لاوين إبراهيم
مع إزاحة النحات المبدع منير شيخي الستار عن تمثالي المقاتلين الميديين عند مدخل حديقة القامشلي، لا تبدو اللحظة مجرد حدث فني يستحضر التاريخ والذاكرة. فالتمثال، حين يقف في مدينة مثل القامشلي، يتحول إلى مرآة تقابل الماضي بالحاضر، وتستدعي معنى المقاتل ودوره ومصيره.
وتأتي هذه اللحظة في وقت تدخل فيه المنطقة الكوردية في سوريا مرحلة مختلفة. فالمكان الذي شهد خلال السنوات الماضية مشروعاً سياسياً وعسكرياً طموحاً، يشهد اليوم إعادة تعريف للأدوار والعلاقة مع الدولة السورية، بعد الانتقال إلى مسار دمج المؤسسات والقوات ضمن مؤسسات الدولة، فيما تبقى قضايا الحقوق والمكانة السياسية وما تحقق خلال سنوات الحرب مفتوحة على السياسة.
لذلك، يصبح استحضار المقاتل الميدي أكثر من عودة إلى الماضي؛ إنه مدخل للتأمل في المسافة بين القوة العسكرية والنتيجة السياسية، وفي السؤال الأهم: ماذا يبقى من قوة المقاتل حين تنتهي المعركة؟
فالمقاتل الميدي الذي يستعيده التمثال لم يكن مجرد محارب خاض معاركه وانتهى. لقد كان جزءاً من قوة استطاعت أن تتجاوز حدود القتال، وأن تحول قوتها العسكرية إلى مشروع سياسي أسهم في قيام الدولة الميدية.
في المقابل، خاض المقاتل الكوردي المعاصر في سوريا معارك قاسية، وقدم تضحيات بشرية كبيرة، وامتلك خلال مراحل عديدة حضوراً عسكرياً وسياسياً لافتاً. وكان طرفاً أساسياً في مواجهة تنظيم داعش، وشريكاً في صناعة مرحلة مهمة من تاريخ سوريا الحديث.
لكن الانتصار في الميدان لا يتحول تلقائياً إلى انتصار سياسي.
القضية هنا ليست القوة وحدها، بل وضوح الهدف. فعندما يكون الهدف محدداً، تصبح القوة وسيلة، وتتحول التضحيات إلى رصيد لمشروع سياسي قابل للاستمرار. أما حين يصبح الهدف عائماً أو تتبدل الغايات بتبدل الظروف، فقد تنفصل القوة عن غايتها، وتتحول التضحيات من رصيد لصناعة المستقبل إلى رصيد في الذاكرة.
وحين يكون الهدف عائماً، قد تكون النهاية تمثالاً صامتاً.
ولعل هذه المفارقة تختصر جانباً من التجربة الكوردية المعاصرة. فقد ظهر خلال السنوات الماضية مشروع سياسي طموح حول روج آفا والإدارة الذاتية، وتبلور حلم بمنطقة تمتلك خصوصيتها وموقعها السياسي ضمن مستقبل سوريا. لكن تعقيدات الداخل السوري والإقليم والمواقف الدولية دفعت المشروع إلى مسار مختلف، وأدخلته في مرحلة جديدة عنوانها الاندماج ضمن مؤسسات الدولة السورية وإعادة تعريف المكانة والحقوق السياسية.
وفي لحظة كهذه، تصبح العودة إلى التاريخ مفهومة.
فحين يتغير مشروع المستقبل أو يتغير مساره، يعود الإنسان إلى ما هو أعمق من السياسة: الجذور. واستحضار المقاتل الميدي في القامشلي يمكن أن يُقرأ بوصفه تثبيتاً للذاكرة في المكان، واستعادةً لطبقة عميقة من تاريخ المنطقة، وتأكيداً على أن تبدل المشاريع السياسية لا يعني بالضرورة تبدل الهوية والجذور.
من هنا، لا تكون التماثيل مجرد نصب تذكاري، بل شاهداً على علاقة الإنسان بماضيه، وعلى محاولة إبقاء التاريخ حاضراً في مكان تتغير فيه السياسة باستمرار.
لكن المفارقة تبقى.
فالمقاتل الميدي، كما تستعيده الذاكرة التاريخية، ارتبط بقوة استطاعت أن تنتقل من الميدان إلى بناء الدولة. أما المقاتل الكوردي المعاصر، وبعد كل ما قدمه من تضحيات، فيقف أمام مرحلة مختلفة: مرحلة الحفاظ على ما تحقق، وتحويل التضحيات إلى مكاسب سياسية وحقوق قابلة للحياة.
فالتمثال ليس بالضرورة رمزاً للهزيمة؛ قد يكون رمزاً للخلود والذاكرة والاعتراف. لكن الخطر يبدأ عندما يُخلَّد المقاتل في الذاكرة بينما يُجمَّد دوره في الحاضر.
عندها لا تعود القضية قضية سلاح أو معركة انتهت، بل قضية قدرة القوة على إنتاج مشروع، وقدرة التضحيات على إنتاج حقوق، وقدرة الحضور العسكري على التحول إلى مستقبل سياسي واضح.
ولهذا يقف المقاتلان الميديان عند مدخل حديقة القامشلي صامتين، لكن صمتهما يتجاوز الحجر. إنهما يستحضران زمناً استطاعت فيه قوة عسكرية أن تتحول إلى دولة، ويقابلانه بحاضر تغيرت فيه الأحلام والأدوار والمواقع، وتدخل فيه المنطقة الكوردية مرحلة سياسية جديدة.
ومع ذلك، ثمة حقيقة لا تحتاج إلى تمثال كي تبقى:
قد يتغير المشروع السياسي، وقد تتبدل الخرائط، وقد تضيق مساحة الحلم، لكن الجذور لا تصبح تمثالاً؛ إنها تبقى حية في الذاكرة والمكان.
ويبقى التحدي الحقيقي ألا يتحول المقاتل الكوردي من فاعل في صناعة التاريخ إلى مجرد شاهد عليه؛ وأن يجد، بعد كل هذه التضحيات، هدفاً سياسياً واضحاً يحفظ ما تحقق ويمنحه معنى للمستقبل.
فبين الدولة والتمثال، لا تصنع التضحيات وحدها التاريخ؛ الذي يصنع الفارق هو وضوح الهدف، والقدرة على تحويل القوة إلى مشروع، وتحويل الذاكرة إلى مستقبل