علي شمدين
لم يكن مفاجئاً إعلان الجنرال مظلوم عبدي في (25 آب 2026)، عن انتهاء مهمة قوات سوريا الديمقراطية (قسد)، وحلّ المؤسسات الإدارية التابعة لها في شرق الفرات، التي تشكّلت قبل أكثر من عقد، بدعم من التحالف الدولي لمحاربة تنظيم الدولة الإسلامية (داعش)، والحيلولة دون تمكّن هذا التنظيم من ملء الفراغ الأمني والإداري الناجم عن انسحاب حكومة بشار الأسد من تلك المناطق. فإن اتفاقية (29 كانون الثاني 2026) بين قائد قوات سوريا الديمقراطية (الجنرال مظلوم عبدي)، والرئيس السوري المؤقت (أحمد الشرع)، والتي جاءت بديلاً عن المواجهة العسكرية التي اندلعت بين الطرفين إثر أحداث حيَّي الأشرفية والشيخ مقصود في مدينة حلب، تؤكد أن مستقبل قوات سوريا الديمقراطية ومؤسساتها العسكرية والإدارية سيتجه، عاجلاً أم آجلاً، نحو الاندماج في إطار هياكل الدولة السورية الجديدة، أو العودة إلى حالة الحرب، التي لم ولن يريدها أي حريص على مستقبل البلاد التي أنهكتها الحرب والدمار على مدى نحو عقد ونصف من عمر الأزمة السورية.
ولهذا كان من الطبيعي أن تفضي عملية الدمج، رغم بطء خطواتها، إلى ما أعلنه الجنرال مظلوم عبدي من تحت قبة قصر الشعب في دمشق، من إنهاء مهمة قوات سوريا الديمقراطية وحلّ مؤسساتها العسكرية والإدارية، والانتقال إلى مرحلة جديدة من الاندماج في مؤسسات الدولة السورية. ولا شك أن هذا الخيار لم يكن مثالياً للشعب الكردي وحركته السياسية، ولا منسجماً مع حجم التضحيات العظيمة التي قدمتها هذه القوات الوطنية المتمرسة في مكافحة الإرهاب وحماية أكثر من ثلث الأراضي السورية من الفوضى والانفلات الأمني والإداري، رغم جوانب الخلل والقصور التي لم تخلُ منها تلك التجربة بكل تأكيد، والتي كان من الممكن تجاوز كثير منها لولا تفرد طرف بعينه بإدارتها، وإقصائه للأطراف الكردية الأخرى.
فإذا كان من المنطقي اعتماد مبدأ (خذ وطالب)، فإنه من غير المفيد دفع النقاشات نحو الدائرة البيزنطية العقيمة حول مدى نجاح هذه التجربة، وحجم المكاسب الميدانية التي تحققت بعد استكمال عملية الدمج مع المؤسسات الحكومية القائمة. فما أخذ اليوم من مكاسب نتيجة عملية الدمج التي أقرتها اتفاقية (29 كانون الثاني 2026)، ورغم أن تلك المكاسب اقتصرت على الحد الأدنى من الحقوق اللغوية والثقافية، والحصول على بعض المناصب الإدارية والعسكرية، يمكن اعتبار تلك المكاسب خطوات إيجابية يمكن البناء عليها للمطالبة بمزيد من الحقوق السياسية والدستورية، بما يضمن المشاركة الحقيقية للشعب الكردي في بناء الدولة السورية الجديدة، والإقرار الدستوري بوجوده بوصفه ثاني أكبر قومية في البلاد.
وهنا لا بد من التذكير بأن المدخل الرئيسي إلى تحقيق ذلك هو الجزم بعدم جدوى التفرد بالساحة السياسية الكردية من جديد، والعودة، بدلًا من ذلك، إلى شرعية مخرجات كونفرانس (26 نيسان 2025)، والانطلاق منها نحو بناء مرجعية سياسية كردية شاملة، تحمل على عاتقها في المرحلة القادمة قيادة النضال السياسي من أجل نيل الحقوق القومية للشعب الكردي، بما يليق بتضحياته التاريخية التي قدمها ولا يزال يقدمها في سبيل تقدم البلاد وحماية أمنها واستقرارها.
٣ أيلول 2026