سليمان علي
أولا: الأهداف البنيوية والمطالب الجوهرية للدكتور سربست نبي
تفكيك الشفرة
إن الخلاف الذي يقوده الدكتور سربست نبي لا ينطلق من مجرد مناكفة سياسية عابرة، بل يتأسس على حزمة من المطالب السياسية والاستراتيجية الوجودية لكرد سوريا، والتي يمكن تلخيصها في النقاط المفصلية التالية:
- فك الارتباط العضوي والعسكري عن قنديل
يرى الدكتور سربست نبي أن المطلب الأول لإنقاذ ما تبقى من كردستان سوريا، روجآفا، هو قطع الحبل السري الأيديولوجي والعسكري الذي يربط حزب الاتحاد الديمقراطي PYD وقوات سوريا الديمقراطية HSD-SDF بقيادة جبال قنديل، حزب العمال الكردستاني PKK.
هذا الارتباط، بحسب رؤيته، يحول كرد سوريا إلى وقود مجاني في معركة تركية كردية إقليمية لا ناقة لهم فيها ولا جمل، ويمنح أنقرة الذريعة القانونية والعسكرية المستمرة لاجتياح المنطقة وتدمير بنيتها التحتية وتغيير ديمغرافيتها.
- حائط القضية الكردية: الجغرافية والقرار
يطالب نبي بإعادة قرار السلم والحرب والسياسة إلى الداخل السوري الكردي. أي تحويل قسد والإدارة الذاتية من أداة تنفيذية لمشروع الأمة الديمقراطية العابر للحدود، الذي صاغه عبد الله أوجلان، إلى مؤسسات وطنية كردية سورية خالصة تتفاوض مع دمشق والمعارضة والمجتمع الدولي بمنطق المصلحة السورية المحلية، وليس كفرع لتنظيم مصنف دوليا على قوائم الإرهاب.
- وقف نزيف التضحيات العبثية وحقن الدماء
باعتباره شقيقا لشهيد وقريبا لضحايا، يرفع نبي صوتا صادما في وجه القيادة متسائلا: بأي حق ولصالح من يساق آلاف الشبان الكرد السوريين إلى حتفهم في معارك بعيدة عن جغرافيتهم أو في صراعات بالوكالة؟
مطالبه تتركز على أن دماء الشهداء يجب أن تستثمر في بناء كيان سياسي مستقر معترف به، لا أن تبدد كأوراق تفاوضية في صفقات دولية وإقليمية مؤقتة تترك الكرد في النهاية بلا غطاء.
- التحول الديمقراطي وإنهاء حكم الكوادر
يطالب نبي بإنهاء سلطة الكوادر السرية القادمة من خلف الحدود، والتي تدير مفاصل الإدارة الذاتية من خلف الستار، وإعادة السلطة إلى الكفاءات الأكاديمية والتكنوقراط والنخب السياسية من كرد سوريا، وتأسيس نظام تعددي حقيقي ينهي احتكار القوة القسرية وتكميم الأفواه.
ثانيا: سردية المقارنة والاصطدام
القوة الغاشمة للمصطلحات والخيارات المتناقضة
بين خط الدكتور نبي والمنظومة الآبوجية يتكشف شرخ سياسي وفلسفي غير قابل للترميم، تصطدم فيه راديكالية التنظيم مع عقلانية الأكاديميا.
بين عقلانية الدولة وطوباوية الأيديولوجيا
يتحرك الدكتور نبي في مساحة الواقعية السياسية Realpolitik، حيث يبحث عن مكتسبات ملموسة، وحدود جغرافية آمنة، واعتراف قانوني دولي.
في المقابل، تتحرك المنظومة الآبوجية في فضاء الشمولية العقائدية والمشروع الأممي الطوباوي، حيث تختزل القضية الكردية السورية في مجرد حقل تجارب لنظرية الأمة الديمقراطية، ويصبح الحفاظ على هيبة الحزب وإرثه الأيديولوجي أهم بكثير من الحفاظ على المدن والقرى الكردية من السقوط والتهجير.
بين شرعنة التضحيات وتوظيف المأساة
تستند المنظومة الآبوجية في شرعيتها إلى الاستثمار العاطفي في الدم الكردي، وتعتبر أي نقد لأدائها بمثابة خيانة لدماء الشهداء وتجاسر على تضحيات المقاتلين في الخنادق.
وهنا يأتي رد نبي المباغت والصادم. فهو لا ينقد من برج عاجي، بل ينقد كصاحب دم وشقيق شهيد، متهما المنظومة بالمتاجرة بالأرواح والتوظيف الانتهازي للمآسي لتثبيت سلطة شمولية تقمع الكرد أنفسهم قبل غيرهم.
بين الفضاء الإعلامي المفتوح والإنكار التعبوي
يمارس الدكتور نبي ضغطا إعلاميا عابرا للقارات عبر منصات دولية مشهورة، مستخدما أدوات التفكيك الأكاديمي الحاد ومصطلحات العلوم السياسية، مما يعري البروباغندا الحزبية.
هذا الأمر يثير ذعر المنظومة التي اعتادت على الإنكار التعبوي وسوق الجماهير بشعارات ثورية حماسية. وحين تعجز أدواتها الفكرية عن مقارعة الحجة بالحجة، تلجأ فورا إلى القوة الرقمية الغاشمة عبر التجييش والتخوين والاغتيال المعنوي وإطلاق الجيوش الإلكترونية لشيطنته.
ثالثا: الاستنتاج الموسع
سردية المراقب الميداني
من موقع المراقب اللصيق والمحايد لتعقيدات المشهد، يتضح أن ظاهرة التجييش الشرس ضد الدكتور سربست نبي، وانكفاء الأصوات المساندة له في إقليم كردستان العراق إلا من قلة باهتة من كرد سوريا، ليست دليلا على ضعف أطروحاته، بل هي مؤشر صارخ على حالة الرهاب السياسي والانسداد الفكري التي تعيشها الساحة الكردية.
إن بقاء الدكتور نبي في إقليم كردستان العراق دون مساندة صاخبة ومفتوحة من القوى المحلية، كالحزب الديمقراطي الكردستاني PDK، يكشف عن عجز هذه القوى أو عدم رغبتها في تبني خطاب نقدي سوري خالص، رغم المباركات العلنية للقرارات التي تمت اتخاذها في سوريا، إذ قد يفرض عليها ذلك استحقاقات سياسية وميدانية تتضارب مع توازناتها الإقليمية الحساسة واتفاقياتها الأمنية والاقتصادية.
فالإقليم يفضل إبقاء الصراع مع الآبوجية في حدوده العسكرية والأمنية التقليدية، رغم إبقائه ملف كرد سوريا ضمن الحدود الأمنية وبيد رجل تم تكليفه لتفادي الانزلاق في تبني جبهات فكرية أكاديمية سورية قد تنقل الاستقطاب إلى عقر داره.
أما انحصار المساندة في فئة محددة من كرد سوريا على منصات التواصل الاجتماعي، فهو يثبت أن خطابه ضرب العصب الحي العاري للمأساة.
هؤلاء المتضامنون هم الضحايا المباشرون الذين دفعوا فواتير الخسائر والتهجير في عفرين ورأس العين وتل أبيض، ويرون في نبي لسان حالهم المكبوت الذي يمتلك شجاعة قول ما لا يجرؤ الآخرون على همسه تحت وطأة القبضة الأمنية للمنظومة في الداخل، أو وطأة الحاجة والاستقرار الهش في بلدان اللجوء والإقليم.
إنها مواجهة غير متكافئة بالمعايير المادية: مفكر أعزل يمتلك الكلمة والمصطلح الحاد، في مواجهة ماكينة شمولية عابرة للحدود تمتلك السلاح والإعلام والجيوش الرقمية.
كما تظل أطروحات نبي بمثابة جرس إنذار سياسي، يضع الكرد أمام خيارين لا ثالث لهما: إما الانتقال نحو واقعية سياسية وطنية تنقذ الإنسان والجغرافيا، أو الاستمرار في الدوران في فلك أيديولوجيا عسكرية انتحارية تحرق الأخضر واليابس بذريعة المقاومة الأبدية.
1.09.2026