د. عدنان بوزان
لم أكن أتوقع، وأنا أفتح بعض الملفات المرتبطة بالسنوات الماضية، أن تتحول الكتابة عن التاريخ السياسي للكورد في سوريا إلى ما يشبه السير في حقل ألغام. لكن يبدو أن المشكلة ليست في الملفات نفسها، ولا في الأسئلة التي أطرحها، بل في أولئك الذين يخشون فتح هذه الملفات، ويخشون أكثر أن تكشف الإجابات ما جرى خلف الستار.
منذ أن بدأت الكتابة عن بعض الصفقات السياسية، والحروب التي دفع الكورد ثمناً باهظاً لها، والقرارات التي اتخذت باسمهم بينما وقعت نتائجها على رؤوسهم، وصلتني عشرات الرسائل ذات الطابع التهديدي، ومضمونها واحد تقريباً: «أغلق هذه الملفات، وتوقف عن الكتابة، وإلا فستكون هناك عواقب». وهنا يصبح السؤال أكبر من شخص الكاتب وأكبر من المقال نفسه: لماذا يخاف البعض من مجرد طرح الأسئلة؟
إذا كانت الوقائع التي أتناولها غير صحيحة، فليخرج أصحابها إلى العلن ويفندوا ما أطرحه، وليقدموا الوثائق والرواية الأخرى، وليشرحوا للرأي العام أين أخطأنا في قراءة تاريخنا. أما التهديد، فلن يغير الحقيقة، ولن يمحو وثيقة، ولن يعيد كتابة التاريخ.
أنا لا أكتب بهدف التشهير بأحد، ولا أبحث عن تصفية حسابات شخصية مع هذا الطرف أو ذاك. ما أطالب به هو حق طبيعي لأي مجتمع يحترم تاريخه: فتح الملفات، ومراجعة الوقائع، ووضع الأحداث أمام الرأي العام، وترك الحكم للوثيقة والحقيقة والعقل السياسي. لكن بعض القوى اعتادت التعامل مع التاريخ باعتباره ملكية خاصة، ومع الذاكرة الكوردية باعتبارها مساحة محرمة على السؤال. وهذه تحديداً هي مأساة المثقف الكوردي.
فالمطلوب منه، في كثير من الأحيان، ألا يكون شاهداً على التاريخ، بل تابعاً له؛ وألا يسأل: من اتخذ القرار؟ ولماذا؟ ومن دفع الثمن؟ ومن استفاد؟ بل أن يصفق عندما يطلب منه التصفيق، ويصمت عندما تقترب الأسئلة من المناطق المحرمة. وحين يرفض الصمت، تبدأ التهم: خائن، عدو للقضية، مرتبط بأجندات خارجية، أو شخص اختار «الوقت الخطأ» لفتح الملفات. ثم تأتي المرحلة الأخطر: التهديد. وهكذا يتحول المثقف من صاحب حق في السؤال إلى متهم، لمجرد أنه مارس هذا الحق.
لكن القضية الكوردية لا تحتاج إلى مثقفين يخافون من الحقيقة، بل إلى مثقفين يمتلكون الشجاعة للوقوف أمامها، حتى عندما تكون مؤلمة.
لقد عانى الكورد في سوريا، خلال عقود طويلة، من نتائج قرارات سياسية وعسكرية لم يكن المواطن العادي شريكاً حقيقياً في صناعتها. وعاشت أجيال كاملة نتائج الحروب والانقسامات والمغامرات السياسية والتحالفات المتبدلة، ومشاريع رفعت لها شعارات كوردية، بينما تجاوزت حساباتها ومصالحها حدود المصلحة الكوردية في سوريا. ولهذا فإن السؤال اليوم ليس بهدف الانتقام، وإنما بهدف التعلم: من اتخذ القرار؟ لماذا اتخذ؟ ما الذي كان يعرفه أصحاب القرار؟ من دفع الثمن؟ من استفاد؟ وهل كان بالإمكان تجنب بعض الكوارث؟
هذه ليست أسئلة عدائية، بل أسئلة سياسية وتاريخية مشروعة. بل إن عدم طرحها هو الخطر الحقيقي؛ لأن المجتمع الذي لا يراجع قراراته، ولا يحاسب على أخطائه، محكوم بتكرارها.
وأخطر ما يمكن أن يحدث في السياسة هو أن تتحول دماء الناس إلى أوراق تفاوض. حين يدفع الشباب إلى الحرب، يجب أن يكون هناك سؤال عن الهدف والنتيجة. وحين تبرم الصفقات باسم شعب، يجب أن يعرف هذا الشعب طبيعتها وحدودها وثمنها. أما أن يطلب من الناس أن يدفعوا حياتهم أولاً، ثم يطلب منهم الصمت عندما يسألون عن معنى تلك التضحيات، فهذه ليست سياسة مسؤولة.
دماء الكورد ليست ملكاً لأي حزب، ولا لأي قائد، ولا لأي تنظيم، ولا لأي مشروع سياسي عابر للحدود. ومن حق كل جيل كوردي أن يسأل الجيل الذي سبقه: ماذا فعلتم؟ ولماذا اتخذتم تلك القرارات؟ وما الذي تركتموه لنا؟ وليس في ذلك إساءة إلى أحد، بل هو جوهر المسؤولية التاريخية.
وفي ما يتعلق بالملفات التي أكتب عنها، أملك معلومات ووثائق كثيرة، وبعضها، إذا وضع في سياقه التاريخي والسياسي، قد يفتح نقاشاً مختلفاً حول روايات اعتاد الناس سماعها. ومع ذلك، لا أتعامل مع الوثيقة كسلاح للابتزاز، ولا أريد تحويل الكتابة إلى تصفية حسابات شخصية. سأقدم ما أستطيع توثيقه، وسأميز بين الوثيقة والتحليل، وبين الحقيقة والاستنتاج، وبين المسؤولية السياسية والاتهام الشخصي. وسأنشر الملفات تباعاً، لا لأنني أخشى أحداً، بل لأن التاريخ الجاد يحتاج إلى ترتيب وتدقيق ووضع الوقائع في سياقها الصحيح.
أما الذين يرسلون التهديدات، فليقدموا رداً سياسياً بدلاً منها. إذا كنت مخطئاً، فأثبتوا خطئي. وإذا كانت لديكم وثائق تنفي ما أقول، فانشروها. وإذا كانت لديكم رواية أخرى، فقدموها للرأي العام. أما التهديد فلا يفند وثيقة، ولا يصحح واقعة، ولا يمنح أحداً حق احتكار الحقيقة. بل على العكس، يجعل السؤال أكثر إلحاحاً: ما الذي يخشاه أصحاب التهديد من أن يعرفه الناس؟
لقد آن الأوان لكي نتوقف عن التعامل مع التاريخ الكوردي بمنطق القداسة السياسية. لا حزب فوق النقد، ولا قائد فوق المساءلة، ولا تنظيم فوق التاريخ، ولا جهة تملك حق مصادرة ذاكرة شعب بأكمله. القضية الكوردية أكبر من الأحزاب والقيادات والمشاريع المؤقتة، والدم الذي دفعه الكورد ليس رصيداً سياسياً لأحد.
إذا كانت هناك أخطاء، فيجب الاعتراف بها. وإذا كانت هناك صفقات، فيجب أن يعرف الناس طبيعتها. وإذا كانت هناك حروب لم تحقق أهدافها، فمن حق الناس أن يعرفوا لماذا خاضوها، ومن قررها، ومن دفع ثمنها. وإذا كانت هناك تضحيات لم تحقق النتائج التي وعد بها أصحابها، فمن حق الأجيال أن تعرف أين كان الخلل.
هذه ليست دعوة إلى الانتقام، وإنما إلى المحاسبة التاريخية والسياسية والأخلاقية. فالشعوب التي تخشى مراجعة تاريخها تكرر أخطاءه، أما الشعوب التي تمتلك الشجاعة للنظر إلى ماضيها بلا أقنعة، فهي وحدها القادرة على بناء مستقبل مختلف.
لذلك، لن أدخل في مواجهة شخصية مع أي جهة، ولن أحول التهديدات إلى معركة ثأرية، لكنني أيضاً لن أقبل أن يصبح الخوف شرطاً لممارسة حقي في الكتابة. سأواصل فتح الملفات واحداً تلو الآخر، وسأترك للوثائق والوقائع أن تتحدث. وقد لا أنشر كل ما أعرفه دفعة واحدة، لأن بعض الملفات تحتاج إلى مزيد من التدقيق والسياق، لكنني لن أغلقها لأن أحداً طلب مني ذلك.
أنا لا أبحث عن بطولة زائفة، ولا عن خصومة مع أحد، ولا أريد تحويل الماضي إلى حرب جديدة. أريد فقط أن نسأل بصدق: كيف وصلنا إلى هنا؟ من اتخذ القرارات؟ لماذا دفع الكورد في سوريا كل هذا الثمن؟ هل كانت كل تلك التضحيات ضرورية؟ ومن كان يملك حق تقرير مصير جيل كامل؟
هذه الأسئلة ستبقى، حتى لو تأخرت الإجابات. أما التهديد، فليس جواباً.
فالجواب الوحيد على الوثيقة هو وثيقة أخرى، والجواب الوحيد على الحقيقة هو حقيقة أكثر دقة. وما عدا ذلك ليس سوى محاولة لإغلاق باب بدأ يفتح.
وسأترك الباب مفتوحاً.