من الفتوحات الإسلامية إلى فتح عفرين.. الحلقة السادسة (تأصيل المصطلحات)

حيدر عمر

عند الحديث عن الفتوحات / الغزوات  الإسلامية سترد مصطلحات عديدة رافقت الغزو أو نتجت عنه، يجدر بنا أن نقف عندها و نعرِّفها، ثم ننتقل إلى الحديث عن سير الفتوحات، وذلك لِما لهذه المصطلحات من دور كبير في توسيع رقعة الفتوحات وامتدادها إلى جغرافيات أخرى، أنتجت امبرطورية عربية إسلامية واسعة الأرجاء. هذه المصطلحات هي: 

الفَتْحُ. الفتح  في اللغةً نقيض الإغلاق([1])، وفَتَحَ الباب: أزال إغلاقه، خلاف إغلاقه.  أما اصطلاحاً: فَتَحَ المدينة أو البلدة: احتلها، غلب عليها وتملَّكها([2])، والفَتْحُ: النصر وافتتاح دار الحرب، وجمعه فتوح([3]). من هذا المعنى الاصطلاحي يتبيَّن أن الفتوحات / الغزوات الإسلامية تعني “خروج القبائل العربية المسلمة إلى البلاد المختلفة والأقطار النائية وإدخالها ضمن الدولة الإسلامية”([4])، وتعني احتلال تلك البلدان المختلفة الكافرة وتملُّكها، واللجوء إلى القوة والحرب إن اقتضت الضرورة بغية إخضاع تلك البلدان وشعوبها بكل ما يعني الخضوع من انقياد ومذلٍّة([5])، وبكل ما يعنيه التملُّك من استيلاء وقهر وغصب وعَنوة، ثم التصرُّف بها كما يتصرَّف المالك بأملاكه.

       الصلح. الصلح  لغةً يعني إنهاء الخصومة وإنهاء حالة الحرب، وقد يكون الصلح بعد قتال أو من دون قتال. واحتُلَّت هذه البلدة صُلحاً أي لم يُغلبوا ولكن صولحوا على خَرْجٍ يؤدَّونه([6])، أي يُتَّفق على مال يؤديه المغلوب، ويكون الصلح في مثل هذه الوقائع، وفق مشيئة المنتصِر، الذي يملي شروطه العسكرية والأدبية والأخلاقية والمالية على المنهزمين. من ذلك مثلاً أن العلاء بن الحضرمي صالَح أهل زارة في البحرين على أن له ثلث المدينة وثلث ما فيها من الذهب.

    العَنْوَة: والعَنوة بفتح العين وسكون النون وفتح الواو، في الفتح هي القهر والغلبة والخضوع([7]). وهي ضد الصلح، وأخْذُ الشيء بالغلبة([8])، وهي القهر. أخذته عَنوة أي قسراً وقهراً. أخذه عَنْوَة أي عن طاعة وعن غير طاعة. وفُتِحَت هذه البلدة عَنْوة، أي فُتِحَت بالقتال، قوتل أهلها حتى غُلِبوا عليها، وهي ما أُخِذ عَنوة. وأرض العَنوة هي التي  انتصر فيها المسلمون بالقوة والغلبة، ويقابلها أرض الصلح، وهي التي صالح أهلها.([9]) 

     وعَنَا أرض جاره، يعني أخذها بالقوة والقهر والقسر.([10]) وفُتِحَت هذه البلدة عَنوة، أي أحتًلَّت بالقتال، قوتل أهلها حتى غُلِبوا عليها، و هي ما أوجف عليه المسلمون بالخيل والركاب، وأجلوهم من ديارهم، وتركها أهلها  بالرعب([11])، ما يعني أن الغزو الإسلامي لم يقف عند نشر الدين بين الناس في البلاد المفتوحة فحسب، بل عمل على تهجيرهم من أراضيهم وبلدانهم أو من جزء منها وإسكان القبائل العربية فيها. 

الأنفال. الأنفال بفتح الهمزة، هي الغنائم. وأصل معنى النَّفَل هو الزيادة. ولذلك يرى البعض أن الأنفال هي الزيادات يُزيدها الإمامُ بعضَ الجيش أو جميعَه، إما من سهمه (سهم الإمام) على حقوقهم من القسمة، وإما مما وصل إليه بالنَّفَل أو ببعض أسبابه، ترغيباً له وتحريضاً لمن معه من جيشه على ما فيه صلاحهم وصلاح المسلمين.([12])

الغنيمة.  تُسمَّى الأنفال أيضاً([13]). في اللغة الغنيمة تعني الربح والفضل. (الفيء والغنيمة مأخوذان من الكفار انتقاماً منهم. ومال الفيء مأخوذ عفواً، بينما مال الغنيمة مأخوذ قهراً.([14]). والغنيمة: هي ما أفاء الله على المسلمين من أموال المشركين بغلبة وقهر.([15]).  

الغنيمة أيضاً هي ما غُنِم من أموال المشركين من الأراضي، كأرض خَيْبَر  يُقسم منها الخُمس لبيت مال المسلمين، والباقي يُوَزَّع، فإن النبي قسَّمها بين أصحابه بعد إفراد الخُمْس، وصارت كل أرض لقوم مخصوصين. ومن الغنيمة الأموالُ الصامتة التي يُؤخذ خُمْسُها، ويُقسم الباقي على مَن حضر القتال، للفارس ثلاثة أسهم، وللراجل سهم واحد. المَعْنَمُ والغَنيمُ والغنيمةُ والغُنْمُ: الفيء والفوز بالشيء بلا مشقَّة. (القاموس المحيط، ص 1207). والغنيمة في الاصطلاح الفقهي هي ما أُخِذ من أهل الحرب عَنوة والحرب قائمة، وجمعها غنائم.

الجزية والخراج يؤخذان من مُشرك صَغاراً وذَلَّة. والجزية تؤخذ مع بقاء الكفر وتسقط بحدوث الإسلام. والخراج يؤخذ مع الكفر والإسلام. فأما الجزية فهي موضوعة على الرؤوس (الأفراد) وتسقط بحدوث الإسلام. والخراج يؤخذ مع الكفر والإسلام.([16]) .

والجزية مقدار من المال (دينار أو ديناران أو أكثر) عن كل فرد، واسمها مشتق من الجزاء، وهي تُؤخذ من المرء صَغاراً، أي إجباراً. (الأحكام السلطانية ص 181).           

والخَراج لغةً الغَلَّة، يُقال: خارجتَ فلاناً إذا وافقتَه على شيء من الغَلَّة يؤديه إليك كل مدة. واصطلاحاً هو ما وُضِع على الأرض من حقوق تؤدَّى عنها إلى بيت المال. وأرض الخراج هي التي وُضِعت عليها ضريبة الخراج، وهي الأرض التي فُتِحَت عَنوة لا صلحاً.([17]). أو هو أن يؤدِّي العبد إليك خراجه، أي غَلَّته. وهو شيء يخرجه القوم في السنة من مالهم بقدر معلوم. وهو الإتاوة تؤخذ من أموال الناس. (لسان العرب ص 1152). والخَرْجُ: الإتاوة. (القاموس المحيط، ص 450). (وانظر: معجم المصطلحات والألفاظ الفقهية، ج 2، ص 18، 20). وقد اعتبر عمر بن الخطاب كلاً من الجزية والخراج رمز الخضوع”([18])،  

والصلة بين الخراج والعُشر: كلاهما يجب على غير المسلم، ويُصرَف في مصارف الفيء، لذا أطلق عليه بعض الفقهاء الجزية العشرية، والفرق بينهما: أن الخراج يوضع على الأرض، أما العُشر فيوضع على الأموال التجارية. والصلة بينه وبين الجزية: أنهما يجبيان من أهل الذمة، ويُصرفان في مصارف الفيء. والفرق بينهما: أن الجزية توضع على الرؤوس، بينما الخراج يوضع على الأرض، وأن الجزية تسقط بالإسلام، أما الخراج فلا يسقط، ويبقى مع الإسلام والكفر.([19])

الخراج الصلحي. هو الخراج الذي يوضَع على الأرض التي صولح عليها أهلُها، على أن تكون الأرض لهم، ويقرُّون عليها بخراج معلوم. فما صالحوا على بقائه بأيديهم من أموال فهو مال صلحٍ أرضاً كان أوغيره. ( (معجم المصطلحات والألفاظ الفقهية، ج 2، ص 20).

الخراج العَنوي: هو الخراج الذي يوضع على الأرض التي افتُتِحت عَنوة بعد أن وقفها الإمام على جميع المسلمين، ويدخل فيه الخراج الذي يوضع على الأرض التي خلا عنها أهلها مخافة المسلمين. (معجم المصطلحات والألفاظ الفقهية، ج 2، ص 21).

الفيء. الفيء في اللغة هو الرجوع من حالة محمودة. وهو ما كانت عليه الشمس فزالت عنه، فهو  فيء وظلٌّ، وما لم تكن عليه الشمس، فهو ظِلٌّ. وفي الاصطلاح الديني هو ما ردَّه الله على أهل دينه من أموال مَن خالف أهل ملته بلا قتال، إما أن يجلوا عن أوطانهم ويخلُّوها للمسلمين، أو يصالحوا على جزية يؤدَونها على رؤوسهم، أو مال غير الجزية يفتدون به من سَفْك دمائهم، فهذا المال هو الفيء. وكل ما هو  فيءٌ لا يكون فيه نصيب لأهل البلاد المفتوحة، وذلك واضح فيما كتبه عمر بن الخطاب لسلمة بن قيس الأشجعي، وقد أمَّره على جمع من المسلمين: “سرْ باسم الله، قاتل في سبيل الله من كفر بالله، فإذا لقيتم عدوكم فادعوهم إلى الإسلام فإن أجابوا وأقاموا في دارهم فعليهم الزكاة وليس لهم من الفيء نصيب“.([20])  

وإن ما فُتِح عّنوة كان فيئاً للمسلمين الذين شهدوا الفتح ويُقسَّم بينهم. أما الذين رغبوا في الصلح مثل وادي القرى وفَدَك أو جلوا عن أوطانهم من غير أن يأتيهم أحد من المسلمين، كأموال بني النضير، فأمره إلى رسول الله والأئمة من بعده، يقسمون أمواله على من يريدون. ويدخل في الفيء ما اجتُبي من أموال أهل الذمة من جزية رؤوسهم التي بها حُقِنَت دماؤهم وحُرِّمت أموالهم، بما صالحوا علية من جزية، ومنه خراج الأرضين التي افتُتِحت عَنوة، ثم أقرَّها الإمام بأيد أهل الذمة على قسط يؤدُّنه في كل عام.

وكلا مفهومَيْ القهر والقسر  يدلان على الغلبة والإكراه. ففي معجم اللغة العربية، قسره على بيع أرضه: أكرهه وأجبره على بيعها، وقهره: احتقره وتسلّط عليه بالظلم.([21])، وفي لسان العرب، قسره: غلبه وقهره. وقسره على الأمر: أكرهه عليه.([22]). والقهر: الغلبة والأخذ من فوق. وقهره، غلبه. أخذتَهم قهراً، أي من غير رضاهم ([23]).

الصدقة: هي زكاة أموال المسلمين. الصدقة ما تصدَّقتَ به على الفقراء، ما أعطيتَه في ذات الله للفقراء. (لسان العرب، ص 2445). الصَّدَقَةُ: ما أعْطَيْتَه في ذات الله تعالى. (القاموس المحيط، ص 920).

الخُمْس: هو خُمْس غنائم أهل الحرب، ويوضع في بيت مال المسلمين.

القطيعة: لها معنيان، أحدهما هو أن يعمد الإمام الجائز الأمر والطاعة إلى قطعة من الأرض يفرزها عمَا يجاورها، ويَهَبُها لمن يريد، ليعمرها وينتفع بها، إما أن يجعلها منازل يسكنها ويسَكِّنها مَن يشاء، وإما أن يجعلها مُزْدَرَعاً ينتفع بما يحصل من غَلَّتها، ولا خَراج عليه فيها، وربما جُعِل على مُزْدَرَعها خراجٌ. وأما المعنى الآخر، فهو أن يُقْطِع السلطان مَن يشاء من قُوَّاده وغيرهم القرى والنواحي، ويقطع عليهم عنها شيئاً معلوماً يؤدّونه في كل عام. استقطع الإمامُ فلاناً قطيعة، فأقطعه إياها، أي أعطاه إياها. (لسان العرب، ص 3677)  القُطْعَة: قطعة من الأرض إذا كانت مفروزة.  (لسان العرب ص 3679)

أقطعه قطيعة: أي طائفة من أرض الخراج، وأقطعه إقطاعاً: ملَّكه لينفرد به، ويبنيها ملكاً له. والطائع إنما تجوز في عَفْوِ البلاد التي لا مِلْكَ لأحد عليها ولا عِمارة فيها لأحد. (لسان العرب، ص 3677). وقد “أقطع الرسول من أرض بني النضير أبا بكر وعبد الرحمن بن عوف وأبا دجانة سماك بن خرشة الساعدي وغيرهم.”([24]

المظالم: هي الأموال أو الأملاك التي وضعوا أيديهم عليها بغير حق.  

 

 

([1]ابن منظور: لسان العرب، دار المعارف، القاهرة ص 3337.

([2]أحمد مختار عمر: معجم اللغة العربية المعاصرة،الطبعة الأولى عالم الكتب، القاهرة 2008، ص 1664.

([3])  :  القاموس المحيط، ص 1217. الرازي: مختار الصِّحاح، مكتبة لبنان، بيروت 1986، ص 205. لسان العرب، ص 3338.

([4]د. أحمد سيد أحمد علي: الفتوحات الإسلامية بين الآل والأصحاب، الطبعة الأولى، مبرة الآل والأصحاب، الكويت 2011، ص 27.

([5]انظر مادة (خضع) في معجم اللغة لأحمد مختار عمر، ص 657، 658.

([6]لسان العرب، ص 3170.

([7])  د. محمد عمارة: قاموس المصطلحات الاقتصادية في الحضارة الإسلامية، دار الشروق، ص 393. القاموس المحيط، ص 1155.

([8])  ياقوت الحموي: معجم البلدان، دار صادر بيروت 1977، ص39.

([9])  د. محمد عمارة، مصدر سابق، ص 42.

([10]أحمد مختار عمر: معجم اللغة العربية المعاصرة، ص 566.

([11]ابن عبد البر: فتح البر، ج 13، مجموعة التحف والنفائس الدولية للنشر والتوزيع، الطبعة الأولى، الرياض 1996، ص 126.

([12]). د. محمد عمارة: قاموس المصطلحات الاقتصادية في الحضارة الإسلامية، ط 1، دار الشروق، بيروت 1993، ص 70.

([13])  د. محمد عمارة: قاموس المصطلحات الاقتصادية في الحضارة الإسلامية، دار الشروق، ص 70. وانظر د. دكتور محمود عبد الرحمن عبد المنعم: معجم المصطلحات والألفاظ الفقهية،  ج 3، ص 23.

([14]). الماوردي: الأحكام السلطانية، ص 161

([15]).د. محمد عمارة: قاموس المصطلحات الاقتصادية في الحضارة الإسلامية. ط 1دار الشروق، بيروت 1993، ص  70 – 71.

([16]). الماوردي: الأحكام السلطانية. ص 181.

([17]). الدكتور محمود عبد الرحمن عبد المنعم: معجم المصطلحات والألفاظ الفقهية، ج2 ، ص 18 – 20.  

([18]).   د. عبد العزيز الدوري: مقدمة في تاريخ صدر الإسلام، منشورات مكتبة المثنى، بغداد، تاريخ الطبع غير مذكور، ص 20.

([19]). د. محمود عبد الرحمن عبد المنعم: معجم المصطلحات والألفاظ الفقهية،ج 2 جميع أنواع الخراج، ص18 – 21.)

([20]).  ابن الأثير: الكامل في التاريخ، مصدر سابق، 2/445.

([21]مصدر سابق، ص 1810، 1866. 

([22]ابن منظور: لسان العرب، ص 3623. وانظر القاموس المحيط، ص 1321.

([23]لسان العرب، ص 3790. القاموس المحيط، ص 1376.

([24])  البلاذري: فتوح البلدان، شركة، مصدر سابق،  ص 38.

شارك المقال :

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 Comments
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
اقرأ أيضاً ...

سليمان علي أولا: الأهداف البنيوية والمطالب الجوهرية للدكتور سربست نبي تفكيك الشفرة إن الخلاف الذي يقوده الدكتور سربست نبي لا ينطلق من مجرد مناكفة سياسية عابرة، بل يتأسس على حزمة من المطالب السياسية والاستراتيجية الوجودية لكرد سوريا، والتي يمكن تلخيصها في النقاط المفصلية التالية: فك الارتباط العضوي والعسكري عن قنديل يرى الدكتور سربست نبي أن المطلب الأول لإنقاذ ما تبقى…

اعداد (ولاتي مه): صدر صباح الثلاثاء 1 أيلول 2026 العدد 783 من القسم العربي لجريدة «كوردستان»، الناطقة باسم الحزب الديمقراطي الكردستاني – سوريا، بالتزامن مع صدور العدد 324 من القسم الكردي، وذلك في نسختها الورقية. وتصدر «كوردستان» بشكل نصف شهري، ويرأس تحريرها الكاتب عمر كوجري، وتغطي نشاطات الحزب الديمقراطي الكردستاني – سوريا في الداخل السوري وإقليم كردستان، إضافة إلى المناطق…

م. عبدالباقي علي انا شخصياً لا أرى أن اندماج «قسد» ضمن الدولة السورية يمكن اختزاله بتسليم مقرات أو مواقع عسكرية، فالقضية أكبر من ذلك بكثير. نحن نتحدث عن مستقبل دولة، وعن حقوق ومخاوف ومصير مكوّن سوري كامل. إذا كانت النيات صادقة، فلا بد من بناء الثقة والتوصل إلى صيغة وطنية تضمن مشاركة جميع السوريين في دولة حديثة تقوم على المواطنة…

خالد حسو لا أريد أن أرى سوريا في صور السياسيين وخطبهم ووعودهم، بل أريد أن أراها في عيون أطفالها. أريد أن أرى الطفل الكوردي في الشمال، والطفل الدرزي في الجنوب، والطفل السني في الشرق، والطفل العلوي في الساحل، وسائر أطفال سوريا، يذهبون إلى مدارسهم بأمان، ويلعبون في حدائقهم بحرية، ويضحكون معًا دون أن يسأل أحدهم الآخر: من أنت؟ وإلى أي…