تنظيمية تخشى تداول المسؤولية.
لقد آن الأوان لأن ندرك أن أعظم إنجاز يمكن أن يحققه أي قائد كردي ليس أن يبقى في منصبه أطول فترة ممكنة، بل أن ينجح في بناء مؤسسة قوية تستطيع أن تستمر من دونه.
عندها فقط تصبح الديمقراطية ممارسة حقيقية، لا شعاراً سياسياً.
وعندها فقط يمكن أن نقول إن نجاح الكردي في برلمانات وبلديات أوروبا لم يكن استثناءً، بل دليلاً على أن المشكلة لم تكن يوماً في الكردي، وإنما في بعض البنى السياسية التي لم تتعلم بعد كيف تمنح الديمقراطية فرصة حقيقية داخل جدرانها.

هل وجدت هذا المقال مفيدًا؟

رأيك يساعدنا في تحسين المحتوى

100% من القراء أعجبهم المقال
(1 تقييم)
0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 Comments
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments

مقالات أخرى للكاتب: الكاتب