د. مرشد اليوسف
بعد أن هدأ الحوار قليلاً، شعرت أن الكلام بدأ يقترب من جوهر المشكلة. قلت لهما:
— دعونا نترك الاتهامات الشخصية جانباً. والسؤال الذي يهمني الآن هو: ماذا حدث للكردفي روجافا ؟ ولماذا وصلوا إلى هذه المرحلة؟
ومن يتحمل مسؤولية ما جرى؟
الدكتور القسدي (اقصد المؤيد للخط الاوجلاني ):
— المسؤولية تبدأ من الذين لم يفهموا طبيعة تركيا. تركيا لم تكن يوماً مستعدة لقبول مشروع كردي قوي على حدودها. كان واضحاً منذ البداية أنها ستعمل بكل الوسائل لإجهاض أي تجربة كردية في سوريا. ونحن واجهنا ذلك عملياً، عسكرياً وسياسياً.
الدكتورالانكسي (أقصد المؤيد للخط البرزاني):
— أتفق معكم في أن تركيا كانت وما زالت عاملاً أساسياً في المشكلة ، لكن السؤال:
هل كان من الحكمة بناء مشروع كردي لا يستطيع العيش إلا في ظل الحماية الأمريكية؟ ماذا يحدث عندما تتغير المصالح الأمريكية؟ السياسة الدولية لا تعرف الصداقة الدائمة.
الدكتور القسدي :
— لم يكن أمامنا كثير من الخيارات. داعش كان على الأبواب، وتركيا كانت تدعم الفصائل التي تقاتلنا، والمجتمع الدولي كان يبحث عن قوة محلية تواجه داعش. دخلنا في تحالف مع الولايات المتحدة لأن الظروف فرضت ذلك.
الدكتور الانكسي :
— التحالف مع واشنطن ليس المشكلة. المشكلة هي أنكم لم تبنوا في الوقت نفسه جسراً قوياً مع بقية القوى الكردية السورية. كان ينبغي أن يكون المشروع الكردي أوسع من حزب واحد، وأوسع من أيديولوجية واحدة.
الدكتور القسدي :
— وماذا فعلتم أنتم؟ كان بإمكانكم أن تدخلوا إلى الساحة السورية بقوة سياسية حقيقية، وأن تساعدوا على بناء وحدة كردية، لكنكم فضلتم مراقبة المشهد من الخارج.
الدكتور الانكسي :
— لأنكم لم تكونوا مستعدين لقبول شراكة حقيقية. كلما حاول طرف كردي أن يتحرك مستقلاً عنكم، اعتبرتموه تهديداً لمشروعكم.
الدكتور القسدي :
— لأننا لم نرى شريكا ممكنا ،كنا كنا نرى أن القسم الآخر من الكرد يعمل أدواتا بيد تركيا.
الدكتور الانكسي :
— وهذه هي المشكلة بالضبط. أنتم تفترضون أن من يختلف معكم هو بالضرورة أداة لتركيا، بينما نحن نفترض أن من يختلف معكم يمكن أن يكون كردياً وطنياً وله رؤيته الخاصة.
تدخلت قائلاً:
— لكن ماذا عن عفرين؟
ساد الصمت.
ثم قال الدكتور المؤيد للخط الأوجلاني:
— عفرين كانت جرحاً كبيراً. تركيا دخلت عسكرياً، وحدث ما حدث. لا أريد أن أهرب من المسؤولية. كان علينا أن نقرأ الموقف الدولي والإقليمي بصورة أفضل.
ورد الدكتور المؤيد للخط البرزاني:
— وأنا أرى أن عفرين كانت درساً قاسياً في ضرورة عدم ترك القرار الكردي لطرف واحد. عندما يكون القرار العسكري والسياسي مركزاً في يد قيادة واحدة، فإن الخطأ يتحول إلى كارثة على الجميع.
الدكتور القسدي :
— ولكن لا تنسَ أن تركيا هي التي شنت الهجوم.
الدكتور الانكسي :
— لم أنسَ ذلك. لكن وجود العدو لا يعفينا من مراجعة أخطائنا. العدو مسؤول عن عدوانه، ونحن مسؤولون عن قراراتنا.
قلت:
— هذه نقطةمهمة أعتقد أنها تستحق التوقف عندها. فالاعتراف بمسؤولية الخصم لا ينبغي أن يمنعنا من الاعتراف بمسؤوليتنا نحن أيضا .
الدكتور القسدي :
هناك اختلافاً عميقاً في الرؤيا. مشروعنا يقوم على بناء نموذج سياسي واجتماعي مختلف، بينما يرى الطرف الآخر القضية من زاوية قومية أكثر تقليدية.
الدكتور الانكسي :
— الاختلاف الفكري ليس مشكلة. المشكلة أن يتحول الاختلاف الفكري إلى قطيعة. كان يمكن أن تكون هناك مساحة مشتركة: اللغة الكردية، الاعتراف الدستوري، الحقوق السياسية، التعليم، الإدارة المحلية، والتمثيل في مؤسسات الدولة.
الدكتور القسدي :
— وأنا أوافقك في ذلك. لكن الوحدة لا تعني أن نتخلى عن مشروعنا.
الدكتو الانكسي :
— ولا تعني أن نتخلى عن مشروعنا نحن أيضاً.
قلت لهما:
— إذن نحن أمام نقطة مهمة: الوحدة الكردية لا تعني توحيد الأفكار، وإنما تعني الاتفاق على المصالح القومية الأساسية.
هز الدكتوران رأسيهما بالموافقة.
ثم انتقلت إلى دمشق:
— وماذا عن الدولة السورية؟ هل أخطأ الكرد عندما راهنوا على بناء مؤسسات منفصلة؟ أم أخطأوا عندما تأخروا في الدخول إلى مؤسسات الدولة؟
قال الدكتور القسدي :
— لا يمكن أن ننسى أن الدولة السورية القديمة أنكرت وجود الكرد لعقود. لذلك كان من الطبيعي أن يبحث الكرد عن صيغة تحمي وجودهم.
أجاب الدكتور الانكسي :
— صحيح، لكن المرحلة الجديدة تحتاج إلى أدوات جديدة. القوة العسكرية وحدها لا تكفي. إذا لم تنتقل القضية الكردية من الميدان إلى الدستور والبرلمان ومؤسسات الدولة، فإن الإنجازات العسكرية تبقى معرضة للتراجع.
قلت:
— وهذا هو السؤال الذي يجب أن يشغلنا الآن: هل يستطيع الكرد تحويل ما راكموه من قوة عسكرية وسياسية خلال السنوات الماضية إلى حقوق دستورية وقانونية ثابتة؟
الدكتور القسدي :
— إذا ضمنت الدولة السورية حقوق الكرد، فنحن نتطابق معها.
الدكتور الانكسي :
— وأنا أقول الشيء نفسه. المطلوب ليس عزل الكرد عن الدولة، وإنما أن يدخل الكرد إلى الدولة مواطنين متساوين، بلغتهم وثقافتهم وحقوقهم.
نظرت إليهما وقلت:
— ربما هنا توجد المساحة التي يمكن أن تلتقي فيها البرزانية والأوجلانية. أنتم تختلفون في الطريق، لكن هل يمكن أن تلتقوا في الهدف؟
ساد الصمت مرة أخرى.
ثم قال الدكتور المؤيد للخط الأوجلاني:
— إذا كان الهدف هو حماية الشعب الكردي وحقوقه، فأنا مستعد للحوار.
وقال الدكتور المؤيد للخط البرزاني:
— وأنا أيضاً. لكن الحوار يجب أن يكون بين متساوين، لا بين طرف يريد إلغاء الطرف الآخر.
قلت لهما:
— إذن ربما تكون هذه هي البداية الحقيقية. ليس المطلوب أن يصبح البرزاني أوجلانيّاً، ولا أن يصبح الأوجلاني برزانياً. المطلوب أن يصبح الاثنان كرديين أولاً، وحزبيين ثانياً.
وهنا شعرت أن الحوار انتقل للمرة الأولى من سؤال: من المخطئ؟ إلى سؤال أكثر أهمية:
ماذا نستطيع أن نفعل معاً بعد كل هذه الأخطاء؟
وكان واضحاً أن الإجابة لن تكون سهلة، لأن الجرح الكردي لم يكن سياسياً فقط، بل كان أيضاً جرحاً في الثقة بين أبناء القضية الواحدة.
==========
لقراءة القسم الأول من المقال تفضل بالنقر على الرابط ادناه:
المجتمع الكردي في سوريا منقسم على نفسه بين البرزانية والاوجلانية (1)