مزكين حاجو
بعد سقوط نظام الأسد في كانون الأول 2024، بدأت الحكومة الانتقالية السورية برئاسة أحمد الشرع عملية إعادة توحيد البلاد تحت سيطرة مركزية. وقّعت قوات سوريا الديمقراطية (قسد) – التي سيطرت لأكثر من عقد على أجزاء واسعة من شمال شرق سوريا ولعبت دوراً محورياً في محاربة تنظيم داعش – اتفاقاً إطارياً أولياً في آذار 2025 حول الاندماج. وبعد فترات من التوتر والمواجهات العسكرية في مطلع 2026، جاء اتفاق أكثر تفصيلاً في يناير 2026. وأدى ذلك إلى إعلان قائد قسد مظلوم عبدي في آب 2026 رسمياً حل قسد كقوة عسكرية مستقلة، واندماج قواتها وهيكلها الأمني والإداري بشكل أساسي في الجيش السوري ووزارة الداخلية وباقي مؤسسات الدولة.
شملت العملية نقل المعابر الحدودية وحقول النفط والغاز والإدارات المدنية تدريجياً إلى الحكومة المركزية. وحصل عدد من القادة السابقين في قسد على مناصب عليا في وزارتي الدفاع والداخلية. في الوقت نفسه، أصدر الرئيس الشرع مراسيم تعترف بالحقوق الثقافية واللغوية الكردية، بما في ذلك تعليم اللغة الكردية ومنح الجنسية للأكراد الذين جردو منها في عهد نظام أسد. وبذلك انتهت الاستقلالية العسكرية عملياً.
بالنسبة لكثير من الأكراد، يمثل هذا الأمر ارتياحاً لتجنب المزيد من الصراع المسلح، وفي الوقت نفسه قلقاً من أن المكتسبات اللتي حصلت عليها خلال سنوات الحرب قد يتآكل. لا تزال قضايا وضع وحدات حماية المرأة (YPJ)، والاندماج المدني الكامل، وعودة النازحين داخلياً، والتوزيع العادل للموارد، غير محلولة جزئياً. ولا يزال عدم الثقة بين مختلف الأطراف الكردية وبين الأكراد والسلطة المركزية الجديدة واضحاً.
دور المجلس الوطني الكردي (ENKS) في إعادة بناء الثقة بين الأكراد:
وقف المجلس الوطني الكردي (ENKS) تاريخياً في معارضة حزب الاتحاد الديمقراطي (PYD)، الحزب الذي سيطر على الإدارة الذاتية وقسد, وقد دعا منذ فترة طويلة إلى سياسة كردية أكثر شمولاً وأقل مركزية.
في المرحلة الجديدة، انخرط ENKS بنشاط في محاولات صياغة موقف كردي مشترك، بما في ذلك من خلال مؤتمر الوحدة الكردية في القامشلي عام 2025.
يمكن ل ENKS أن يلعب دوراً حاسماً في إعادة بناء الثقة بين التيارات الكردية المختلفة والشارع الكوردي، من خلال مواصلة الحوار مع ممثلي قسد/PYD السابقين والقوى الكردية الأخرى، ويمكن للمجلس أن يساهم في تجاوز الانقسام الطويل الأمد.
إن منصة كردية مشتركة – لا يحتكر فيها ENKS ولا جانب PYD التمثيل – تزيد من الشرعية داخلياً بين الأكراد وخارجياً تجاه دمشق والمجتمع الدولي. كما أن ادعاء ENKS الجغرافي الأوسع (بما في ذلك الأكراد خارج المناطق التي كانت تسيطر عليها قسد سابقاً) يجعله قادراً على التحدث بصوت كردي أكثر شمولاً في سوريا الجديدة.
كيف يمكن لENKS أن يبادر من أجل حقوق الأكراد
في الواقع السياسي الجديد، حيث يمكن ل ENKS أن يتخذ مبادرات ملموسة على عدة مستويات:
١-وفد كردي موحد: مواصلة وتعميق التعاون مع القوى الكردية الأخرى لتشكيل وفد تفاوضي مشترك إلى دمشق. يجب أن يطالب هذا الوفد بنصوص واضحة في الدستور الدائم حول الاعتراف بالمكون الكوردي والحقوق اللغوية والثقافية الكردية، والتمثيل النسبي في البرلمان والحكومة، وشكل من أشكال الحكم الذاتي المحلي أو اللامركزية يحمي المناطق الكردية دون تهديد وحدة الدولة.
٢-الانخراط المباشر مع الحكومة: الاستفادة من الاتصالات القائمة بالفعل للمطالبة بتحويل المراسيم الصادرة إلى قوانين وممارسات فعلية. يمكن لENKS اقتراح آليات ملموسة للتمثيل الكردي في لجان صياغة الدستور، وفي الإدارة المحلية، وفي إدارة الموارد (خاصة عائدات النفط والغاز من الشمال الشرقي).
٣-بناء الثقة من خلال الشفافية والخدمة: من خلال التركيز على القضايا العملية – عودة اللاجئين، والاعتراف بشهادات التعليم الصادرة عن الإدارة الذاتية السابقة، وحماية حقوق المرأة والأقليات – يمكن لENKS أن يُظهر أن الأمر لا يتعلق أساساً بالمنافسة الحزبية، بل بالمصالح المشتركة للأكراد.
٤-الترسيخ الإقليمي والدولي: مواصلة الحوار مع حكومة إقليم كردستان والفاعلين الأوروبيين والولايات المتحدة لخلق دعم خارجي يضمن ألا تبقى الحقوق الكردية مجرد إعلانات، بل تُنفذ فعلياً. في الوقت نفسه، يجب على ENKS تجنب الظهور كأداة لمصالح خارجية و شخصية، بل كفاعل كردي سوري يرغب في المساهمة في سوريا مستقرة وشاملة.
باختصار، يمر الأكراد في غرب كردستان بمرحلة انتقال من الاستقلال العسكري والإداري إلى النضال السياسي داخل هيكل دولة سورية موحدة. يمثل حل قسد واندماجها نهاية حقبة، لكنه ليس نهاية القضية الكردية. لدى ENKS فرصة فريدة – ومسؤولية – للمساهمة في التغلب على الانقسام الداخلي والمبادرة لتأمين حقوق طويلة الأمد مضمونة دستورياً. إذا نجح المجلس في توحيد القوى الكردية خلف مطالب واقعية ومشتركة، يمكن أن يصبح جسراً مهماً بين الأكراد أنفسهم وبين الأكراد والحكومة السورية الجديدة. غير أن النجاح يعتمد على ما إذا أظهرت دمشق التزاماً حقيقياً بحلول شاملة، وما إذا أعطى الفاعلون الأكراد أنفسهم الأولوية للوحدة على حساب المنافسات القديمة.
Mizgin Hajo
Swêd, 5/9/2026