مقالات

إما وحدة الصف الكردي… وإلا فلا!

علي شمدين
أثارت الأحداث المؤلمة الأخيرة التي شهدتها المناطق الكردية، ولا سيما الحسكة وكوباني، موجة واسعة من الشجب والإدانة والاستنكار، وكان آخرها جريمة اختطاف الشاب الكردي من لواء الحسكة الشهيد سيبان حسو كرمي، ونحره بدم بارد، في مشهد ذي طابع انتقامي جرى توثيقه وتداوله عبر وسائل التواصل الاجتماعي، إلى جانب الكارثة التي وقعت بعد ذلك في سجن كوباني إثر اندلاع حريق فيه، أسفر عن وفاة ثمانية أشخاص وإصابة ثمانية عشر آخرين، بعضهم في حالة حرجة.
وتأتي هذه التطورات في وقت تجتاز فيه عملية دمج قوات سوريا الديمقراطية ومؤسساتها العسكرية والإدارية في مؤسسات الحكومة الانتقالية أصعب مراحلها، وتواجه على الأرض تحديات مصيرية تدفع بها إلى مفترق طرق حاسم: فإما الالتزام بجرأة وشجاعة ببنود اتفاق 29 كانون الثاني 2026، والمضي قدماً في تنفيذ مضمونه بما يعزز الثقة بين جميع المكونات القومية والدينية، ويمهّد الطريق لمرحلة جديدة من الأمن والاستقرار في البلاد، وإما الانزلاق نحو الفوضى الإدارية والفلتان الأمني، اللذين من شأنهما أن يفتحا الأبواب من جديد أمام دوامة العنف والقتل والإرهاب، وبالتالي دفع البلاد نحو حرب داخلية لا يخرج منها منتصراً سوى أولئك الذين لا يريدون الخير للشعب السوري، الذي أنهكته حرب امتدت لأكثر من عقد ونصف من الزمن.
إن الجرائم البشعة التي تشهدها المناطق الكردية، لم تأتِ من فراغ، وهي تنذر، مع الأسف الشديد، بأن الأوضاع تسير نحو الأسوأ بسبب غياب سلطة الدولة والقانون، وتصاعد خطاب الحقد والكراهية ضد الشعب الكردي، وتنشيط الخلايا الإرهابية، وانتعاش الميليشيات العشائرية المسلحة التي تروّج، في وضح النهار، للفتنة والقتل والانتقام، في ظل ارتفاع معدلات البطالة وغلاء الأسعار وغياب الخدمات ونقص مستلزمات الحياة الضرورية، مثل الماء والكهرباء والمحروقات وغيرها.
ومن هنا، فإن الحكومة الانتقالية مطالبة بتحمّل مسؤولياتها الإدارية والقضائية والأمنية، ومدعوة إلى العمل بكل جدية على حماية مواطنيها بمختلف انتماءاتهم القومية والدينية، ومن دون تفرقة أو تمييز، ويقع على عاتقها وضع حدّ حاسم لمروّجي الفكر الشوفيني الذي خلّفه حزب البعث العفلقي، ولجم الميليشيات العشائرية المنفلتة والمجاميع العنصرية التي أفرزتها التنظيمات الإرهابية، وتجريم خطاب الكراهية والانتقام على أساس الهوية القومية، والانفتاح على ممثلي الشعب الكردي في سوريا، والإقرار بوجوده وضمان حقوقه القومية في الدستور الجديد، باعتباره ثاني أكبر قومية في البلاد.
لا شك أن الخطوات التي أقدمت عليها الحكومة الانتقالية نحو الإقرار بحقوق الكرد الثقافية واللغوية وفقاً للمرسوم (13)، ومنحهم بعض المكاسب العسكرية والإدارية وعدداً من المقاعد البرلمانية، تُعدّ خطوات إيجابية يمكن البناء عليها، إلا أنها، مع ذلك، لا تشكل الحل النهائي للقضية الكردية. فهي قضية قومية لا يمكن تجاهلها أو اختزالها في مكاسب إدارية غير محصّنة دستورياً. ولهذا، فإن الشعب الكردي في سوريا مدعو إلى التفاعل الإيجابي مع المرحلة الجديدة التي بدأت مع الإعلان عن انتهاء عملية الدمج، والتنبه إلى مؤامرات الجهات الشوفينية الحاقدة، التي يغيظها أن يحقق الكرد أي مكسب، مهما كان صغيراً، ولعلّ الأحداث الأخيرة التي شهدتها المناطق الكردية في سوريا تأتي في هذا السياق.
وانطلاقاً من هذا الواقع الكارثي الذي يعيشه الشعب السوري عموماً، والكردي بشكل خاص، تقع على عاتق الحركة الكردية في سوريا، بمختلف روافدها السياسية والثقافية والاجتماعية، مسؤولية تاريخية تتمثل في المبادرة إلى دعوة الجماهير الكردية الغاضبة إلى التهدئة وضبط النفس وعدم الانجرار خلف خطاب الحقد والكراهية الذي تبثه الجهات الشوفينية بهدف إشعال نار الفتنة بين المكونات القومية المتعايشة في المناطق الكردية، ونسف السلم الأهلي بينها، وبالتالي دفع الأوضاع نحو المجهول.
نقول هذا ونحن نعلم أن هذه الجماهير المكلومة قد بلغت درجة ملموسة من اليأس وفقدان الأمل بأطراف الحركة الكردية، وأنها لن تمنح ثقتها لأي طرف بمفرده، إلا إذا بادرت هذه الأطراف إلى توحيد صفوفها بأسرع وقت، وبناء مرجعيتها السياسية الشاملة، استناداً إلى الشرعية التي تمخضت عن كونفرانس 26 نيسان 2025. وإلا فلا!

هل وجدت هذا المقال مفيدًا؟

رأيك يساعدنا في تحسين المحتوى

0% من القراء أعجبهم المقال
(0 تقييم)
0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 Comments
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments

مقالات أخرى للكاتب: الكاتب