جدلية التنمية: من «النمو المزعوم» إلى النهوض الفعلي في شرق سوريا

أكرم حسين

لطالما ارتبط توصيف المحافظات الشرقية الثلاث، دير الزور والرقة والحسكة، في الخطاب الرسمي السوري بمصطلحات من قبيل «المحافظات النامية» أو «المناطق المتأخرة تنموياً»، في توصيف يبدو في  ظاهره محايداً، لكنه يخفي في ثناياه مفارقة عجيبة  بين ما تمتلكه هذه المناطق من ثروات وإمكانات وما عانته لعقود من تهميش وإهمال. فشرق سوريا ليس منطقة فقيرة بالموارد، بل هو من أغنى مناطق البلاد من حيث النفط والغاز والزراعة والمياه والثروات الباطنية، فضلاً عن موقعه الجغرافي والاستراتيجي، ومع ذلك ظل مستوى الخدمات والبنية التحتية وفرص العمل والتنمية البشرية فيه دون مستوى هذه الإمكانات بكثير ، وهنا يتجلى التناقض الأساسي : كيف يمكن لمنطقة تشكل خزاناً مهماً من موارد البلاد أن تبقى في الوقت ذاته من أكثر مناطقها معاناة من الفقر والتهميش وضعف الخدمات؟

الإجابة عن هذا السؤال لا تكمن في غياب الموارد ولا في ضعف قدرة السكان على الإنتاج، وإنما في طبيعة النموذج التنموي الذي حكم البلاد لعقود، وهو نموذج شديد المركزية، جعل من دمشق وحلب ومراكز المدن الكبرى محوراً رئيسياً للنشاط الاقتصادي والاستثمار والخدمات، فيما تحولت المناطق الشرقية إلى فضاء لإنتاج الموارد واستخراجها أكثر من كونها شريكاً حقيقياً في تحديد كيفية إدارتها والاستفادة من عوائدها ، وبذلك لم تكن المشكلة  قصور إداري أو أخطاء في التخطيط، بل  جزءاً من اختلال بنيوي في العلاقة بين المركز والأطراف، حيث جرى فصل الثروة عن التنمية، وفصل الإنتاج عن حق المجتمعات المحلية في الاستفادة من نتائجه. فالموارد التي كان يفترض أن تتحول إلى مدارس ومستشفيات وطرق وشبكات مياه وكهرباء وفرص عمل ومشاريع تنموية، لم تنعكس بالقدر الكافي على حياة السكان، الأمر الذي راكم شعوراً عميقاً بعدم العدالة، وخلق فجوة واضحة بين ما تقدمه المنطقة للاقتصاد الوطني وما تحصل عليه من حقوق تنموية وخدمية ، ولم يقتصر الامر على الجانب الاقتصادي والخدمي، بل تزامن مع تضييق شديد على المجال العام، جعل التعبير عن المطالب الاجتماعية والاقتصادية والحقوقية محفوفاً بالمخاطر. ففي ظل الدولة الأمنية، كان أي وعي جمعي بالمطالب أو أي تحرك مدني قابلاً لأن يُقرأ من خلال عدسات أمنية وسياسية وقومية وطائفية، فتحولت المطالب المشروعة إلى قضايا أمنية، وأصبح المجتمع محكوماً بالخوف والتوجس بدلاً من المشاركة والمساءلة. فالكرد كانوا عرضة لاتهامات الانفصال، والعرب لمقاربات أمنية تربطهم أحياناً بولاءات خارجية، كما لم تكن المكونات الأخرى بمنأى عن التصنيفات والشكوك التي اعتمدتها السلطة في التعامل مع المجتمع، الأمر الذي أدى في النهاية إلى إضعاف المجال العام وتحويل المطالبة بالحقوق إلى فعل مرتبط بالتجريم. وهكذا نشأت حالة يمكن وصفها بـ«النوم القسري»، غير أن التحولات السياسية الكبرى التي شهدتها سوريا وسقوط منظومة الحكم الاستبدادية فتحت نافذة تاريخية جديدة أمام هذه المناطق، وأصبح أبناء المحافظات الشرقية أكثر حضوراً في مؤسسات الدولة ومواقع القرار، بما في ذلك مواقع سيادية وإدارية رفيعة ، ولا شك أن هذا التحول يحمل أهمية سياسية ووطنية كبيرة، لأنه يمثل في أحد جوانبه تصحيحاً لاختلال تاريخي في التمثيل، ويؤكد أن أبناء الأطراف ليسوا مجرد سكان لمناطق منتجة للموارد، وإنما هم جزء أصيل من النخبة الوطنية القادرة على المشاركة في إدارة الدولة وصناعة القرار. لكن أهمية هذا التحول تضع أمامنا سؤالاً أكثر جوهرية من  مسألة التمثيل السياسي: هل يستطيع الحضور الجديد لأبناء هذه المناطق في مؤسسات الدولة أن يتحول إلى تغيير فعلي في بنية التنمية وتوزيع الموارد والخدمات؟

 إن الرهان الحقيقي اليوم لا ينبغي أن يقتصر على تبدل الوجوه أو انتقال بعض أبناء المناطق المهمشة إلى مواقع المسؤولية، بل يجب أن يتجه نحو تغيير السياسات التي أنتجت التهميش نفسه. فالإنصاف السياسي لا يكتمل من دون إنصاف اقتصادي وتنموي، والتمثيل في مؤسسات الدولة يفقد جزءاً كبيراً من معناه إذا لم ينعكس على حياة الناس اليومية وعلى مستقبل مناطقهم ، ولذلك فإن شرق سوريا يحتاج اليوم إلى عقد تنموي جديد يعيد تعريف العلاقة بين الدولة والمجتمع وبين المركز والأطراف، ويضع التنمية والعدالة في توزيع الموارد في قلب المشروع الوطني السوري ، وهذا يتطلب الانتقال من إدارة الحرمان والأزمات إلى  بناء التنمية المستدامة، عبر منح السلطات المحلية صلاحيات أوسع في التخطيط وتحديد الأولويات، وإعادة توزيع الاستثمارات العامة وفق معايير السكان والحاجة ومستوى الحرمان، وربط إدارة الموارد الطبيعية بالتنمية المحلية، بحيث يشعر سكان المناطق المنتجة للنفط والحبوب والمياه بأن هذه الثروات الوطنية تعود عليهم أيضاً في صورة خدمات وفرص عمل واستثمارات وبنية تحتية. كما يتطلب الأمر إعادة بناء الإدارة المحلية على أسس مهنية ومؤسسية، بعيداً عن المحسوبيات والشبكات الزبائنية والعشائرية والأمنية، والاستثمار الجدي في الإنسان من خلال التعليم والصحة والتدريب المهني وتمكين الشباب وخلق فرص العمل، إلى جانب إعادة تأهيل البنية التحتية وفتح المجال أمام القطاع الخاص والاستثمارات المحلية، بما يساعد على الانتقال من اقتصاد يعتمد بصورة كبيرة على استخراج الموارد إلى اقتصاد منتج ومتنوع قادر على خلق فرص عمل مستقرة ، وتحوّل التنمية إلى جزء من عقد اجتماعي وطني جديد، يشعر بموجبه المواطن في الحسكة والرقة ودير الزور، كما يشعر المواطن في دمشق وحلب وسائر المناطق السورية، بأنه مواطن كامل الحقوق والواجبات، وأن الدولة ليست سلطة مركزية بعيدة عنه، بل مؤسسة وطنية تمثله وتحمي مصالحه وتضمن له حقه العادل في التنمية والموارد والخدمات.

إن شرق سوريا لا يحتاج إلى خطاب جديد يصفه بأنه «واعد» أو «قابل للنمو»، بل الى نموذج سياسي وإداري قادر على تحويل هذه المقومات إلى تنمية حقيقية. فهناك فرق جوهري بين النمو والنهوض؛ فالنمو قد يعني زيادة إنتاج النفط أو الحبوب أو ارتفاع حجم الموارد المستخرجة، بينما النهوض يعني أن يتحول الإنتاج إلى مدارس ، ومستشفيات ، وطرق حديثة، ومياه وكهرباء ، وفرص عمل، ومؤسسات محلية فاعلة، واقتصاد متنوع، ومجتمع يشعر بأن له حصة عادلة في وطنه ،  ومن هنا فإن التحدي أمام سوريا الجديدة  يتمثل  في إعادة بناء العلاقة بين الدولة والمجتمع، وبين المركز والأطراف، على قاعدة المواطنة المتساوية والعدالة واللامركزية والتنمية المتوازنة ، وإذا كانت سوريا الجديدة تريد حقاً الانتقال من الدولة الأمنية إلى الدولة الوطنية الحديثة، فإن نقطة البداية لا يمكن أن تكون في دمشق وحدها، بل ينبغي أن تبدأ أيضاً من المناطق التي عانت  طويلاً من التهميش، وفي مقدمتها شرق سوريا. لأن تنمية هذه المناطق هي استحقاق وطني وعدالة تنموية وشرط أساسي لبناء دولة سورية مستقرة .

شارك المقال :

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 Comments
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
اقرأ أيضاً ...

أحمد بلال لقد اجتازت البشرية العديد من الأنظمة الاجتماعية منذ أن بدأت بتشكيل مجتمعها، وخروجها من الكهوف نتيجة بداية تطور الوعي لديها. واستطاع الإنسان أن يبدع أدوات للإنتاج والاستفادة من الطبيعة المحيطة به. لنبدأ من مرحلة ترويض الحيوان وتربية الماشية، حيث أصبح الإنسان ينتج من الحيوانات مواد يستفيد منها في حياته، فبنى مجتمعًا قبليًا وعشائريًا. واستمر هذا النظام إلى…

محمدالشرف الحسيني الرابع عشر: كوردستان ليست خيارًا غربيًا فحسب، بل خيارًا مصيريًا لجيرانها فإذا كان قيام دولة كوردستان المستقلة، وفق ما سبق، يمكن أن يتحول إلى خيار استراتيجي للغرب، فإن قيامها بالنسبة إلى الدول التي تسيطر اليوم على أجزاء من كوردستان قد يكون، قبل كل شيء، خيارًا مصيريًا لها ولأجيالها القادمة. فالدول التي تتقاسم جغرافيا كوردستان اليوم ليست مضطرة إلى…

د. محمود عباس ولكن أين أصبحت إيران اليوم؟ لكن الإمكان شيء، والواقع الذي انتهت إليه إيران شيء آخر يكاد يكون نقيضه. فحين نضع جانبًا للحظة صورة إيران التي كان يمكن أن تكون عليها اليوم بما تملكه من ثروات وموقع وقوة بشرية، ثم ننظر إلى إيران القائمة فعلًا، تصبح المقارنة أكثر إيلامًا من أي إدانة سياسية. فأين…

بلاغ صادر عن أحزاب اللقاء التشاوري في ظل التطورات المتسارعة التي تشهدها سوريا، وما يرافقها من تحولات سياسية وأمنية وإدارية، عقدت أحزاب اللقاء التشاوري اجتماعها الاعتيادي بتاريخ 1 أيلول 2026 في مدينة قامشلو، وناقشت خلاله آخر المستجدات على الساحتين السورية والكردية، ولا سيما التطورات المتعلقة بعملية الدمج، والإعلان عن حل قوات سوريا الديمقراطية والإدارة الذاتية، وملف الحقوق القومية والسياسية للشعب…