أحمد بلال
لقد اجتازت البشرية العديد من الأنظمة الاجتماعية منذ أن بدأت بتشكيل مجتمعها، وخروجها من الكهوف نتيجة بداية تطور الوعي لديها. واستطاع الإنسان أن يبدع أدوات للإنتاج والاستفادة من الطبيعة المحيطة به.
لنبدأ من مرحلة ترويض الحيوان وتربية الماشية، حيث أصبح الإنسان ينتج من الحيوانات مواد يستفيد منها في حياته، فبنى مجتمعًا قبليًا وعشائريًا. واستمر هذا النظام إلى أن تعلّم الإنسان حراثة الأرض وزراعتها، فبنى نظامًا إقطاعيًا أكثر تطورًا من نظام القبيلة والعشيرة، وبدأ بتشكيل الدولة، بل الإمبراطوريات، والسيطرة على أكبر مساحة ممكنة من الأرض؛ لأن الأرض كانت مصدر الإنتاج، وكلما امتلكت الدولة مساحة أكبر، أصبح لديها إنتاج أكبر.
وهكذا بدأت البشرية بالصراع والمنافسة من أجل امتلاك المزيد من الأراضي، واستمرت الصراعات والحروب، وتشكلت الإمبراطوريات، وكانت قوة الإمبراطورية تُقاس إلى حد كبير بمساحة الأراضي التي تسيطر عليها وتمتلكها.
إلى أن ظهر إبداع بشري جديد، تمثل في الآلة والمحرك. وكان هذا التطور الإنساني نقطة تحول كبيرة في تاريخ البشرية، إذ أدى بدوره إلى ظهور النظام الرأسمالي وتشكل الدولة الرأسمالية، التي كانت أكثر تطورًا من الدولة الإقطاعية.
هنا تبدلت موازين القوة بين الدول نوعًا ما، وأصبح معيار القوة مرتبطًا بمدى ما تمتلكه الدولة من آلات ومصانع ووسائل إنتاج متنوعة.
ومن قلب النظام الرأسمالي تشكل النظام الاشتراكي، نتيجة تجمع قوة عاملة كبيرة داخل المصانع وشعورها بالاضطهاد والاستغلال. واستطاع العمال في روسيا القيام بالثورة، التي انتصرت في 17 تشرين الأول/أكتوبر عام 1917 بقيادة فلاديمير إيليتش لينين.
وبدأ بعد ذلك الصراع بين النظام الرأسمالي، بقيادة الولايات المتحدة، والاتحاد السوفيتي ذي النظام الاشتراكي.
إلا أن النظام الاشتراكي انهار في الاتحاد السوفيتي. ولا أستطيع أن أقول إن النظام الاشتراكي سيئ أو غير صالح للمجتمع البشري، كون الصين ما زالت تنافس الولايات المتحدة، وهي تتبنى نظامًا يقوم على الاشتراكية.
لكنني لا أريد أن أتوقف عند سؤال: من هو الصحيح ومن هو المخطئ؟ وأي نظام يخدم البشرية أكثر؟
ما أود طرحه في هذا المقال هو سؤال آخر أكثر ارتباطًا بمستقبل البشرية:
أين وصلت البشرية اليوم؟ وما هو النظام الذي لم يعد يتلاءم مع الإبداع والتطور الجديد للبشرية؟
نحن أمام اكتشاف بشري غيّر العالم بصورة غير مسبوقة: الشبكة العنكبوتية والإنترنت، ثم ظهور الأتمتة، وما رافقها من إزالة الكثير من الحدود التقليدية في الفضاء الرقمي، وتحويل العالم إلى فضاء واحد مفتوح ومترابط.
ولم يتوقف الإبداع عند هذا الحد، بل ظهر الذكاء الاصطناعي والروبوتات، وبدأنا نشهد تحولًا كبيرًا في طبيعة العمل والإنتاج وفي علاقة الإنسان بالآلة.
وهنا يطرح نفسه السؤال الأهم:
لمن هذا الإبداع؟ ولخدمة من؟ ومن يستطيع الاستفادة من هذا التطور الهائل، وخصوصًا الذكاء الاصطناعي؟
بالتأكيد، سيؤثر هذا التطور التقني والعلمي بشكل كبير في أدوات الإنتاج، وربما يكون تأثيره أعمق من جميع التحولات التي شهدتها البشرية في مراحلها السابقة.
فهل المطلوب أن نواكب هذا التطور ونجعله في خدمتنا وخدمة الإنسان؟ أم أننا سنصل إلى مرحلة يصبح فيها الإنسان هو الذي يخدم هذا التطور وهذه الآلات؟
بمعنى آخر:
هل نحن من يصنع المستقبل، أم أن التطور الذي صنعناه بدأ يعيد تشكيلنا نحن؟
وهل ما تشهده البشرية اليوم من صراعات ومعارك وحروب هو جزء من الانتقال نحو نظام عالمي جديد، نتيجة التطور الكبير الذي طرأ على أدوات الإنتاج؟
فكما أوردت سابقًا، تشكلت الأنظمة الاجتماعية والسياسية التي عرفتها البشرية نتيجة تطور أدوات الإنتاج ووسائل السيطرة عليها. وإذا كانت الأرض هي مصدر القوة في مرحلة، ثم أصبحت الآلة والمصنع ووسائل الإنتاج الصناعية مصدرًا للقوة في مرحلة أخرى، فماذا ستكون أداة القوة في المرحلة القادمة؟
هل ستكون المعلومة؟ أم البيانات؟ أم الذكاء الاصطناعي؟ أم امتلاك التكنولوجيا والمعرفة؟
وهنا نصل إلى السؤال الأكبر:
هل سنشهد، أم أننا دخلنا بالفعل، بداية مرحلة جديدة تتجاوز النظام الرأسمالي بصورته التقليدية؟
وهل يمكن أن تكون هذه المرحلة هي ما أطلق عليه كارل ماركس الإمبريالية باعتبارها مرحلة متقدمة من تطور النظام الرأسمالي، أم أننا أمام مرحلة تاريخية جديدة تمامًا لم تكن موجودة في زمن ماركس، لأن أدوات الإنتاج نفسها تغيرت بصورة جذرية؟
فإذا كان ماركس قد ركّز في دراساته على أدوات الإنتاج وعلاقات الإنتاج باعتبارها من العوامل الأساسية في تطور المجتمعات والأنظمة، فإن السؤال اليوم يصبح أكثر إلحاحًا:
ماذا يحدث عندما تصبح الآلة قادرة على التفكير، ويصبح الذكاء الاصطناعي جزءًا من عملية الإنتاج، ويصبح الإنترنت فضاءً عالميًا بلا حدود تقريبًا؟
هل نحن أمام مجرد تطور تكنولوجي جديد داخل النظام الرأسمالي؟
أم أننا أمام بداية تحول تاريخي جديد في شكل المجتمع البشري، وفي طبيعة الاقتصاد والسياسة والدولة، وربما في مفهوم القوة نفسه؟
وهل نحن أمام ولادة نظام عالمي جديد، أم أن الرأسمالية قادرة على استيعاب هذا التطور وتحويله إلى مرحلة جديدة من مراحلها؟
هذه هي الأسئلة التي أعتقد أن علينا أن نبدأ بطرحها اليوم، لأن البشرية لم تعد تقف أمام تطور في أدوات الإنتاج فحسب، بل أمام تغير محتمل في طبيعة الإنسان وعلاقته بالإنتاج والعمل والمعرفة والآلة.