غير منصف

الإيزيديون والكورد … الدين لا يلغي القومية، والقومية لا تلغي الدين

خالد حسو*

بناءً على الرسائل التي وصلتني من عدد من الأصدقاء، وتلبيةً لرغبتهم الصادقة في أن أوضح موقفي وأردّ على بعض الادعاءات والأقاويل التي تتكرر في الآونة الأخيرة حول هوية الإيزيديين وعلاقتهم بالقومية الكوردية، رأيت أن أكتب هذه الكلمات بكل هدوء ووضوح.

لم أكتبها رغبةً في الدخول في سجال مع أحد، ولا بهدف الإساءة إلى أي شخص أو الانتقاص من أي هوية، وإنما لأن بعض الطروحات المتداولة تستحق التوضيح والرد، خصوصًا عندما تتحول مسألة الهوية إلى وسيلة لإثارة الخلاف والكراهية بين أبناء شعبنا.

وأنا هنا لا أتحدث باسم جميع الإيزيديين، ولا أدّعي امتلاك حق تعريف هوية الآخرين، وإنما أتحدث عن هويتي أنا، وعن قناعة شخصية وفكرية راسخة أعبّر عنها بكل وضوح:

أنا كوردي القومية، إيزيدي الدين، وأفتخر بهويتي القومية كما أفتخر بديانتي.

ولا أرى في ذلك أي تناقض.

فالقومية ليست دينًا، والدين ليس قومية. وقد يجتمع في الإنسان انتماء قومي مع انتماء ديني، من دون أن يلغي أحدهما الآخر.

أنا إيزيدي، وهذه ديانتي وتراثي الروحي والثقافي الذي أعتز به، وأنا كوردي، وهذه قوميّتي ولغتي وتاريخي وانتمائي الذي أعتز به أيضًا.

وهاتان الهويتان بالنسبة إليّ ليستا في حالة صراع، بل هما جزءان متكاملان من هويتي الشخصية.

الإيزيدية والكوردية … هوية لا أقبل الفصل بينهما

وبالنسبة إليّ، فإن الإيزيدية ليست قومية منفصلة عن الكوردية، وإنما هي ديانة وتراث روحي وثقافي أصيل ضمن تاريخ الشعب الكوردي.

لذلك أرفض الفصل المصطنع بين الإيزيدية والكوردية، كما أرفض تحويل الدين إلى هوية قومية بديلة.

وأنا لا أقول ذلك انتقاصًا من خصوصية الإيزيديين، بل على العكس؛ أرى أن خصوصيتهم الدينية والثقافية جزء أصيل من التنوع داخل الشعب الكوردي.

وكما أعتز بكوني إيزيدي الدين، أعتز بكوني كوردي القومية، ولا أرى بين الأمرين أي تناقض.

ولهذا فإن محاولات اقتلاع الإيزيدي من محيطه القومي الكوردي، أو تصوير الإيزيدية والكوردية كهويتين متناقضتين، هي قراءة لا أقبلها ولا أتفق معها.

فالإيزيدي عندي كوردي، والكوردية لا تلغي إيزيديته، كما أن إيزيديته لا تلغي كوردِيته.

وهذه ليست دعوة إلى إلغاء الخصوصية الإيزيدية، بل دفاع عنها ضمن إطارها القومي والتاريخي والثقافي الذي أؤمن به.

ماذا تقول المصادر الأكاديمية؟

هذه المسألة ليست مجرد انطباع شخصي أو موقف سياسي عابر.

فـEncyclopaedia Iranica، في دراسة الباحثة كريستين أليسون حول الإيزيديين، توثق بصورة واضحة الصلات الكوردية للإيزيديين؛ فتشير إلى أن ممارساتهم الثقافية كوردية، وأن معظمهم يتحدثون الكرمانجية، كما تذكر أن معظم الإيزيديين يعرّفون أنفسهم كوردًا، مع الإشارة إلى وجود اختلافات في تعريف الهوية لدى بعض الجماعات، ولا سيما في منطقة القوقاز.

كما أن الأدبيات الأكاديمية لا تكتفي بالحديث عن وجود صلات ثقافية ولغوية، بل نجد دراسات تستخدم صراحة تعبير «الكورد الإيزيديين» في تناولها للمجتمعات الإيزيدية، ومن بينها دراسة منشورة في International Journal of Middle East Studies بعنوان:

“Ethnicity, State Formation, and Conscription in Postcolonial Iraq: The Case of the Yazidi Kurds of Jabal Sinjar”

أي: «الكورد الإيزيديون في جبل سنجار».

وهناك أيضًا دراسات تاريخية، من بينها كتاب الباحثة نليدا فوكارو:

The Other Kurds: Yazidis in Colonial Iraq

الذي يبحث في الإيزيديين ضمن السياق التاريخي للكورد والعراق، وفي تطور تعريف هويتهم خلال مراحل تاريخية مختلفة.

وهذه المصادر لا تعني أن جميع الإيزيديين في العالم يعرّفون أنفسهم بالطريقة نفسها، بل إن الدراسات الأكاديمية توثق وجود تعدد في تعريف الهوية الإيزيدية، وهو أمر ينبغي التعامل معه بموضوعية واحترام.

لكن بالنسبة إليّ، وجود اختلاف في تعريف الهوية لدى بعض الإيزيديين لا يلغي الحقيقة التي أؤمن بها، ولا يسلبني حقي في أن أرى الإيزيدية جزءًا من تاريخ الشعب الكوردي، وأن أعرّف نفسي كورديًا وإيزيديًا في الوقت نفسه.

الهوية لا تُفرض ولا تُنتزع

الهوية ليست ورقة يمنحها أحد للآخر، وليست قرارًا سياسيًا يمكن أن يصدره حزب أو جماعة أو شخص.

الهوية في جانب كبير منها علاقة الإنسان بتاريخه ولغته وثقافته وذاكرته وانتمائه وشعوره بذاته.

ولهذا لا أقبل أن يأتي أحد ليصادر حقي في تعريف نفسي.

وفي الوقت نفسه، لا أريد أن أصادر حق الآخرين في التعبير عن أنفسهم.

لكنني أقول بوضوح:

أنا لا أرى الإيزيدية قومية منفصلة عن الكوردية، بل أراها ديانة وهوية دينية وثقافية أصيلة ضمن الشعب الكوردي.

ومن هنا، فإن محاولات تحويل الإيزيدية إلى قومية منفصلة عن الكوردية، أو استخدامها أداة لقطع الصلة بين الإيزيديين وشعبهم الكوردي، هي محاولات أرفضها فكريًا وتاريخيًا وقوميًا.

لا تجعلوا الاختلاف وقودًا للفتنة

لقد عانى الإيزيديون تاريخيًا من الاضطهاد والتمييز ومحاولات طمس الهوية، كما عانى الكورد وغيرهم من أبناء المنطقة من سياسات القمع والإنكار.

ولهذا فإن معالجة هذا التاريخ المؤلم لا تكون بخلق خصومة جديدة بين الإيزيديين والكورد، ولا بتحويل الدين إلى أداة للصراع، ولا بمحاولة فصل أبناء المجتمع الواحد عن بعضهم البعض بواسطة خطابات الكراهية.

إن الاعتراف بالخصوصية الدينية للإيزيديين لا يحتاج إلى إنكار الصلات اللغوية والثقافية والتاريخية الكوردية التي توثقها الدراسات.

وبالمقابل، فإن الحديث عن الانتماء الكوردي لا يعني بأي شكل من الأشكال الانتقاص من خصوصية الديانة الإيزيدية أو محاولة إذابتها.

الخصوصية الدينية حق، والانتماء القومي حق، والاعتزاز بالهوية لا يحتاج إلى إلغاء هوية الآخر.

لذلك أرفض الأصوات التي تحاول تحويل الاختلاف في تعريف الهوية إلى خصومة وعداء بين الإيزيديين والكورد.

وأقول بوضوح:

لا تجعلوا الدين جدارًا يفصل بين أبناء شعب واحد، ولا تجعلوا القومية سيفًا على خصوصية الدين.

لسنا بحاجة إلى أن يلغي أحدنا الآخر حتى نحافظ على هويتنا.

نحن بحاجة إلى ثقافة تحترم التنوع، وتحمي الخصوصيات، وترفض الكراهية، وتترك للإنسان حقه في التعبير عن هويته وانتمائه.

هويتي ليست موضع مساومة

أنا لا أطلب من أي إنسان أن يتبنى تعريفي لهويته، ولا أقبل في الوقت نفسه أن يفرض عليّ أحد تعريفًا لا أؤمن به.

أنا كوردي القومية، إيزيدي الدين، وأفتخر بهما معًا.

هذه ليست إساءة إلى أحد، وليست دعوة إلى إلغاء أحد، وإنما هي شهادة صريحة على هويتي كما أعرفها وأعيشها وأعتز بها.

وإذا اختلفنا في قراءة التاريخ، فلنحتكم إلى البحث والمعرفة والمصادر، لا إلى الشتائم والتخوين وخطابات الكراهية.

أما محاولات زرع الفتنة بين الإيزيديين والكورد، أو إنكار الصلات التاريخية والثقافية واللغوية التي تجمعهما، فلن تبني مستقبلًا أفضل، ولن تحمي دينًا ولا قومية.

أنا كوردي القومية، إيزيدي الدين، وأفتخر بهما الاثنين.

هذه هويتي، وهذا حقي، وهذا ما أؤمن به وأدافع عنه.

ولن أسمح بتحويل ديانتي إلى سبب لإنكار قوميّتي، كما لن أسمح بتحويل قوميّتي إلى سبب للانتقاص من ديانتي.

الإيزيدية ديانتي، والكوردية قوميّتي، وهما بالنسبة إليّ وجهان لراية واحدة أعتز بها.

مراجع مختارة

1. Christine Allison, “Yazidis i. General,” Encyclopaedia Iranica — حول اللغة والثقافة والهوية والتاريخ الإيزيدي. “Encyclopaedia Iranica” (https://reference-url-citation.invalid/0)

2. Nelida Fuccaro, The Other Kurds: Yazidis in Colonial Iraq, I.B. Tauris, 1999.

3. “Ethnicity, State Formation, and Conscription in Postcolonial Iraq: The Case of the Yazidi Kurds of Jabal Sinjar,” International Journal of Middle East Studies.

4. Majid Hassan Ali, “Aspirations for Ethnonationalist Identities among Religious Minorities in Iraq: The Case of Yazidi Identity…”, Nationalities Papers, Cambridge University Press.

5. “The Reformation and Development of Yazidi Identity from Theoretical and Historical Perspectives,” Ethnopolitics.

*كاتب وحقوقي

هل وجدت هذا المقال مفيدًا؟

رأيك يساعدنا في تحسين المحتوى

0% من القراء أعجبهم المقال
(0 تقييم)
0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 Comments
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments

مقالات أخرى للكاتب: الكاتب