محمد عكو / المانيا
أنا من أشد أنصار الترويج وقبول التبرع الطوعي لأي نشاط أدبي وفني ، وكتبت عن ذلك في أكثر من منشور ، ودافعت عنه في أكثر من لقاء للجالية الكردية في مدينة بوخوم وضواحيها ، إيماناً مني بأن الثقافة الكردية والمجتمعية في المهجر لا تحيا إلا بجهود أبنائها ودعمهم الطوعي .
لكن للتبرع أخلاق ، وللنشاط الثقافي قواعد ، وعندما تغيب القواعد يتحول الدعم إلى متاجرة ، ويتحول النشاط من خدمة للجمهور إلى ابتزاز له .
في المشهد الثقافي الألماني والأوروبي عموماً ، هناك قاعدة ذهبية لا حياد عنها : كل نشاط يرافقه ميزانية مدروسة وتكلفة معلنة . على بروشور الدعاية تجد كل شيء مكتوباً بمنتهى الوضوح والشفافية : هل الدخول مجاني ؟ ما هو سعر التذكرة ؟ هل هناك سعر خاص للأطفال؟ ما هو رقم مقعدك ؟ متى يبدأ البرنامج ومتى ينتهي ؟ لا مجال للاجتهاد ولا للتوكل .
بينما نحن ، وعين الله علينا، في مشهد الجالية الكردية في المهجر الأوروبي ، تطفو على السطح عقلية أخرى : عقلية الفتوى والمزاجية . يتم الترويج لنشاط ما بجمل إنشائية لا نهائية عن أهميته ، دون توضيح لأبسط الشروط : هل الدخول مجاني أم مدفوع ؟ متى يبدأ بالضبط ؟ لمن المقاعد الأمامية ؟ تدار دفة النشاط بعقلية ” التوكل على الله “، فيصبح التوقيت مزاجياً ، والمقاعد مزاجية ، والفوضى هي القانون الوحيد .
وهنا بيت القصيد . الجماهير التي تحضر القاعة ليست قطيع غنم تخرجه من حظيرته متى تشاء وتعيده متى تشاء لأجل حفنة مالية . احترام الحضور هو أساس أي عمل مدني . وعندما يفقد المرء احترامه ومكانته في تجمع جماهيري ، فعليه أن يخرج وأن ينتقد ويلعن هذا الخلل ، مهما كانت الجهة الداعمة، ومهما كان الغطاء الحزبي .
ما حدث ويحدث في بعض الأنشطة هو سقوط أخلاقي بامتياز: ترويج واسع بكلام معسول ، دعوات شخصية للجالية للحضور دعماً لنشاط يوصف بأنه ” مدني ومستقل ومجاني “، وحين يمتلئ القاعة ، يُطلب من الجميع الخروج لإعادة ترتيب الدخول من باب ” التبرع الإجباري ” وتحديد مبلغ عشرة يورو دون إيصالات مطبوعة ، ودون ضمان حق الجلوس ، مع صراخ علني بأن المقاعد الأمامية محجوزة لهرم مخملي حزبي وسياسي يجب الخضوع له .
هذه ليست ثقافة تبرع ، هذه متاجرة أخلاقية وتجارية بحق الجمهور الذي حضر بنية الدعم. أن تطلب التبرع بعد أن تحشدهم باسم المجانية والاستقلالية ، وأن تغلف نشاطاً حزبياً صرفاً بنكهة الحيادية ، فهذا هو العهر السياسي بعينه . العتب ليس على من نظم بفوضى ، العتب على تلك الجماهير التي وقفت على باب المسلخ لتدفع العشرة يورو تحت عنوان ” التكلفة باهظة “.
أجمل ما في الحياة المدنية أنها لعبة نظيفة تُلعب في وضح النهار .
الشجاعة والشفافية أن تكتب بكل وضوح وبدون خجل على بروشورك :
الدخولية ليست مجانية وسعرها كذا.
المقاعد الأمامية محجوزة لضيوف محددين.
هذا النشاط بدعم من الجهة الفلانية .
لا تكذب على الجماهير التي تترجاها للحضور ، ثم تكشف في اللحظة الأخيرة عن إفلاسك الاجتماعي والأخلاقي .
نعم للتبرع الطوعي الكريم لدعم ثقافتنا ، وألف لا للتبرع الإجباري الذي يهين كرامة الإنسان الذي كان حاضراً هناك دعماً ومحبة .




