المثقف والسياسي

محمود برو

قبل يومين بينما كنت اتابع الوضع الداخلي والميداني في غربي كردستان عبر فضائية زاغروس -ARK ، تلقيت بنبا انعقاد اجتماع او ملتقى لمجموعة من المثقفين الكرد في هولير العاصمة، واللذي اتمنى لهم النجاح في عملهم بما يخدم قضية شعبنا العادلة وحريته في تقرير مصيره دون رقيب.

وبعدها سمعت النقاشات والانتقادات من بعض الاخوة في الخارج وكذلك ردود افعال بعض المثقفين المشاركين بالملتقى ، حيث كان واضحا وجلياً عدم الرضى وعدم التوافق من قبل الطرفين  فيما يخص الية انعقاد تلك الملتقى ونوعية المشاركين والتحضير السريع والمفاجئ له اضافة الى ماهية المثقف والسياسي ، حيث نمر بظروف عصيبة وحساسة نحتاج فيها الى الهدوء والحكمة والعقلانية في الاشتراك بصيرورة العمل النضالي سواء اكان من من قبل المثقف او من قبل السياسي .
والذي دفعني اكثر الى كتابة هذه المقالة المتواضعة،  هو انني التمست بان هناك فهم خاطئ وغير دقيق لماهية المثقف والسياسي من حيث الواجبات والعمل والعلاقة.
ان السياسي والمثقف هما فردان من افراد المجتمع لهم الحق المطلق في اختيار المهنة المناسبة لهم حسب ارادتهم ورغبتهم، انطلاقاً من ان كلاهما عضوان فاعلان يكملان بعضهما البعض في تحقيق هدف المجتمع واحلامه وغاياته وفقا للقوانين والانظمة السائدة، هذا في المجتمعات المتطورة .

اما في المجتمعات المتخلفة  كمجتمعنا فان العلاقة بينهما غير متكافئة وبالتالي يؤدي حتما الى افرازات مختلفة.

اي انه ينقسم المثقفين ويتم فرزهم الى فئات مختلفة ومتحاربة في اكثر الاحيان.


منهم من يصبح تابعا للسياسي ومنهم من يصبح مهادناً له ، اما الفصيل الثالث وهو الذي اكن لهم شديد التقدير والاحترام وهم المثقفين الرافضين اللذين يعملون ليل نهار في سبيل درء الخطر عن المجتمع وحمايته من الكارثة والهلاك.
المثقف التابع هو من يغني على وتر السياسي ويصبح جزءاً منه ومن سياسته وسلطته وكراهيته للمثقفين الحقيقين ،  وهنا لابد لي ان اذكر القول المشهور لوزير الاعلام الهتلري جوبلز عندما قال : انني اضع يدي على مسدسي عندما اسمع كلمة المثقف .
اما المثقف المهادن فانه يخشى من هيمنة السياسي او السلطة السياسية فيغمض عينيه عن الحقيقة ويضع راسه تحت الرمل تماماً كطائر النعامة ، واما لمثقف الرافض والثوري فهو من يتصدى للسياسي او السلطة السياسية  التي يتعامل مع الشعب بالهيمنة والتسلط ، ساعياً لتعرية مواقفه المضللة ، وداعياً لتنشيط السلطة الرابعة لتقوم بمهامها للدفاع عن مصالح المجتمع، وكشف زيف الادعاءات والشعارات الخلبية والبراقة التي تطلق من قبل السلطة السياسية

اما السياسي فهو ايضا يمكن تصنيفه الى سياسي مثقف ديمقراطي او سياسي جاهل  ديكتاتوري وطايش.
فالسياسي المثقف والديمقراطي هو الذي يملك دراية تامة بامور الحياة والمجتمع والقانون ويعمل دائما من اجل تحقيق العدالة الاجتماعية  والمساواة بين البشر بغض النظر عن انتماءاتهم و ولاءاتهم الحزبية والقومية والدينية والفكرية.

وهو الذي يؤمن بان القانون والقضاء هما السلطة الاعلى في المجتمع  يجب الالتزام والخضوع لهما.
اما السياسي الجاهل والديكتاتوري فيعمل عكس ذلك تماما، بالإضافة الى المهارة في استخدام الاساليب الديماغوجية للضحك على الذقون وخداع الشعب وسوقهم في ظروف معينة باتجاه السمع والطاعة والوفاء له بانه القائد والرائد وصاحب القرار والحافظ والضامن لحقوقهم.
علينا ان نؤمن دائما بانه هناك الراي والراي الاخر، حيث لايمكن ان يوجد السالب بدون وجود للموجب، كذلك لا يمكن ان نقول انه يوجد شر دون وجود الخير والسلام في الطرف الاخر.

الوجود بنيت على اساس وحدة وصراع الاضداد.وهذا المبدا هو احد المبادئ الاساسية لقانون التطور التاريخي للبشرية جمعاء.
احياناً كثيرة نرى ونسمع جدلاً صارخاً في فصل الثقافة عن السياسة، انني اعتقد ان كلاهما متكاملتان لبعضهما البعض ، حيث ان المثقف يحلم عن طريق كتاباته وتحليلاته  باحلام جميلة لخدمة شعبه ومجتمعه اما السياسي فيترتب عليه تحقيق تلك الحلم عبر خطط وبرامج ووسائل سياسية معينة، وإذا كانت وظيفة المثقف أن يرسم غائية الثورة، في الوقت نفسه أن المثقف من يرسم غاية الثورة البعيدة، ومهمة السياسي أن يحقق معالم الطريق للوصول بالثورة إلى غايتها، لذلك اعتقد انه لا داعي لخلق تشنجات بين المثقف والسياسي والعمل من اجل عزلهما عن البعض ليبقى كل منهم في قوقعته  بعيدا عن معاناة البشرية من حولهم.

الثقافة والسياسة تسيران جنبا الى جنب، الثقافة والمثقفين هم النواة الحقيقية لتهيئة الجو لقيام الثورات واجراء التغيرات الجزرية في عمل المجتمعات.
 نحن الان في حالة ثورة لذلك نحن بأمس الحاجة إلى نشر الوعي الثقافي الملتزم بقضايا الوطن والأمة وطنيا وقوميا وإنسانيا،  علينا ان لا نقيد حركة المثقفين ونضع عليهم شروطنا ونطبق عليهم سياساتنا الحزبية الضيقة، علينا ان نتركهم كالطير الحر ، احرارا طليقين ليتمكنوا من الدخول في فضائهم الحقيقي الاوسع من فضائنا السياسي نحن السياسيين ، لان الحرية لا يمكن لها إلا أن تولد على أيدي مثقفين أحرار، ومن يملك إرادته يملك القدرة على المساهمة في بناء المجتمع  والوصول الى تحقيق غايته في الحرية والديمقراطية والمساواة.


فمن خلال متابعتي وقراتي لنتاج المثقفين ، اعتقد انه هناك نخبة كبيرة من المثقفين الجديرين بالاحترام والتقدير في داخل الوطن وخارجه يملكون ثقافة ملتزمة وبناءة ، لا يمكن الاستهانة بها.
فالثقافة هي طاقة تغييرية تقدمية ، تعمل على تغيير العالم ، علينا نحن الكرد ان لا ننسى ما قاله قائدنا العظيم بارزاني بخصوص الثقافة والمثقفين في مقولته الشهيرة:
Qutabî serê rimane li hemû şoreş û raperîna.

النروج 22/6/2013

شارك المقال :

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 Comments
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
اقرأ أيضاً ...

أحمد عبدالقادر محمود لم ينعم الكرد السوريين حيناً و لا يوماً بحركة سياسية تُناسب تطلعاته ، بعد تنامي الشعور القومي وتصاعد وتيرته ، جراء المخزون الهائل و التراكمي لصدى الثورات الكردية في الأجزاء الأخرى من كُردستان ، تلك الثورات التي قارعت أعتى القوى العنصرية و الشوفينية المناهضة للحقوق الكردية ، مخزونٌ تاريخي و وجداني شكّل وعياً كان من شأنه…

محمود أوسو كلما فشلنا في قراءة الحاضر ،هربنا إلى الماضي لنصنع كبش فداء في الرواية الشعبية السائدة ،إن كردستان ضاعت لأن نائبا” كرديا” إسمه حسن خيري وقف في برلمان أنقرة عام ١٩٢٠ باللباس الكردي وقال :نحن والترك إخوة ودولتنا هي تركيا . بهذه الجملة وبحسب هذه الرواية ،سقطت معاهدة سيفر وجاءت معاهدة لوزان ودفن الحلم. هذه ليست قراءة تاريخية لأسباب…

د. محمود عباس ليست المؤتمرات الثقافية مجرد محطات تنظيمية تُراجع فيها اللوائح وتُنتخب الهيئات، بل هي، حين ترتبط بقضية شعب وذاكرته وثقافته، لحظات لمراجعة المسار وتجديد المسؤولية وتحديد ما ينبغي أن يكون عليه دور الكلمة في المراحل المتغيرة. ومن هذا المعنى يكتسب المؤتمر الثالث للاتحاد العام للكتاب والصحفيين الكورد في غربي كوردستان، المزمع انعقاده غدًا، في 23/8/2026 بمدينة إيسن الألمانية،…

اكرم حسين منذ تأسيس أول حزب سياسي كردي في سوريا عام 1957، دخلت القضية الكردية مرحلة جديدة، انتقلت فيها من التعبير الثقافي والاجتماعي المتفرق إلى العمل السياسي المنظم ، وبعد قرابة سبعة عقود، يبقى السؤال مطروحاً: لماذا لم تجد القضية الكردية حلاً؟ وهل يعود ذلك إلى الظروف الموضوعية، أم أن جانباً من الإخفاق يرتبط أيضاً بطبيعة القيادة الكردية وأدواتها السياسية؟…