أ. د. سربست نبي
أستاذ الفلسفة السياسية- جامعة كوية
كان الاستسلام في أيّ نزاع فردي أو جماعي في التاريخ، محمولاً على الإقرار بالهزيمة والانكسار. لكنه كان أيضاً متفاوتاً في درجات الاعتراف بالهزيمة وفي طبيعته. إذ طالما كانت هنالك عمليات استسلام للجيوش والدول والثورات في التاريخ، وعلى الدوام كانت تحدث نتيجة تحول جوهري وعميق في موازين القوى وشروط النزاع بين الطرفين المتنازعين لصالح أحدهم دون آخر، بحيث يضطّر أحد أطراف النزاع مكرهاً أو مرغماً على قبول شروط وإملاءات الطرف الآخر بصورة مؤقتة، أو حتى دائمة، كالاعتراف بالهزيمة أمامه، دون أن يعني ذلك التنازل عن مبررات انخراطه في النزاع أو المقاومة، أو عن شرعيتها الأخلاقية والسياسية، و بذلك يحتفظ هذا الطرف( المستسلم) بحقه في العودة للمقاومة والنضال متى ما شعر بقدرته على فعل ذلك، دون أن يمنح انتصار عدوه الشرعية الأخلاقية أو السياسية، أو يوقع له صكّ الاستسلام مذعناً ومعترفاً بأن هذا العدو كان على الحق، وأن القضية التي انخرط هو في الدفاع عنها والمقاومة لأجلها كانت زائفة وأن التضحيات، التي قدّمها في هذا السبيل كانت عبثية ومجرد( عنف إرهابي)، وكانت الشعارات والمبررات التي تمّ إعلانها فيما مضى مجرد هباء. إنما على العكس من ذلك يظلّ الطرف المستسلم حريصاً على الاحتفاظ بشرعيته الأخلاقية وبكرامة تضحياته وسموها، دون أن يقلل من قدسيتها أو مكانتها. وهذا ما يسمى بالاستسلام المشرّف، الذي يأتي نتيجة اتفاق يحفظ للمقاتلين شيئاً من كرامتهم، واعترافاً بشجاعتهم، وإقراراً واضحاً بقدسية تضحياتهم والمبادئ التي ضحّوا لأجلها. وفي سجلات الاستسلام التاريخية للجيوش والدول تصان أحياناً الرتب والأسلحة الرمزية توقيراً.
يقدم التاريخ العسكري نماذج مهمة جداً على هذا الصعيد، ونعني الاستسلام المشرف للجيوش، ودون أن يتحوّل الاستسلام إلى إذلال سياسي أو أخلاقي لها. منها استسلام القوات الألمانية في الحرب العالمية الأولى ١٩١٨ التي جاءت في أعقاب هدنة ووقف للقتال بشروط قاسية. دون أن تمنح أعدائها شرعية الانتصار المطلق، وهذا ماساعد الألمان على استعادت ثقتهم بجدارتهم القومية والاستعداد للحرب العالمية الثانية بصورة أقوى. كذلك الأمر مع اليابانيين الذين قبلوا الاستسلام سنة ١٩٤٥م بعد القنبلتين الذريتين ودخول الاتحاد السوفيتي الحرب. بيد أنهم حرصوا على إبقاء امبراطورهم هيروهيتو، كرمز قومي، ورفضوا الغاء الدولة اليابانية، كما رفضوا أن يعاملوا كلهم بوصفهم شعباً مهزوماً يجب إذلاله. ومن هنا استطاعوا لاحقاً أن يحولوا عملية الاستسلام إلى عتبة لإعادة بناء اليابان، لا إلى تدمير كيانها السياسي والاجتماعي. كذلك يمكن الإشارة في هذا السياق إلى استسلام الحامية الفرنسية في ديان بيان فو سنة ١٩٥٤بعد حصار دام نحو ٥٧ يوماً. ويشار في هذا السياق، بالمثل، إلى استسلام القوات الألمانية في ستالينغراد ١٩٤٣م كمثال بارز على الاستسلام بعد مقاومة وصلت إلى أقصى الحدود.
وهكذا، في الاستسلام العسكري المشرّف، يقرّ الجيش المهزوم بالهزيمة، دون أن يسلب عن نفسه أو مقاومته الشرعية السياسية أو ينزع عن تضحياته الشرعية الأخلاقية ويدينها، وبالمقابل لا يحوّل القائد المنتصر عملية الاستسلام إلى إذلال، وهذا ربما هو المعنى الأدق لعبارة «الاستسلام بشرف».
أما على صعيد استسلام حركات المقاومة والتحرر والثورات المسلحة فيقدم لنا التاريخ عشرات النماذج الدالة، مثل استسلام الثوار الجزائريين، الفيتناميين، الأيرلنديين، الكوبيين، الجزائريين، الفلسطينيين..الخ وهنا يغدو معيار الاستسلام المشرف أشدّ تعقيداً وأثقل بالمعاني والدلالات الإنسانية والأخلاقية. أما القاسم المشترك بين جميع تلك الحالات والظواهر فهو أن الثوار، رغم استسلامهم الاضطراري لدولة أو سلطة منتصرة، كانوا حريصين أشدّ الحرص على بقاء الشرعية الأخلاقية والسياسية للقضية، التي حاربوا لأجلها بغية استئناف النضال لأجلها في مراحل تالية وبوسائل أخرى، وثابروا جميعاً بثبات على التمسك بالحفاظ على كرامة المقاتلين ومنع النيل من حقوقهم. ويشار في هذا السياق إلى استسلام الثوار الإيرلنديين في انتفاضة عيد الفصح ١٩١٦م بعد شعورهم بالعجز عن مواصلة القتال، وحرصهم على حياة المدنيين والمقاتلين، رغم إعدام قادة الثوار بعد الاستسلام، الذين تحولوا في الوجدان القومي إلى رموز تاريخية، منح كفاح الإيرلنديين تالياً زخماً معنوياً كبيراً تالياً.
ثمة حالة تاريخية فريدة، يمكن وصفها بنزع السلاح العسكري، حدثت بعد اتفاقية إيفيان ١٩٦٢ بين ثوار جبهة التحرير الجزائرية والفرنسيين، حيث أفضت تلك العملية إلى اتفاق سياسي اعترفت فرنسا بموجبه باستقلال الجزائر.
ومن الأهمية بمكان الإشارة في هذا السياق، إلى استسلام الثوار الفلسطينيين في بيروت عام ١٩٨٢ بعد حصار طويل، وافقت منظمة التحرير الفلسطينية بعده على مغادرة لبنان باتجاه تونس. وبنتيجة ذلك خرج معظم المقاتلين الفلسطينين من الحصار سالمين، ولم يتعرضوا لأي اعتقال، بموجب اتفاق وضمانات دوليين. وبالنتيجة ضمنت منظمة التحرير شرعية تمثيلها للقضية الفلسطينية وحافظت على الإرث السياسي والأخلاقي لتضحيات مقاتليها. ثم واصلت بعدها الكفاح لأجل أهدافها، ولهذا يمكن اعتبار هذا الاستسلام العسكري، مشرّفاً سياسياً وأخلاقياً.
والخلاصة إن عمليات الاستسلام المشرف في التاريخ انطوت جميعها على إحدى أو بعض هذه العناصر، وهي الاستسلام مع حفظ الكرامة، ثم الحفاظ على البنية التنظيمية متماسكة حول الخطاب السياسي للحركة السياسية، انتزاع الاعتراف السياسي بالحقوق في نهاية المطاف وتحقيق الأهداف، التي قامت بالكفاح لأجلها. إلا أن القاسم المشترك- المطلق بين جميع تلك العمليات كان هو إن الاستسلام العسكري لم يترتب عليه قط الاستسلام السياسي أو نفي الشرعية السياسية أو الأخلاقية عن القضية، كي يظل استمرار الكفاح بوسائل أخرى شرعياً وذو جدوى تاريخي، ويصبح هذا الاستسلام المشرّف جزءاً لايتجزأ من الانتصار التاريخي فيما بعد، وهذا ما حدث في حالات تاريخية عديدة. فالاتفاقيات أو معاهدات الاستسلام الأكثر إذلالاً في التاريخ، هي ليست تلك، التي انطوت على أكبر قدر من التنازلات الإقليمية أو العسكري، أو التي حفلت بأكبر الهزائم، إنما هي تلك التي حوّلت شعباً ما، أو أمة، من صاحب قضية سياسية- تاريخية إلى جماعة مذعنة نزعت عنها قدرتها على تقرير مصيرها، ورضخت لإملاءات العدو، وأنكرت على قضيتها الشرعية السياسية والحقوقية، وجعلت من تضحياتها مدانة، ليس حقوقياً وسياسياً فحسب، وإنما حتى أخلاقياً. وهذا ما حدث بالفعل في القانون، الذي صدر عن البرلمان التركي، بشأن السلام مع حزب العمال الكردستاني، الذي صادق عليه ممثلوه السياسيين داخل البرلمان، ووصف تاريخ هذا الحزب برمته بالإرهاب، وعدّ قبوله بهذا القانون، بمثابة إعلان لدفن الإرهاب في تركيا.
بالعودة لما ورد في القانون المذكور نقرأ: لضمان وضع عملية” تركيا بلا إرهاب” على أرضية صحية وواقعية ومستدامة(…..) المادة ١: الهدف والنطاق: إن الهدف من هذا القانون هو تحديد إجراءات تأجيل التحقيقات والمحاكمات المستمرة وقرارات العقوبة الصادرة، بعد نشر قرار مجلس الأمن القومي في الجريدة الرسمية المتعلق بتحديد إنهاء الوجود الفعلي لمنظمة (PKK/KCK) الإرهابية وكافة الهياكل المرتبطة بها، وتسليم كافة أسلحتها وذخائرها للمؤسسات الأمنية وتأكيد ذلك.
تشمل نصوص هذا القانون جرائم تأسيس أو إدارة منظمة (PKK/KCK) الإرهابية، والانتماء إليها، أو مساعدتها عن علم وقصد، والترويج لها، والجرائم المرتكبة في إطار أنشطتها… الخ
المادة ٢: التعريفات: أ) المنظمة: منظمة (PKK/KCK) الإرهابية وكافة تشكيلاتها المرتبطة. ( انتهى الاقتباس)
يلاحظ في ضوء تلك الفقرات، وغيرها، إن أوجلان وممثليه، قد وافقوا على إدانة كل تاريخ كفاحهم وتاريخ تضحيات رفاقهم بوصف كفاحهم إرهاباً. وهذا الوصف ينسحب على على تضحيات عشرات الآلاف من المقاتلين سواء الذين قضوا في المعارك شمال كردستان( تركيا) أو غربها أو جنوبها، أو قضوا تحت التعذيب في السجون والمعتقلات، بعدّهم ارهابيين استحقوا ذلك المصير( المشين) حسب هذا القانون. وبالمقابل برأ القانون الدولة التركية من جميع جرائم القتل والابادة والتهجير القسري بحق الكرد في كل مكان طوال تلك العقود، بوصف ممارساتها حرباً مشروعة على الإرهاب والإرهابيين.
وطالما الأمر كذلك، وقد صادق ممثلو أوجلان على هذا القانون، وراحو يباركونه ويهللون له، فقد انتزع من الضحايا الحق في العدالة والقصاص ممن انتهك حقوقهم، بعد أن سلب عن قضيتهم مشروعيتها السياسية والأخلاقية. إن قبول أوجلان وقيادة( قنديل) بهذا القانون، تحت أية ذريعة أو مبرر كان، يعدّ سابقة في سجل وقائع الاستسلام المذل، غير مألوفة في صفحات التاريخ.
من نافل القول، إن القانون وضع بتوافق تام في ضوء مصالح الأمن القومي التركي وأملي على زعيم العمال الكردستاني، الذي بدوره فرض على أتباعه القبول به دون أي اعتراض، رغم أنه خلا بالمطلق من أيّ إقرار بالكرد أو بوجودهم وهويتهم، أو اعتراف بثقافتهم ولغتهم، وكرّس مجدداً تفوق هوية عرقية وثقافية ولغوية وحيدة في تركيا على بقية التنوع التاريخي والثقافي في شمال كردستان وتركيا. ومع ذلك هلل مريدو أوجلان للقانون بوصفه السبيل الوحيد للسلام وبوابة الحلّ. واقع الحال فإن عبارة ( الاندماج الديمقراطي) التي اطلقها اوجلان على هذه العملية، وشرعنها القانون المذكور، ورددها مؤيدوه وأحاطها مريدوه بهالة من القداسة، بوصفها اختراعاً عبقرياً وفذّاً، غير مسبوق تاريخياً، هي في جوهرها، تستهدف تتريك الكرد ومحو هويتهم وذوبانهم في الهوية التركية، مثلما تستهدف تعريب الكرد في غرب كردستان وطمس هويتهم في الدولة العربية السورية، من وراء الصفقة، التي تمت مع رأس السلطة الانتقالية.
أما الزخرفة الكلامية الموصوفة( بالديمقراطي) اللاحقة، فتعني إن سياسة التتريك أو التعريب اللذين كانا يتم فرضهما قسراً في السابق، قد ثبت فشلها فشلاً ذريعاً في تركيا وسوريا، وقد آن الأوان لتحقيق تلك الأهداف بطريقة ناعمة وتحت عناوين فضفاضة يساق الكرد تحتها طوعاً.
لكن ما هو أخطر بكثير من النتائج السياسية المباشرة لقانون الاستسلام، هو هذا القبول والاعتراف بلا شرعية القضية، التي قَضى لأجلها آلاف المقاتلين والمقاتلات وضحوا طوال عقود خمسة من الكفاح، أو خلال تجارب الثورات السابقة، بصرف النظر عن التقييم السياسي لهذا النهج العنيف. ويترتب على ما سبق إقرار آخر بعدم شرعية أي جهد محتمل أو كفاح لأجل الحقوق السياسية مستقبلاً قد ينهض بأعبائه جيل آخر من الكرد وبوسائل سلمية مختلفة. تنطوي هذه المصادرة على إرادة ومستقبل الأجيال القادمة على حكم مسبق بأن تستسلم لمصيرها وتذعن لسياسات إنكار الهوية وتتماهى مع هوية السلطة السائدة.
وبعبارة موجزة، يعدّ هذا القانون، الذي أقرّ بموافقة أوجلان وممثليه، بمثابة عقد استسلام وإذعان وإذلال أبدي للأمة الكردية، وإرغام لها على القبول بالمصير، الذي فرض عليها عبر بوابة( إمرالي)، ويجب أن تتباهى بعد الآن بأغلال الإنكار والتبعية الجديدة، التي ألزمت بها لألف عام أخرى، كما وصفت، تحت عنوان( الاندماج الديمقراطي). وبهذه الصفة ستسجل كأكبر هزيمة في تاريخ الحروب والثورات، وأكثر عمليات الاستسلام إذلالاً، باسم الكرد بقيادة عبدالله أجلان وحزبه. ولدي شكوك عميقة بشأن قدرة المؤرخين والسياسيين أن يأتوا لنا بمثال آخر، أو سابقة تاريخية، أشد استخفافاً وإهانة بحق تضحيات شعبهم من مثل هذه العملية.
وللمفارقة التاريخية السوداء، تصادف عملية الاستسلام هذه مرور قرن على إعدام حسن خيري بك (حسن خيري جانكوزاده)، الذي يذكر في التاريخ القومي الكردي، بوصفه( النسخة الكردية ليهوذا الإسخريوطي) وعلينا أن نفكر جدّياً الآن بتقديم اعتذار لهذا السئ الحظ المتواضع، الذي لم يخطر بباله قط، وحبل المشنقة يلف حول عنقه، بأنه لن يكون آخر وأكبر الخونة في التاريخ الكردي، وبأن خيانته ستبدو تافهة وصغيرة، تستحق العفو والنسيان، قياساً للخيانة، التي سترتكب بعد مئة عام من شنقه..
كم كنت مسكيناً يا حسن خيري، وكم أساء الكرد الظن بك !!! لكن كن على يقين بأن الأوان لم يمض، والعار الذي لحق باسمك طوال قرن سيطويه النسيان ويحتل مكانه عارٌ أشدّ وطأة وثقلاً، سيرتبط باسم غيرك، لن يكون لاسمك أهمية يستحق الذكر قياساً إليه. نم قرير العين يا خيري بك، فقد بات عارك باهتاً، لا يلاحظ، أمام إعصار الخيانة، الذي جاء بعدك بقرن، بحيث عصف بسجل الخيانات التاريخية جميعها، طمس ومحا كل ذكر للخيانة من قبلك وبعدك..






