مقالات

كوردستان: الخيار الاستراتيجي الذي قد يندم الغرب على تجاهله

محمدالشرف الحسيني

كوردستان: الخيار الاستراتيجي الذي قد يندم الغرب على تجاهله
مدخل: التيار الكوردي اللاقومي «الجحوش»… وسيلة قديمة تجاوزها الزمن.
اللاقوميون الجدد اخر اوراق اللعبة، سترمى في سلة المهملات .
إلى الذين ما زالوا يراهنون على صناعة تيار كوردي «لاقومي»، واستخدامه وسيلةً للالتفاف على القضية الكوردية وإضعافها: لقد تجاوز الزمن هذه الأساليب، ولم تعد صالحةً للركوب كما كانت في الماضي.
لقد تغيّر الكورد، وتغيّرت كوردستان، وتغيّرت طبيعة الصراع. فما كان يمكن تمريره بالأمس عبر وكلاء محليين، أو تيارات مصطنعة تُنكر الهوية القومية الكوردية، لم يعد قادرًا اليوم على تغيير حقيقة راسخة على الأرض.
إن الثورة الكوردية، بما راكمته من وعي وتضحيات وتجارب، تجاوزت كثيرًا من الخطط التي وُضعت لإجهاضها أو احتوائها. وأصبح من المتعذر إعادة عقارب الساعة إلى الوراء بإعادة إنتاج الأدوات القديمة، وإن تغيّرت الأسماء والشعارات، أو ارتدت ثوبًا فكريًا جديدًا.
الكورد حقيقة، وكوردستان حقيقة؛ وهذه ليست شعارات عابرة، بل واقع تاريخي وجغرافي واجتماعي وثقافي متجذّر في الأرض.
ومن هنا، فإن هذه الكلمات نصيحة قبل أن تكون إنذارًا:
لا تراهنوا على أدوات انتهى مفعولها، ولا تعيدوا إنتاج مشاريع تجاوزها الزمن، ولا تظنوا أن تغيير العناوين قادر على تغيير الحقائق.
لقد أصبح وعي الكورد أكبر من أن يُدار بالوسائل القديمة، وأصبحت القضية الكوردية أوسع من أن تُختزل في حزب أو تيار أو مشروع أيديولوجي عابر.
ومن يصرّ على إعادة استخدام تلك الأدوات اليوم لن يغيّر الواقع، بل سيكشف فقط أنه لم يدرك أن الزمن قد تغيّر، وأن ما كان ممكنًا في القرن الماضي قد لا يكون ممكنًا في القرن الحادي والعشرين.
ولذلك فإن السؤال الذي يفرض نفسه اليوم ليس: كيف يمكن الالتفاف على القضية الكوردية؟ وإنما: كيف يمكن التعامل معها بوصفها حقيقة سياسية وتاريخية وجغرافية أصبحت جزءًا من مستقبل المنطقة؟
ومن هنا تبدأ هذه الدراسة في بحث التحول الأكبر: كيف انتقلت كوردستان، في الحسابات الاستراتيجية، من قضية كان الغرب يخشى من نتائج الاعتراف بها، إلى قضية قد يصبح الاعتراف بها جزءًا من الحل الذي يحتاج إليه الغرب نفسه؟
الغرب والكورد: من الفرص الضائعة إلى الضرورة الاستراتيجية
أولًا: ما بين الماضي واليوم — حين تنقلب المصالح والموازين بمائة وثمانين درجة
قد يكون أحد أكبر أخطاء السياسة الغربية في الشرق الأوسط هو الاستمرار في النظر إلى القضية الكوردية بمنطق القرن العشرين، في حين أن البيئة الدولية والإقليمية التي أنتجت ذلك الموقف قد تغيرت بصورة جذرية.
لقد أخطأ دونالد ترامب، في تقديري، في قراءة الدور الاستراتيجي للشعب الكوردي في المنطقة، عندما جرى التعامل مع القضية الكوردية بوصفها عبئًا على التوازنات القائمة، بدل النظر إليها باعتبارها أحد مفاتيح إعادة بناء ذلك التوازن.
وقد تكون دولة كوردستان المستقلة اليوم، أكثر من أي وقت مضى، خيارًا استراتيجيًا للغرب. وإذا لم تدرك القوى الغربية هذه الحقيقة في الوقت المناسب، فقد تندم عليها عندما تصبح إعادة تشكيل المعادلة الإقليمية أكثر صعوبة وكلفة.
ثانيًا: من «الخطر التاريخي» إلى «الفرصة الاستراتيجية»
في الماضي، كان قيام دولة كوردستان قد يبدو لبعض القوى الغربية مشروعًا يعيد إحياء صراع تاريخي قديم، أو يفتح الباب أمام إعادة رسم خرائط المنطقة على نحو يهدد توازنات ومصالح قائمة.
وقد غذّت بعض السرديات التاريخية والدينية والسياسية القديمة هذه النظرة، إذ جرى ربط شعوب المنطقة وصراعاتها بسلاسل طويلة من النزاعات الممتدة من العصور الإغريقية والرومانية والبيزنطية، مرورًا بالحروب الصليبية والعهد العثماني، وصولًا إلى صراعات القرن العشرين.
وفي بعض القراءات الأبعد، أُسقطت حتى سرديات توراتية مرتبطة بالسبي الآشوري والبابلي على التاريخ السياسي الحديث للمنطقة.
لكن السياسة الدولية لا تُبنى على التاريخ وحده، بل على المصالح المتغيرة.
ولذلك، فإن ما كان يُنظر إليه في مرحلة سابقة باعتباره تهديدًا أو عبئًا جيوسياسيًا، يمكن أن يتحول في مرحلة أخرى إلى عنصر من عناصر القوة والاستقرار.
لقد تغيرت المعادلة بمائة وثمانين درجة.
فلم تعد كوردستان، في هذه الرؤية، مشروعًا لإحياء صراع تاريخي مع الغرب، بل يمكن أن تكون شريكًا استراتيجيًا في بناء شرق أوسط جديد؛ شرق أوسط أكثر استقرارًا وتوازنًا، وأقل إنتاجًا للحروب والهجرة والفوضى.
بل إن قيام دولة كوردستان يمكن أن يمثل، في هذا السياق، تصحيحًا تاريخيًا لمسار جيوسياسي فرضته خرائط ما بعد الحرب العالمية الأولى، حين جرى تقسيم المجال الكوردي بين عدة دول، وأصبح الشعب الكوردي نفسه موضوعًا للصراع بدل أن يكون صاحب قرار في تحديد مصيره.
ثالثًا: أوروبا أمام معادلة الهجرة
إن الخطر الذي ينبغي للغرب أن يأخذه بجدية لا يتمثل في المهاجر بوصفه إنسانًا، ولا في التنوع الثقافي بحد ذاته، وإنما في تحول الهجرة الجماعية إلى أداة ضغط سياسي، وفي فشل سياسات الاندماج عندما تتعارض بعض النزعات المتطرفة أو الانفصالية مع منظومة القانون والمؤسسات والقيم الدستورية في الدول الأوروبية.
لقد أثبتت السنوات الماضية أن ملف الهجرة يمكن أن يتحول إلى ورقة جيوسياسية في يد دول العبور.
وتقدم تركيا المثال الأوضح على ذلك. فبحكم موقعها الجغرافي، أصبحت دولة استقبال وعبور رئيسية لملايين اللاجئين والمهاجرين المتجهين نحو أوروبا، كما استخدمت أنقرة، في مناسبات مختلفة، ملف اللاجئين والحدود بوصفه ورقة ضغط في علاقاتها مع الاتحاد الأوروبي.
وفي سبتمبر/أيلول 2019، هدد الرئيس التركي رجب طيب أردوغان بفتح الطريق أمام اللاجئين والمهاجرين نحو أوروبا، ثم جاءت أزمة فبراير/شباط 2020 لتؤكد أن ملف الحدود والهجرة أصبح جزءًا من أدوات الضغط السياسي في العلاقات التركية ـ الأوروبية.
وهكذا لم تعد الهجرة قضية إنسانية فحسب؛ بل أصبحت، في بعض الظروف، قضية جيوسياسية أيضًا.
ولا يعني ذلك أن جميع اللاجئين أدوات سياسية، أو أن جميع المهاجرين يحملون مشروعًا معاديًا لأوروبا؛ فهذا تعميم غير مقبول سياسيًا وأخلاقيًا.
المقصود هو أن الدول التي تتحكم بممرات الهجرة تستطيع، متى أرادت، أن تستخدم حركة البشر للضغط على القرار الأوروبي.
وهنا تكمن المشكلة الاستراتيجية:
إذا بقيت أوروبا تعتمد على دول خارج حدودها للتحكم بمصادر الهجرة وممراتها، فإن جزءًا من أمنها الديموغرافي والاجتماعي سيظل رهينة للسياسة الخارجية لتلك الدول.
رابعًا: الغرب واكتشاف خطأ ما بعد الحرب العالمية الأولى
لا ينبغي اختزال الغرب في الجغرافيا الأوروبية وحدها؛ فالحضارة الغربية والتأثير الأوروبي والجغرافيا الاوربية امتدت تاريخيًا عبر المتوسط والبحر الأسود والقوقاز وشرق المتوسط وشمال أفريقيا، ووصل تأثيرهما السياسي والعسكري والتجاري إلى مناطق واسعة من الشرق الأوسط وأفريقيا.
ومن هذه الزاوية، فإن إعادة قراءة خرائط ما بعد الحرب العالمية الأولى ليست مسألة تخص الكورد وحدهم، بل قضية تتصل بإعادة تقييم كامل للنظام الإقليمي الذي نشأ في القرن العشرين.
لقد بدأت، وفق هذه القراءة، تتبلور لدى بعض الدوائر الغربية قناعة متأخرة بحجم الخطأ الاستراتيجي بعيد المدى الذي وقع عندما لم تتحول الوعود والتصورات التي ظهرت بعد الحرب العالمية الأولى إلى دولة كوردية مستقلة.
لكن التحول العملي الأهم بدأ بعد حرب الكويت، ثم بصورة أوضح بعد سقوط النظام العراقي عام 2003.
فقد ظهرت للمرة الأولى منذ عقود فرصة عملية أمام الغرب لإعادة بناء المعادلة العراقية والإقليمية على أساس جديد، وبرزت معها تصورات مختلفة حول مستقبل الكورد ودورهم السياسي في المنطقة.
غير أن الفرصة لم تتحول إلى مشروع تاريخي مكتمل.
فالضغوط الإقليمية لم تختفِ، بل أعيد إنتاجها بأشكال جديدة.
فتركيا وإيران والدول العربية المعنية بتوازنات العراق والمنطقة، إلى جانب قوى وجماعات مسيحية شرقية ذات مصالح ورؤى متباينة، شكلت بيئة سياسية شديدة التعقيد حول المسألة الكوردية.
ومع ذلك، بدأت الصورة تتغير تدريجيًا.
فقد أثبت إقليم كوردستان، رغم أخطاء الحركة السياسية الكوردية وانقساماتها، أن الكورد قادرون على بناء مؤسسات وإدارة إقليم يتمتع بدرجة مهمة من الاستقرار، والتعامل مع المجتمع الدولي، وحماية قدر معتبر من التنوع الديني والقومي، والمشاركة الفاعلة في الحرب على الإرهاب.
وبذلك بدأت الصورة القديمة عن «الكورد» باعتبارهم قوة فوضوية أو مصدر اضطراب دائم للمصالح الغربية تفقد كثيرًا من قوتها.
وظهرت صورة أخرى:
أمة ذات تاريخ وحضارة وذاكرة سياسية، وقوة بشرية وجغرافية واقتصادية لا يمكن تجاوزها في معادلة الشرق الأوسط.
وأصبحت تجربة إقليم كوردستان، بالنسبة إلى قطاعات واسعة من المجتمع الدولي، دليلًا عمليًا على أن الكورد يستطيعون بناء كيان سياسي حديث، وأن وجودهم ليس بالضرورة مصدر اضطراب، بل يمكن أن يكون عنصرًا من عناصر الاستقرار الإقليمي.
خامسًا: المسيحيون الشرقيون وإشكالية السردية التاريخية
من هنا ظهرت، في الخطاب القومي الكوردي، مراجعة نقدية لما يسمى أحيانًا «اللوبي المسيحي الشرقي»، ولا سيما بعض الشبكات الأرمنية والسريانية والنسطورية التي نشطت تاريخيًا في العواصم الغربية. وبثت دعاية معادية للقومية الكوردية ارضا وشعبا.
لكن ينبغي التمييز بوضوح بين الجماعات الدينية والقومية بوصفها مجتمعات بشرية، وبين بعض النخب والتنظيمات السياسية والكنسية التي مارست نشاطًا سياسيًا ضد الكورد في الغرب.
فلا يصح تحميل الأرمن أو السريان أو النساطرة جماعيًا مسؤولية سياسات الدول الغربية، كما لا يجوز إنكار المآسي التاريخية الكبرى التي تعرضت لها هذه الجماعات من قتل وتهجير و تطهير عرقي و ديني واضطهاد.على يد الترك والعرب .( الخلافة الاسلامية العربية و العثمانية)
إن القضية هنا ليست إنكار الضحايا، بل إعادة قراءة التاريخ بصورة أكثر توازنًا.
فالسؤال الكوردي المشروع هو:
لماذا جرى في بعض السرديات السياسية الغربية التركيز على علاقة الكورد بالمسيحيين الشرقيين من خلال صفحات الصراع وحدها، بينما جرى تجاهل صفحات طويلة من التعايش والحماية والمصالح المشتركة؟ وهمش الدور التركي والعربي في تلك الابادات.!!!؟
لقد عاشت جماعات مسيحية مختلفة قرونًا طويلة في مناطق كوردية، ولا تزال بعض الجماعات المسيحية حاضرة في كوردستان بثقافتها ولغاتها وتراثها الديني والشعبي.
وهذا لا يلغي صفحات الصراع والاعتداءات التي يجب الاعتراف بها، كما لا يلغي مسؤولية بعض الإقطاعيين والزعامات المحلية الكوردية في أحداث تاريخية مؤلمة.
لكن التاريخ لا يمكن اختزاله في رواية واحدة.
وكما تعرضت جماعات أرمنيةوسريانية ونسطورية لمآسٍ في كوردستان، تعرض الكورد أنفسهم، في مراحل مختلفة، لعمليات قمع وتهجير وتغيير ديموغرافي على يد قوى ودول إقليمية متعددة. وعلى يد هذه الجماعات وخاصة في العهد المغولي والتتاري و الاستعمار الغربي المتمثل في روسيا و بريطانيا و فرنسا ..
ومن هنا فإن المطلوب ليس استبدال سردية بسردية، بل بناء قراءة تاريخية أكثر إنصافًا، تعترف بالضحايا جميعًا، وتفرق بين مسؤولية الدولة ومسؤولية المجتمع، وبين الجريمة الفردية والسياسة المنظمة.
فلماذا اللوبي المسيحي الشرقي استهدف الشعب الكوردي دون غيره .؟!
سادسًا: تركيا وإعادة إنتاج المسألة الكوردية
مع اتساع الدور الدولي لإقليم كوردستان وتزايد الاعتراف بالدور الكوردي، بدأت تركيا تدرك، وفق هذه القراءة، أن الغرب لم يعد يستطيع التعامل مع القضية الكوردية بالطريقة القديمة.
ومن هنا تحركت أنقرة على المستويات الإقليمية والدولية والكوردية، وسعت إلى التأثير في اتجاهات الحركة السياسية الكوردية نفسها.
وهنا بدأت المفاجأة الكوردية:
قنديل ـ السليمانية ـ شنگال ـ قامشلو، ثم مشروع «اللاقومية» والاندماج، بوصفه أحد المسارات التي يمكن أن تتحول من حل للقضية إلى وسيلة لتفريغها من مضمونها القومي والسياسي.
لم يكن التغيير في الموقف الإقليمي مقتصرًا على تركيا، بل ظهرت تحولات داخل الحركة الكوردية نفسها.
فقد تحولت أجزاء من المشروع القومي إلى مشاريع سياسية عابرة للقومية، وأصبح تعريف القضية الكوردية نفسه موضع خلاف.
كما لعب التنافس الإيراني داخل البيت الكوردي دورًا مهمًا في تعميق الانقسام بين محاور أربيل والسليمانية، وفي إعادة توزيع النفوذ داخل الإقليم.
وهكذا اختلطت الأوراق، وتراجعت القضية القومية الكوردية في بعض المحافل الدولية، وهو ما يخدم، من منظور هذه القراءة، مصالح القوى الإقليمية التي لا تريد قيام دولة كوردية مستقلة.
سابعًا: ما بعد سقوط النظام العراقي — الفرصة التي لم تكتمل
مع سقوط النظام العراقي اهتزت المنطقة من جديد.
وبدأت تظهر في بعض الأدبيات السياسية الغربية مسألة استقلال كوردستان بصورة أكثر وضوحًا، بينما تحركت القوات الغربية على امتداد جغرافيا الخليج والعراق وأجزاء من سوريا.
وقد أحدث ذلك قلقًا عميقًا لدى تركيا ودول إقليمية أخرى، فكان الرد الإقليمي، وفق هذه القراءة، محاولة إعادة تشكيل الحركة الكوردية نفسها، وإبراز تيار كوردي عابر للقومية في لحظة كانت القضية الكوردية فيها تقترب من أن تصبح جزءًا من إعادة ترتيب المنطقة.
وفي قلب هذا الاضطراب ظهر تيار كوردي لا قومي أو عابر للقومية، رأى أن الحل لا يكون في الدولة القومية الكوردية، وإنما في مشاريع سياسية أخرى.
ومن هنا بدأت الشكوك تتجه، في الخطاب القومي الكوردي، نحو الدور التركي بدرجة أساسية، ثم الإيراني بدرجات مختلفة.
وكان النظام السوري السابق، وفق هذه الرؤية، بيئة آمنة ومجالًا فكريًا وسياسيًا لجزء من هذا التيار الكوردي العابر للقومية.
ومما يؤسف له، في هذه القراءة، أن السليمانية أصبحت مركزًا مهمًا لهذا الاتجاه، رغم تاريخها القومي المعروف، ولا سيما مع التحولات التي أعقبت وفاة الرئيس جلال طالباني.
وهكذا تعقدت المسألة كورديا قبل أن تتعقد إقليميًا ودوليًا.
وتحولت القضية الكوردية من مشروع قومي واضح إلى ساحة تتصارع فيها مشاريع متعددة: قومية، وإدارية، وعابرة للقومية، ومشاريع مرتبطة بنفوذ إقليمي.
حتى وصلت الأمور إلى مرحلة ظهرت فيها، في بعض التصريحات الأمريكية، نظرة إلى القضية الكوردية باعتبارها عبئًا سياسيًا على واشنطن.
ثامنًا: الصدمة الأخيرة — ترامب والفرصة التي تبددت
ثم جاءت مرحلة ترامب الثانية لتكشف، وفق هذه القراءة، حجم التحول في النظرة الأمريكية إلى القضية الكوردية.
فبعد سنوات من اعتبار الكورد شريكًا ميدانيًا رئيسيًا في مواجهة تنظيم الدولة الإسلامية، عاد الخطاب السياسي الأمريكي إلى التأكيد بصورة أكبر على أولوية المصالح مع الحلفاء الإقليميين.
ومن هنا فسّر القوميون الكورد بعض المواقف الأمريكية على أنها رسالة مفادها أن القضية الكوردية أصبحت، في نظر بعض دوائر السياسة الأمريكية، عبئًا على ترتيبات واشنطن الإقليمية بسبب تعارضها مع مصالح شركاء الولايات المتحدة.
وهنا وقعت الضربة الأشد في الوجدان القومي الكوردي:
بعد أن بدا أن الغرب يقترب من إعادة الاعتبار للقضية الكوردية، ظهر من جديد أن مصالح الدول الإقليمية قد تكون، بالنسبة إلى واشنطن، أهم من المشروع القومي الكوردي.
وعند هذه النقطة، أعلن المحور الكوردي العابر للقومية، أو ما يمكن تسميته في الخطاب القومي بـ«المحور اللاكوردي»، ميلاده السياسي بصورة أكثر وضوحًا.
فلم يعد البديل المطروح مجرد حكم ذاتي أو إدارة محلية، بل ظهر مفهوم «الاندماج» بوصفه حلًا للقضية.
وهنا تكمن الخطورة.
فالاندماج، إذا تحول من مفهوم للمواطنة المشتركة إلى أداة لإلغاء الهوية القومية، يمكن أن يصبح الوجه السياسي الآخر للانصهار القومي، مهما تغلف بفلسفات ضبابية أو شعارات إنسانية وعالمية.
وكانت الصدمة شديدة على الوجدان الكوردي في مختلف أماكن وجوده.
فالمسألة لم تعد بالنسبة إلى كثير من الكورد مجرد خلاف بين أحزاب، وإنما بدت وكأنها مواجهة مع المشروع القومي الكوردي نفسه.
تاسعًا: لماذا تصبح كوردستان اليوم ضرورة استراتيجية للغرب؟
هنا نعود إلى السؤال الأساسي.
إن بقاء كوردستان مقسمة لا يحرم الكورد وحدهم من دولة مستقلة، بل يبقي جزءًا مهمًا من الموارد البشرية والاقتصادية والجغرافية في خدمة موازين القوى للدول الإقليمية الكبرى.
وفي ظل الأزمات الاقتصادية والاجتماعية والأمنية التي تواجه أوروبا، من الحرب في أوكرانيا، إلى أزمة اللاجئين، إلى صعود الشعبوية والانقسامات الداخلية، يصبح استمرار الأزمات في الشرق الأوسط خطرًا مباشرًا على الاستقرار الأوروبي.
والأخطر أن القوى الإقليمية التي تستفيد من استمرار الانقسام الكوردي يمكن أن تتحول، مع مرور الزمن، إلى قوى أكثر نفوذًا وتأثيرًا في النظام الدولي، بما قد يضعف قدرة أوروبا والغرب على إدارة مصالحهما في المنطقة.
أما قيام دولة كوردستان مستقلة ومستقرة وديمقراطية، فيمكن أن يعيد توزيع هذه القوة، ويخلق مركزًا جديدًا للاستقرار، ويحد من قدرة القوى الإقليمية على استخدام الجغرافيا الكوردية في مشاريع الهيمنة والتوسع.
فالجغرافيا الكوردية، بما تمتلكه من موقع استراتيجي وموارد طبيعية وبشرية ومائية وطاقة وأسواق وطرق اتصال، تمثل جزءًا أساسيًا من البنية الجيوسياسية التي تقوم عليها قوى إقليمية عدة.
ومن هنا يمكن أن تصبح كوردستان المستقلة، بدل أن تكون ساحة صراع، مركز توازن.
عاشرًا: التحول الديموغرافي الأوروبي
تواجه أوروبا تحديات ديموغرافية واجتماعية لا يمكن تجاهلها.
فانخفاض معدلات الولادة في أجزاء واسعة من القارة، وارتفاع متوسط الأعمار، والهجرة الواسعة، وتزايد أعداد الأجيال ذات الأصول المهاجرة، كلها عوامل ستعيد تشكيل المجتمعات الأوروبية خلال العقود المقبلة.
ولا يعني ذلك أن أوروبا ستختفي، ولا أن المهاجر يمثل خطرًا بطبيعته، ولا أن التعددية الثقافية مشكلة في ذاتها.
لكن الخطر يكمن في فقدان الدولة قدرتها على إدارة الاندماج، أو تحول بعض الجماعات السكانية إلى كتل سياسية وهوياتية مغلقة، أو استخدام الهجرة بوصفها أداة ضغط من دول خارج أوروبا.
وعندها يصبح الأمن الداخلي الأوروبي أكثر هشاشة أمام أي هزة سياسية أو اقتصادية كبرى.
وهنا تصبح تجربة تركيا مع ورقة اللاجئين مثالًا لا يمكن تجاهله.
فإذا أصبحت حدود أوروبا أداة تفاوض بيد دول الجوار، فإن أوروبا لن تكون صاحبة القرار الكامل في تحديد مسارها الديموغرافي.
الحادي عشر: كوردستان كحزام استقرار بين الشرق والغرب
من هنا يمكن أن تصبح دولة كوردستان المستقلة جزءًا من الحل.
دولة حديثة، ديمقراطية، علمانية، متعددة القوميات والأديان، مرتبطة اقتصاديًا بالغرب، وقادرة على استثمار مواردها البشرية والطبيعية، يمكن أن تتحول إلى حزام استقرار بين أوروبا ومصادر الأزمات في الشرق الأوسط.
ويمكنها أن تكون شريكًا في أمن الطاقة، وأمن المياه، والتجارة والنقل، ومكافحة الإرهاب، وحماية الحدود، والتنمية الإقليمية، وإعادة إعمار المناطق المتضررة من الحروب، والحد من دوافع الهجرة القسرية.
بل يمكن أن تصبح دولة كوردستان المستقلة عامل سلم واستقرار وازدهار لجميع شعوب المنطقة، لا دولة موجهة ضد أحد.
وهنا يصبح السؤال مختلفًا تمامًا:
هل قيام كوردستان يضر بمصالح الغرب؟
أم:
هل استمرار غياب كوردستان يخدم المصالح الغربية فعلًا؟
الثاني عشر: الجغرافيا التي صنعت الأزمات يمكن أن تصنع الاستقرار
لقد كانت الجغرافيا الكوردية طوال القرن العشرين ساحة تنافس بين قوى إقليمية عديدة.
لكن الجغرافيا نفسها يمكن أن تتحول في القرن الحادي والعشرين إلى مصدر قوة واستقرار.
فكوردستان تقع عند نقطة التقاء مناطق نفوذ تركية وإيرانية وعربية، وتجاور ممرات استراتيجية للطاقة والتجارة، وتمتلك موارد مائية وطبيعية مهمة، فضلًا عن موقع بشري وثقافي يجعلها جزءًا أساسيًا من التركيبة الشرق أوسطية.
وبالتالي، فإن استمرار تقسيمها لا يلغي أهميتها؛ بل يجعلها ساحة مفتوحة للصراع عليها.
أما قيام دولة كوردستان مستقلة، إذا تأسست على القانون والمؤسسات والديمقراطية وحماية حقوق جميع مكوناتها، فيمكن أن يحول هذه الجغرافيا من جغرافيا نزاع إلى جغرافيا توازن.
الثالث عشر: الغرب أمام خيارين
الغرب يستطيع الاستمرار في إدارة الشرق الأوسط بالطريقة القديمة:
صفقات مؤقتة، وتحالفات مرحلية، ومساومات مع القوى الإقليمية، واحتواء للأزمات بدل حلها.
لكن هذه السياسة ستبقي الغرب أسيرًا لموازين القوة القديمة، وستجعل كل أزمة جديدة قابلة للتحول إلى أزمة دولية.
أما الخيار الآخر فهو أكثر جرأة:
إعادة بناء النظام الإقليمي على أساس الاعتراف بالشعوب والقوى الحقيقية الموجودة على الأرض، ومن بينها الشعب الكوردي.
ولا يعني ذلك فرض دولة كوردستان بالقوة، أو تجاهل الدول والشعوب المجاورة، وإنما دعم مسار سياسي وقانوني يؤدي، عبر التوافق الإقليمي والدولي، إلى تمكين الشعب الكوردي من ممارسة حقه في تقرير مصيره، وبناء دولة ديمقراطية تحترم حدود جيرانها وحقوق مكوناتها.
وهذا هو الفارق بين تغيير الحدود وإعادة بناء النظام الإقليمي.
الرابع عشر: كوردستان ليست خيارًا غربيًا فحسب، بل خيارًا مصيريًا لجيرانها
فإذا كان قيام دولة كوردستان المستقلة، وفق ما سبق، يمكن أن يتحول إلى خيار استراتيجي للغرب، فإن قيامها بالنسبة إلى الدول التي تسيطر اليوم على أجزاء من كوردستان قد يكون، قبل كل شيء، خيارًا مصيريًا لها ولأجيالها القادمة.
فالدول التي تتقاسم جغرافيا كوردستان اليوم ليست مضطرة إلى النظر إلى قيام دولة كوردستان باعتباره نهاية لعلاقاتها مع الكورد، أو تهديدًا وجوديًا لها. بل تستطيع، إذا أحسنت قراءة التاريخ والمستقبل، أن تحول هذه اللحظة التاريخية من صراع على الأرض إلى شراكة بين شعوب وجوار متداخل.
وهنا يبرز السؤال الأكبر:
أما آن الأوان لهذه الدول أن تعيد قراءة التاريخ، وأن تنتقل من منطق السيطرة على كوردستان إلى منطق الشراكة معها؟
فما يجمع شعوب المنطقة أكبر بكثير مما يفرقها: تاريخ مشترك، وجغرافيا متداخلة، وأديان متقاربة ومشتركة في أجزاء واسعة، ومجتمعات متداخلة، واقتصادات ومصالح متشابكة، وإرث حضاري تشكل عبر قرون طويلة من التفاعل.
لقد انتقلت المنطقة، خلال القرنين الأخيرين، من فضاء كانت تربطه في مراحل تاريخية سابقة اتحادات وإمبراطوريات وروابط دينية وجغرافية وسياسية متداخلة، إلى نظام من الدول القومية والحدود الصلبة.
وكان من الممكن أن تتحول هذه الدولة الحديثة إلى إطار للتعايش والشراكة، لكنها تحولت في مراحل عديدة إلى أداة لإدارة التنوع بالقوة، وإلى وسيلة لفرض الهوية القومية للدولة على شعوب وجماعات أخرى.
ومن هنا فإن القضية الكوردية لا ينبغي أن تُقرأ فقط بوصفها مطالبة شعب بدولة، بل بوصفها اختبارًا تاريخيًا للدول القائمة نفسها:
هل تستطيع هذه الدول أن تنتقل من مفهوم الدولة التي تفرض وحدتها على شعوبها بالقوة، إلى مفهوم الدولة التي تحترم حق الشعوب في تقرير مصيرها، وتبني علاقاتها مع جيرانها على أساس المصالح المتبادلة والعدالة؟
إن الاعتراف بحق الشعب الكوردي في تقرير مصيره لا يعني بالضرورة قيام حدود عدائية أو قطيعة مع الجيران.
بل يمكن أن يكون العكس تمامًا.
فدولة كوردستان المستقلة يمكن أن تكون، إذا قامت على أسس ديمقراطية وقانونية، أفضل جار لتركيا وإيران والعراق وسوريا، وأفضل شريك اقتصادي وأمني لها، بدل أن تكون قضية أمنية مفتوحة إلى ما لا نهاية.
وهنا يمكن للدول المجاورة أن تعيد تعريف مصالحها.
فبدل إنفاق الموارد السياسية والعسكرية والأمنية في محاولة إبقاء كوردستان تحت السيطرة، يمكن توجيه هذه الموارد نحو بناء علاقات اقتصادية وسياسية وأمنية جديدة معها.
وبدل النظر إلى الحدود باعتبارها خطوط فصل، يمكن تحويلها إلى جسور للتجارة والتنمية والتواصل.
وبدل أن تكون كوردستان منطقة تنافس وصراع بين القوى الإقليمية، يمكن أن تصبح منطقة توازن ومصالح مشتركة بينها.
وهذا هو جوهر التحول المطلوب:
أن تنتقل العلاقة من السيطرة إلى الشراكة، ومن الخوف إلى الثقة، ومن الصراع على الجغرافيا إلى التعاون داخل الجغرافيا.
فإذا كانت الدول التي تسيطر على أجزاء من كوردستان تريد فعلًا أن تضمن مستقبلها، فعليها أن تدرك أن التاريخ لا يتوقف عند حدود المرحلة الراهنة، وأن الشعوب التي حُرمت طويلًا من حق تقرير مصيرها لا يمكن أن تبقى إلى الأبد خارج معادلة التاريخ.
والدولة التي تبادر إلى الاعتراف بحقوق الكورد، وتدعم انتقال القضية من الصراع إلى الحل السياسي، قد لا تخسر كوردستان؛ بل قد تكسب كوردستان شريكًا استراتيجيًا.
أما الإصرار على منطق الإنكار والسيطرة والقمع، فقد يجعل القضية أكثر تعقيدًا مع مرور الزمن، ويحولها من فرصة لبناء شراكة تاريخية إلى صراع مفتوح بين أجيال متعاقبة.
ولهذا فإن السؤال لا ينبغي أن يكون:
كيف نمنع قيام كوردستان؟
بل:
كيف نبني علاقة جديدة مع كوردستان عندما تقوم؟
فالتاريخ لا يمنح الدول فرصًا كثيرة لإعادة تصحيح أخطائها.
وربما تكون الفرصة الآن أمام دول المنطقة لكي تعيد قراءة موقعها من القضية الكوردية، وأن تدرك أن العدالة ليست بالضرورة خسارة سياسية، وأن الاعتراف بحقوق الآخرين لا يعني بالضرورة نهاية مصالحها.
بل قد يكون الطريق الأكثر عقلانية للحفاظ على مصالحها في المستقبل.
فكوردستان التي تتحول من أرض متنازع عليها إلى دولة مستقلة، قد تكون أقرب إلى جيرانها سياسيًا واقتصاديًا وحضاريًا من كوردستان التي تبقى ساحة مفتوحة للصراع بينهم.
ومن هنا، فإن قيام كوردستان لا ينبغي أن يُنظر إليه بوصفه انتصارًا للكورد على جيرانهم، ولا هزيمة لجيرانهم أمام الكورد، بل يمكن أن يكون تسوية تاريخية بين شعوب المنطقة نفسها؛ تسوية تنهي قرنًا من الصراع حول سؤال الهوية والجغرافيا والسيادة، وتفتح قرنًا جديدًا من الشراكة والتنمية والسلام.
الخلاصة: من الفرص الضائعة إلى الضرورة الاستراتيجية
لقد تغيرت المعادلة.
ما كان يُنظر إليه في القرن العشرين باعتباره خطرًا أو عبئًا، يمكن أن يتحول في القرن الحادي والعشرين إلى فرصة استراتيجية.
لكن من الضروري أن يكون واضحًا أن قيام دولة كوردستان ليس «الحل الوحيد» لكل مشكلات الشرق الأوسط، ولا ضمانة تلقائية لبقاء الحضارة الأوروبية؛ فهذه قضايا أعقد من أن يحلها عامل واحد.
لكن قيام دولة كوردستان مستقرة وديمقراطية يمكن أن يكون أحد أهم مفاتيح إعادة بناء التوازن الإقليمي، وتقليص مصادر الصراع، وفتح مسار جديد للتنمية والسلم والتعاون بين الشرق والغرب.
إن الغرب يستطيع أن يستمر في إدارة الشرق الأوسط من خلال الصفقات المؤقتة مع القوى الإقليمية، لكنه سيبقى عندها أسيرًا لموازين القوة القديمة، التي تدفع بعض دول المنطقة باستمرار إلى البحث عن الأمن من خلال الهيمنة على الجغرافيا والمجتمعات المجاورة.
وقد يكون أحد جذور هذه المشكلة ما يمكن تسميته «عقدة المكان والتاريخ»؛ أي شعور بعض القوى الإقليمية بأن أمنها لا يتحقق إلا من خلال السيطرة على المجال المحيط بها، وهي عقلية أنتجت عبر التاريخ حروبًا وعمليات تهجير وتغييرًا ديموغرافيًا وصراعات ممتدة.
أما إذا اختار الغرب دعم مسار يؤدي إلى قيام دولة كوردستان على أساس القانون الدولي، والتوافق الإقليمي، والديمقراطية، وحماية جميع مكونات المنطقة، فإنه قد يساهم في صناعة شرق أوسط مختلف.
شرق لا تكون فيه كوردستان قضية أمنية مؤجلة، ولا ورقة تفاوض بين القوى الإقليمية، بل دولة مستقرة وشريكًا استراتيجيًا.
ولهذا فإن الرسالة إلى الغرب واضحة:
كوردستان ليست عبئًا استراتيجيًا كما كان يُنظر إليها في بعض مراحل القرن العشرين؛ بل قد تصبح في القرن الحادي والعشرين فرصة استراتيجية للغرب نفسه.
وإذا كان الماضي قد جعل قيام كوردستان يبدو لبعض القوى خطرًا على مصالحها، فإن المستقبل قد يجعل عدم قيامها هو الخطر الحقيقي.
لذلك لا ينبغي للغرب أن يسأل فقط:
ماذا سيحدث إذا قامت كوردستان؟
بل عليه أن يطرح السؤال الأصعب:
ماذا سيحدث إذا لم تقم كوردستان؟

هل وجدت هذا المقال مفيدًا؟

رأيك يساعدنا في تحسين المحتوى

0% من القراء أعجبهم المقال
(0 تقييم)
0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 Comments
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments

مقالات أخرى للكاتب: الكاتب