حسن قاسم
لم تعد معاناة الناس في القامشلي مجرد شكاوى عابرة يمكن تجاهلها أو تأجيلها. فالوقفة الاحتجاجية التي شهدتها المدينة اليوم الخميس 3 أيلول/سبتمبر 2026، رفضاً لارتفاع أسعار المحروقات والأمبيرات وتدهور الواقع المعيشي، هي رسالة واضحة إلى الجهات الحاكمة بأن صبر المواطنين له حدود، وأن تأمين الحاجات الأساسية ليس ترفاً ولا منّة من أحد، بل هو أبسط واجبات السلطة تجاه المجتمع.
ومن هنا، فإننا نعلن تضامننا الصريح مع المطالب المحقة للمحتجين، ونعتبر الاحتجاج السلمي وسيلة مشروعة للتعبير عن الرفض والمطالبة بالحقوق، بعيداً عن العنف والفوضى.
إن السؤال الذي ينبغي أن يُطرح اليوم بكل صراحة هو: كيف لمنطقة غنية بمصادر الطاقة والحبوب والثروة الحيوانية أن يعاني سكانها من نقص الوقود وارتفاع أسعاره وتردي الخدمات وغلاء المعيشة؟ المشكلة، إذاً، ليست في ندرة الموارد وحدها، وإنما في كيفية إدارة هذه الموارد وتوزيعها، وفي مستوى الشفافية والمساءلة والعدالة في التعامل معها.
فالسلطة التي تعجز عن تأمين الحاجات الضرورية لمواطنيها، من الوقود والكهرباء والمياه والخدمات الأساسية، وتكتفي بتحميل المواطن أعباء أخطائها، تفقد تدريجياً مقومات شرعيتها الاجتماعية والسياسية. شرعية أي سلطة لا تُقاس فقط بقدرتها على فرض قراراتها، وإنما بقدرتها على خدمة الناس وحماية مصالحهم وصون كرامتهم.
والأخطر من ارتفاع الأسعار هو استمرار الفساد الإداري والمالي، لأنه لا يستنزف موارد المجتمع فحسب، بل يضرب بنيته الاقتصادية والاجتماعية. فالطبقة الوسطى، التي تشكل مركز التوازن الاقتصادي والاجتماعي في أي مجتمع، تتآكل يوماً بعد آخر تحت وطأة الغلاء وتراجع الدخل وانعدام تكافؤ الفرص، بينما تتسع الفجوة بين فئة محدودة راكمت الثروات وبين غالبية المواطنين الذين يكافحون من أجل تأمين احتياجاتهم الأساسية.
ولا يمكن معالجة هذا الواقع بالتصريحات أو بقرارات رفع الأسعار المتتالية. المطلوب هو فتح ملفات الفساد ومحاسبة المسؤولين المتورطين، ومن يقف خلفهم من أصحاب المصالح و”القطط السمان” الذين استفادوا من نهب الموارد العامة وتحويل مقدرات المنطقة إلى ثروات خاصة. ومن يثبت تورطه يجب أن يُقدَّم إلى القضاء، وفق القانون، لينال جزاءه العادل، أياً كان موقعه أو نفوذه.
إن الموارد الموجودة في الجزيرة السورية ليست ملكاً لفئة أو جهة أو مسؤول، بل هي ثروة عامة يفترض أن تنعكس على حياة سكان المنطقة. ولذلك فإن إدارة النفط والغاز والحبوب والثروة الحيوانية وغيرها من الموارد يجب أن تقوم على الشفافية، والمحاسبة، والكفاءة، وتقديم المصلحة العامة على المصالح الحزبية والشخصية.
وفي الوقت نفسه، لا يجوز مطالبة المواطن بالصبر بينما تتفاقم أزماته اليومية. هناك حاجة إلى حلول عاجلة وفورية لأزمة الوقود والكهرباء والأمبيرات وارتفاع الأسعار والنقل والخدمات، مع وضع خطة اقتصادية واضحة تمنع استمرار تدهور القدرة الشرائية للمواطنين.
إن وقفة القامشلي ليست مجرد احتجاج على سعر ليتر من الوقود أو فاتورة أمبير؛ إنها احتجاج على طريقة إدارة الشأن العام، وعلى غياب العدالة في توزيع الأعباء والثروات. وهي دعوة صريحة إلى تصحيح المسار قبل أن تتحول الأزمات الاقتصادية إلى أزمة ثقة عميقة بين المجتمع والسلطة.
المواطن لا يطلب المستحيل؛ إنه يطالب بحقه في حياة كريمة، وبأن تتحول ثروات أرضه إلى خدمات وفرص وأمان اقتصادي، لا إلى امتيازات وثروات خاصة. ومن يتولى إدارة منطقة غنية بمواردها، عليه أن يثبت أولاً أنه قادر على إدارة هذه الموارد لمصلحة أهلها، وإلا فإن الاحتجاجات ستبقى تتسع، وستبقى الأسئلة المشروعة مطروحة: أين تذهب الثروة؟ ومن يتحمل مسؤولية الفقر والغلاء والفساد؟ ومن يحاسب من أضاع حقوق الناس؟