إ. د. اسماعيل حصاف
استاذ التاريخ الحديث والمعاصر
متخصص بالقضية الكردية
موقع كردستان الاستراتيجي
تحتل كردستان موقعا استراتيجيا مركزيا في الشرق الاوسط وغرب آسيا، وكانت، بسبب تضاريسها الجبلية، حصنا طبيعيا. علاوة على ذلك، يسكنها شعب محارب ومحب للحرية، ولذلك كانت على الدوام “بقعة ساخنة” ذات اهمية قصوى، التقت فيها المصالح المتناقضة الحادة، وشهدت اصطدام العديد من القوى المتصارعة.
وبسبب موقعها الجغرافي عند ملتقى القارات الثلاث، وما نتج عنه من نتائج جيوسياسية، تعد كردستان من اكثر مناطق العالم التي عانت الصراعات منذ قرون، وتحولت الى منطقة حروب وصراعات سياسية ودبلوماسية وعسكرية لا نهاية لها، وعلى مستويات مختلفة، ليس فقط على المستوى المحلي، بل على المستوى العالمي ايضا.
وقد اشار كمال باشا الى انه “عندما تكون القوة متعادلة في شروط المعركة في الشرق الاوسط، فان المنتصر سيكون من يسيطر على كردستان”.
حتى بداية القرن التاسع عشر، كان المشاركون الرئيسيون في الصراع من اجل السيطرة على اراضي كردستان هم الامبراطورية العثمانية وايران، ثم دخلت القوى الاستعمارية الاوروبية، وفي مقدمتها روسيا بعد ضم القوقاز، وانجلترا، ولاحقا فرنسا والمانيا.
وفي نهاية الحرب العالمية الاولى بدأت الولايات المتحدة ايضا في اظهار الاهتمام بكردستان. وفي سنوات ما بعد الحرب العالمية الثانية فقدت كل من بريطانيا وفرنسا نفوذهما كدولتين استعماريتين، فطالبتا الولايات المتحدة الامريكية بقيادة المعسكر الغربي.
اما العامل الآخر الذي ساهم في ابراز الدور الامريكي في الشرق الاوسط فهو تفكك الاتحاد السوفياتي وانتهاء الحرب الباردة. وبالتالي، فان القوة الرئيسية التي تسعى حاليا الى استخدام المسألة الكردية لصالحها هي الولايات المتحدة، التي تدعمها انجلترا بشكل اساسي.
ومن سمات مرحلة ما بعد الحرب العالمية الثانية ظهور دول جديدة على الخارطة السياسية، ومنها تركيا الكمالية والعراق وسوريا وايران الشاهنشاهية. وتميزت هذه الحقبة بالمشاركة النشطة لدول الشرق الاوسط، تركيا وايران والعراق وسوريا، في الصراع من اجل السيطرة على الوضع في كردستان.
وحولت هذه الدول الحديثة العهد كردستان الى مستعمرة حقيقية من خلال سرقة مواردها، وطمس الخصوصية القومية الكردية، والتنكيل بالشعب الكردي، وقمع حركاته الاستقلالية.
اهمية كردستان والشعب الكردي
لا يمكن التحدث عن الشرق الاوسط دون اعطاء الاعتبار لكردستان وللشعب الكردي، الذي يعد الى جانب العرب والفرس والترك احد الشعوب الاربعة الرئيسة في الشرقين الاوسط والادنى.
وتثبت دراسات الانتروبولوجيا والاتنولوجيا ان الشعب الكردي عريق في الشرق الاوسط، وقد شارك في مختلف الاحداث التاريخية والسياسية في المنطقة منذ فجر التاريخ.
وتزداد اهمية هذا الدور في العصر الراهن اكثر من اي وقت مضى لاسباب عدة، وتأتي اهمية الثقل الكردي بسبب الطاقات البشرية والاقتصادية والجغرافية الهائلة لكردستان.
اولا: الثقل السكاني
يشكل الشعب الكردي اليوم مجموعة بشرية ضخمة في الشرق الاوسط، اذ يناهز عدد الكرد اليوم اكثر من 50 مليون نسمة.
واذا اخذنا التقديرات السوفياتية بحسب لازاريف (1) والبرت منتشاشفيلي (2) لعام 1983، نرى اللوحة التالية:
تركيا: 47.279 مليون نسمة، وعدد الكرد 14.183 مليون، اي نحو 30 في المئة.
ايران: 41.640 مليون نسمة، وعدد الكرد 7.495 مليون، اي نحو 18 في المئة.
العراق: 14.654 مليون نسمة، وعدد الكرد 4.131 مليون، اي نحو 28 في المئة.
سوريا: 9.814 مليون نسمة، وعدد الكرد 1.275 مليون، اي نحو 13 في المئة.
لكن التقديرات الحالية تشير الى ان عدد الكرد في تركيا يزيد على 30 مليونا، وفي ايران نحو 12 مليونا، وفي العراق نحو 8 ملايين، وفي سوريا اكثر من 4 ملايين نسمة، ما يشكل معا نحو 54 مليونا في كردستان وحدها، عدا وجودهم في دول اخرى.
ثانيا: مساحة كردستان
تبلغ مساحة كردستان اكثر من 530 الف كيلومتر مربع، وهي بذلك تزيد على مساحة ست دول من دول امريكا اللاتينية مجتمعة، وهي: غواتيمالا، هندوراس، كوبا، نيكاراغوا، السلفادور وجامايكا (3).
وحسب ميخائيل سيميونوفيتش لازاريف، فان ثلثي دول العالم تملك مساحة تقل عن مساحة كردستان.
ثالثا: الثروة النفطية
عثر في كردستان على نحو 2600 مليون طن من النفط الخام، اي نحو 8 في المئة من مجمل احتياطي النفط في العالم الراسمالي. وهذه تقديرات سابقة تعود الى نحو نصف قرن، في وقت تتزايد فيه الاكتشافات النفطية في كردستان باستمرار.
فعلى سبيل المثال، ازداد انتاج النفط العراقي من 3.2 ملايين طن عام 1948 الى 34.8 مليون طن عام 1958، اي نحو 11 مرة (4).
كما قدر احتياطي البترول في ايران بنحو 4295 مليون طن، وفي العراق بنحو 3300 مليون طن في نهاية عام 1957 (5).
ومن اصل 78.630 الف طن من النفط المنتجة في بلدان الشرق الاوسط عام 1950، انتج 38.003 الف طن منها في العراق وايران وتركيا، علما ان منابع النفط في الدول الثلاث تقع بشكل اساسي في كردستان.
ووفقا لصحيفة الغارديان البريطانية في 6 شباط 1970، فان النفط المستخرج من كردستان كان يغطي نحو 60 في المئة من ميزانية العراق (6).
ويبلغ احتياطي النفط والغاز المؤكد في كردستان العراق، بحسب بعض التقديرات، 45 مليار برميل من النفط و100 تريليون قدم مكعب من الغاز، وهو ما يمكن ان يشكل اساسا لتنمية الاقتصاد القومي.
وفي تركيا تتركز احتياطيات النفط، التي تعد حاليا هدفا للتنمية الصناعية، في جنوب شرق البلاد، ولا سيما منطقة باطمان. وعلى الرغم من ذلك، فان انتاجها النفطي، وفقا لبعض التقديرات، يوفر نحو 10 في المئة فقط من احتياجات تركيا من هذا النوع من مصادر الطاقة.
واليوم تنتج كردستان العراق 50 في المئة من القمح، و40 في المئة من الشعير، و98 في المئة من التبغ، و30 في المئة من القطن، و50 في المئة من الفاكهة المنتجة في العراق، واحتفظت بدورها باعتبارها سلة غذاء العراق (7).
وبالتالي، فان القوى التي تسعى الى السيطرة على كردستان لا تحركها دوافع جيوسياسية وجيوستراتيجية فقط، بل تضاف اليها مصالح جغرافية واقتصادية جدية، حيث تقع معظم اراضي كردستان المجزأة في الشرق الاوسط في موقع ذي اهمية عالمية لانتاج النفط.
رابعا: الثروة المائية
تمتلك كردستان، الى جانب سلاح النفط، سلاحا آخر سيكون له دور فعال في الصراعات الدولية مستقبلا، واعني بذلك سلاح المياه، اذ تنبع في كردستان مجموعة من اكبر انهار المنطقة.
فنهر الفرات يقع منبعه في كردستان، ويبلغ طوله 2800 كيلومتر، منها 1110 كيلومترات في كردستان.
ونهر دجلة يقع منبعه ايضا في كردستان، ويبلغ طوله 1900 كيلومتر، منها نحو 600 كيلومتر في كردستان.
اما نهر آراس فيبلغ طوله 920 كيلومترا، منها نحو 435 كيلومترا في كردستان.
ويضاف الى ذلك عدد كبير من الانهار الاخرى، كالزاب الكبير والزاب الصغير وبتليس وبوتان وسيروان والخابور وغيرها.
ناهيك عن ان كردستان تقع في منطقة يصل فيها معدل هطول الامطار الى نحو 380 ملم.
خامسا: الموقع الجيوسياسي
تتميز كردستان بموقع جغرافي بالغ الاهمية، باعتبارها معبرا الى القوقاز والخليج الفارسي والشرق الآسيوي والعالم العربي، وستصبح جارة لاوروبا فيما لو دخلت تركيا الاتحاد الاوروبي.
وبذلك فان كردستان، بحق، هي القلب النابض للشرق الاوسط، وكان لها حضور في حسابات مختلف المشاريع والمخططات الدولية، وبخاصة خلال فترة الحرب الباردة التي انطلقت، من وجهة نظر تاريخية، من كردستان بتصفية جمهورية كردستان التي كانت عاصمتها مهاباد، وانتهت فيها على اثر حرب الخليج الثانية.
ودخلت كردستان ضمن المناطق الذرية خلال الحرب الباردة، وفي الحزام الشمالي او ما عرف بالطوق الشمالي الذي وضعه جون فوستر دالس، وزير الخارجية الامريكي آنذاك، وكذلك ضمن نظريات مثل “ريملاند” و”اوراسيا” (8).
وكانت كردستان هدفا للاحلاف الدولية والاقليمية في التاريخ المعاصر، مثل حلف سعد آباد، والناتو، والسنتو، وشكل لهذا الغرض ما عرف بلجنة مكافحة العمل الهدام.
البعد الدولي للقضية الكردية
جاءت الاتفاقية الانكلو فرنسية الروسية بين الحلفاء عام 1915 حول اعطاء المضائق كاول خطوة عملية لتقسيم القسم الآسيوي من تركيا، ومن ضمنه كردستان.
اما المرحلة الثانية من المناقشات الانكلو فرنسية فقد جرت في لندن بين تشرين الثاني 1915 وشباط 1916، بين الانجليزي آرثر نيكلسون، الذي حل محله مارك سايكس، والفرنسي فرانسوا جورج بيكو، واحتلت المسألة الكردية حيزا مهما في تلك المناقشات.
ولا بد من العودة الى معاهدة سيفر بوصفها وثيقة دولية اعترفت بالكرد للمرة الاولى في التاريخ الدولي المعاصر، ويمكن ان تصبح حجة للدفاع عن الحق الكردي لدى انعقاد اي مؤتمر دولي مستقبلي بشأن المسألة الكردية، ما دامت الدول العظمى تتحمل مسؤولية تاريخية حيالها.
الولايات المتحدة الامريكية والقضية الكردية
في العقود الاخيرة، اصبح الشرق الادنى والاوسط احد اهم مجالات السياسة العالمية للولايات المتحدة، وهو ما تحدده بدرجة كبيرة المصلحة الاقتصادية الامريكية في موارد الطاقة الغنية في هذه المنطقة.
كما استند الجانب الايديولوجي للسياسة الامريكية الى نشر النموذج الامريكي للديمقراطية في دول العالم.
وقد تسبب استمرار عدم الاستقرار في كردستان طوال الحرب الباردة، وخاصة في جنوب كردستان، في اثارة قلق بالغ لدى الولايات المتحدة، التي رأت فيه تهديدا لمصالحها الحيوية في الشرق الادنى والاوسط.
وفي هذا الاطار تسعى الولايات المتحدة، باستخدام وسائل مختلفة، الى بسط نفوذها العالمي، ولا سيما بعد تفكك الاتحاد السوفياتي وتراجع دور روسيا الاتحادية نسبيا.
وفي هذا المجال كانت واشنطن مستعدة للعمل داخل اطار الامم المتحدة او الناتو وخارجهما.
وتمثلت احدى مهام “العولمة على النمط الامريكي” في انشاء نظام عالمي جديد بقيادة الولايات المتحدة الامريكية.
وقد تزامن ذلك مع التغيرات العالمية التي حدثت على المسرح الدولي بعد انهيار الاتحاد السوفياتي، ومع الازمة المتزايدة في مختلف انحاء جنوب غرب آسيا، بما في ذلك كردستان.
تعتمد آفاق الكرد بشكل كبير على سياسة الولايات المتحدة في المنطقة وعلى العلاقة بين الكرد والولايات المتحدة.
وفي هذا الصدد، يواجه الكرد عددا من الاسئلة التي يحتاجون الى الاجابة عنها، آخذين بعين الاعتبار تجاربهم المأساوية.
وسيكون وهما كبيرا للكرد ان يعتقدوا ان مصالح الولايات المتحدة والكرد تتوافق تماما. فللولايات المتحدة مصالحها الاستراتيجية في المنطقة، كما انها تتعرض لضغوط كبيرة من الدول العربية ومن حليفتها في الناتو، تركيا، بما في ذلك بشأن القضية الكردية في العراق.
والوضع في الشرق الاوسط ديناميكي للغاية، حيث تتركز فيه مجموعة من ابرز مشكلات العالم، مثل الصراع العربي الاسرائيلي، والبرنامج النووي الايراني، ومشكلة الارهاب.
ومن الصعب التنبؤ بكيفية استمرار الاحداث، وكيف ستتصرف الولايات المتحدة في حال اجراء مساومات سياسية مع دول المنطقة.
فهل سيصبح الكرد مرة اخرى ورقة مساومة في اللعبة السياسية الكبرى؟
لا يمكن استبعاد مثل هذا التطور. لكن المنطقة، في هذه الحالة، قد تواجه زعزعة استقرار واسعة النطاق لا يريدها احد، لا سيما ان الورقة الكردية تستخدم من قبل اطراف عدة.
وتدرك واشنطن جيدا ان عدم حل القضية الكردية سلميا في غرب آسيا من شأنه ان يؤدي الى زعزعة الاستقرار، الامر الذي قد يعرض المصالح الامريكية للخطر.
لكن من جهة اخرى، وبحكم التطورات التي حصلت مع بداية الالفية الثالثة، اصبحت الولايات المتحدة الشريك الاستراتيجي الرئيسي للكرد في الوقت الحاضر.
وهذا نتيجة لتقاطع موضوعي في المصالح يدفع الادارة الامريكية الى القيام بخطوات معينة تصب في صالح الكرد.
كما ان الاتجاه العام للسياسة الكردية، المبني على القيم العلمانية والديمقراطية، يعد احد العوامل التي تحافظ على تماسك هذا التحالف.
ولا بد من القول ان هذه ظاهرة جديدة في الوضع الجيوسياسي الاقليمي.
وقد التقت مصالح الولايات المتحدة والكرد في محاربة الارهاب العالمي، والسعي الى تحقيق التحولات الديمقراطية في العالم العربي وغرب آسيا، واعادة التوازن الاقليمي في اطار مشروع الشرق الاوسط الكبير، بما يسمح للكرد بالحصول على حقوقهم القومية.
ان العلاقات الامريكية الكردية مبنية على قواعد اللعبة الكبرى. فالولايات المتحدة تنوي استخدام العامل الكردي في سياساتها في الشرقين الادنى والاوسط.
وتسعى واشنطن الى تعزيز نفوذها في منطقة الشرق الاوسط، والاطاحة بالانظمة التي تعدها معادية لها، والتأثير في البنية الايديولوجية والسياسية لدول المنطقة.
وقد ساهمت هذه السياسة وهذا التعاون الى حد كبير في سقوط حزب البعث في العراق وسوريا، فيما تشير الوقائع، بحسب رأي الكاتب، الى ان النظام الايراني يمر بمرحلة ضعف متزايدة.
سياسة الدول المقسمة لكردستان تجاه الكرد
ان التغيرات التاريخية العالمية التي حدثت على المسرح الدولي اثناء الحرب العالمية الثانية وبعدها، وتحرير معظم شعوب المستعمرات، لم تشمل الكرد وكردستان.
فعملية انهاء الاستعمار، التي اجتاحت القارات، لم تشمل كردستان والحركة القومية الكردية.
بل على العكس من ذلك، فان النظام الدولي المنبثق بعد الحرب العالمية الثانية جعل من كردستان، بحسب رؤية الكاتب، مستعمرات فعلية في اطار دول حديثة العهد، فقيرة ومتخلفة، ما دفع الكرد الى انتهاج طريق الكفاح الثوري الديمقراطي دفاعا عن وجودهم.
وفي الوضع الجيوسياسي الجديد، تحولت القضية الكردية الى عامل مؤثر في العلاقات الدولية وفي الجغرافيا السياسية للشرقين الاوسط والادنى، وبشكل خاص منذ النصف الثاني من الخمسينيات.
فقد اشتدت القومية العربية باشكالها المتطرفة، الناصرية وخاصة البعثية، بشكل حاد بسبب تفاقم الصراع العربي الاسرائيلي، وتعقدت القضية الكردية ايضا في ظل اشتداد الراديكالية الاسلامية.
وهكذا تحولت المسألة الكردية الى عامل مؤثر في سياسات كل من الولايات المتحدة وروسيا واسرائيل والدول المقسمة لكردستان.
وازداد دور القضية الكردية في الجغرافيا السياسية للشرق الاوسط وغرب آسيا بشكل خاص منذ النصف الثاني من الخمسينيات، عندما تصاعدت النزعة القومية العربية باشكالها المتطرفة، وخاصة بعد استلام حزب البعث السلطة في العراق وسوريا، وهو ما تسبب في مقاومة شديدة من الحركة التحررية الكردية في هذين البلدين، وخاصة في العراق.
وكان العامل الكردي، الذي يؤثر في مصالح ملايين الناس من شعوب المنطقة والعالم، حاضرا بشكل دائم تقريبا في العمليات السياسية واسعة النطاق في منطقة الشرق الاوسط.
وكردستان هي، وفق هذا المنظور، عامل عدم استقرار دائم للدول التي قسمت اراضيها، وبشكل اوسع للمنطقة بأسرها، علما ان الكرد يعدون اكبر مجموعة قومية في العالم لا تملك دولة خاصة بها حتى الآن.
ومن الصعب تحقيق استقرار دائم في المنطقة ما لم تعترف هذه الدول بالحقوق القومية للكرد ضمن تشكيلات سياسية جديدة يكون للكرد نصيب اساسي فيها، سواء ضمن فدراليات او كونفدراليات اتحادية.
فعلى مدى العقود الماضية، ظلت القضية الكردية احد عوامل عدم الاستقرار في الشرق الادنى والاوسط.
كردستان العراق والتحولات الاقليمية
في اوائل التسعينيات من القرن العشرين، اثناء حرب الخليج، اصبحت كردستان العراق موضع اهتمام كبير من الولايات المتحدة، التي رأت في العامل الكردي وسيلة يمكن استخدامها لتحقيق مصالحها في الشرق الادنى والاوسط.
وبعد حرب الخليج حصل الكرد العراقيون على وضع الحكم الذاتي في كردستان العراق.
وبحلول بداية القرن الحادي والعشرين اصبحت كردستان العراق المركز الجيوسياسي الاكثر تطورا بالمقارنة مع اجزاء كردستان الاخرى في ايران وتركيا وسوريا.
وظلت منطقة الشرق الاوسط وغرب آسيا، بما فيها تركيا وايران وسوريا، من اكثر المناطق سخونة بسبب عدم حل القضية الكردية.
كما ازداد اهتمام الدول الاقليمية بالحكم الذاتي الكردي في العراق.
ورأى البعض ان تحقيق كرد العراق لاهدافهم يهدد الاستقرار السياسي لدول المنطقة التي تضم مناطق كردية، وهي تركيا وسوريا وايران، لان ذلك قد يؤدي الى تصاعد مطالب الكرد في هذه الدول لتحقيق اهداف مماثلة.
وكان من المفترض ان تؤدي دمقرطة النظام السياسي في العراق على “الطريقة الامريكية”، الهادفة الى استئصال كل ما يتعلق بنظام صدام حسين الدكتاتوري، الى تحويل العراق الى نموذج للديمقراطية والاستقرار والامن في المنطقة.
الا ان تنفيذ البرنامج المخطط له ادى الى نتائج عكسية في جوانب عديدة.
فالمبدأ الاثني والمذهبي الذي ترسخ في تشكيل هياكل السلطة العراقية ادى الى تعزيز سريع للاسلام السياسي الشيعي، وانتقال قطاعات سنية واسعة الى المعارضة، بما فيها المعارضة المسلحة، ما اغرق العراق في ازمة عميقة شملت مختلف مجالات الحياة العامة.
وسعت الدوائر الحاكمة في ايران وتركيا وسوريا الى اضعاف حركة الاستقلال الذاتي الكردي في كردستان العراق، مدفوعة بمخاوف من اعادة تقسيم الحدود الحالية لغرب آسيا.
لذلك تعاونت تركيا وايران وسوريا، في فترات مختلفة، عسكريا وسياسيا بهدف الضغط على منطقة الحكم الذاتي الكردية.
كما تطابقت مواقف هذه الانظمة بشأن رفض امكانية اعلان استقلال كردستان العراق، اعتقادا منها ان ذلك سيؤدي الى تفاقم الوضع في كردستان ايران وتركيا وسوريا.
لكن تجربة نحو 35 عاما من وجود كيان كردي بحكم الامر الواقع كشفت عن جوانب اخرى.
فقد اصبحت كردستان العراق حافزا للتنمية الاقتصادية، ليس فقط في جنوب كردستان، بل ايضا في المناطق المجاورة من كردستان ايران وسوريا وتركيا.
ونمت الحركة التجارية وثروة بعض هذه المناطق من خلال التجارة مع اقليم كردستان، بعدما كانت مهمشة اقتصاديا من قبل حكوماتها.
كما لا يمكن تجاهل مدى مساهمة نجاحات التجربة الكردية في التقدم الاجتماعي والثقافي في المنطقة، وتحولها الى نموذج للتعايش المشترك والتسامح الديني في الشرق الاوسط.
واعتقد ان الوقت قد حان لان يعلن الكرد في العراق النظام الكونفدرالي الاتحادي الطوعي في اطار تشكيل جمهوريات اتحادية، من بينها جمهورية كردستان الاتحادية.
الدور الكردي في العراق الجديد
تصرف الكرد، وما زالوا، كوسطاء في الصراعات الشيعية السنية في العراق الجديد.
واصبحت كردستان احد مركزي التفاوض الرئيسيين، الى جانب بغداد، في العراق.
فبعد الانتخابات التي اجريت في 15 كانون الاول 2005، اصبحت كردستان مكانا للمشاورات السياسية بين مختلف القوى السياسية العراقية.
ويعتقد البعض ان تلك الاستراتيجية الكردية كانت خطأ انعكس سلبا على الكرد، ولا سيما مع عدم تطبيق بنود الدستور العراقي المتعلقة بكركوك والمناطق الكردستانية الاخرى، وعودة حكام العراق الى ممارسة المركزية، وقطع رواتب موظفي اقليم كردستان، ومحاولات التهرب من الاستحقاقات التي جاءت بفضل نضال الشعب الكردي ودور البيشمركة.
ومع ذلك، تعد كردستان العراق، بحسب الكاتب، منارة اقتصادية وديمقراطية بالنسبة الى دول المنطقة.
ولعب الكرد دورا مهما للغاية في موازنة مواقف القوى السياسية المختلفة في العراق، ولا سيما مطالب الاغلبية الشيعية.
اما الانعكاس الدستوري لحماية حقوق الانسان والحقوق والحريات الاساسية في الدستور العراقي، فهو يعود بدرجة كبيرة الى الدور الكردي.
القضية الكردية وموارد الطاقة
ان الحقبة الجديدة التي افتتحت مع بداية القرن الحادي والعشرين تضع حل القضية الكردية في دول غرب آسيا على مستوى اكثر اهمية.
فلم تعد القضية مقتصرة على منح الكرد الاستقلال الثقافي وحق استخدام اللغة القومية.
بل يواجه الكرد اليوم قضايا استراتيجية مرتبطة باستخدام وتوزيع موارد الطاقة، من النفط والغاز والمياه الموجودة في اراضيهم، وتشغيل انابيب النفط والغاز التي تمر عبر المناطق الكردية، بالاضافة الى انتاج الغذاء، نظرا الى كون المناطق الكردية من اهم المناطق الزراعية في غرب آسيا.
وقد ادى تدخل القوى الاقليمية والخارجية في الصراعات داخل كردستان الى مضاعفة تعقيداتها وتفاقمها، وهو ما قد تكون له عواقب غير واضحة ولا يمكن التنبؤ بها.
تركيا والقضية الكردية
تلعب تركيا دورا رئيسيا في مسألة مصير الشعب الكردي، وتحتفظ بملف القضية الكردية، وتحاول اعاقة تدويلها في تركيا والعراق وسوريا.
وقد رأت الدوائر الحكومية والعسكرية التركية، ولا تزال، في وجود كردستان مستقلة تهديدا مباشرا لحدودها، بل حتى في وجود حكم ذاتي كردي داخل عراق فدرالي.
وتأتي هذه المخاوف بشكل اساسي من التيارات القومية ومؤسسات الدولة التي كان للمؤسسة العسكرية فيها نفوذ واسع على الحياة السياسية.
وترتبط هذه المخاوف بحقيقة ان الوضع السياسي العام في جنوب شرق تركيا، حيث يعيش الكرد بكثافة، ظل لسنوات طويلة غير مستقر، ويمكن ان يؤدي، في ظل ظروف سياسية معينة، الى ازمة داخلية تتعلق بمستقبل المناطق الكردية.
ويعد مشروع انشاء دولة كردية في جنوب كردستان امرا غير مقبول من وجهة نظر القوميين الاتراك.
ويعتقد كثيرون في تركيا ان كردستان مستقلة، في حال حدوث مزيد من التفكك في العراق، قد تصبح كيانا قوميا ومركز جذب لملايين الكرد الذين يعيشون في الدول المجاورة، ومن ضمنها تركيا.
ويرى جزء من القيادة التركية ان مثل هذه الدولة ستصبح حافزا اضافيا لصعود الوعي القومي الكردي، وهو ما تعتبره تهديدا لمفهوم الدولة القومية الموحدة.
ومع ذلك، هناك رأي آخر يرى انه اذا انضمت تركيا الى الاتحاد الاوروبي، فان وجود دولة كردية مستقلة ومستقرة قرب حدودها لن يؤثر بالضرورة على استقرارها.
فعلى سبيل المثال، يرى الموظف السابق في وكالة المخابرات المركزية ومؤلف كتاب عن قضية كرد تركيا، غراهام فولر، انه “نظرا لان الامور لا تسير على ما يرام في العراق، عاجلا ام آجلا ستكون كردستان المستقلة على جدول الاعمال، ومن غير المرجح ان تتمكن تركيا من منع ذلك بالوسائل العسكرية، لانه في هذه الحالة سيكون عليها استخدام ايران وسوريا كحليفين، وهذا يبدو غريبا الى حد ما” (9).
وتطرح القضية الكردية نفسها في تركيا بإلحاح، فيما يصر القوميون الاتراك على عدم جواز تغيير المسلمات القومية الاتاتوركية والاعتراف بوجود قضية كردية في البلاد، معتبرين ان ذلك قد يؤدي الى الفوضى والانهيار.
وفي المقابل، اسهمت المطالب المتزايدة لممثلي الاتحاد الاوروبي بضرورة البدء بحل القضية الكردية، ورغبة تركيا في الانضمام الى الاتحاد، في دفع القيادة التركية الى السماح بهامش من حرية التعبير للكرد.
لكن هذه الخطوات لم تصل بعد الى المستوى الذي يلبي المعايير الدولية المنشودة.
اوروبا والقضية الكردية في تركيا
يؤثر العامل الكردي على علاقات تركيا مع اوروبا الغربية بطريقة مختلفة.
فعلى الرغم من ان لدول اوروبا الغربية مصالحها الخاصة في المنطقة التي يعيش فيها الكرد، فانها لا تملك بالضرورة الطموحات والخطط السياسية والعسكرية والاستراتيجية ذاتها التي تملكها الولايات المتحدة.
وهذا يمنحها هامشا اكبر في التركيز على قضايا حقوق الانسان والحريات.
وقد تحولت الدول الاوروبية، تاريخيا، من قوى استعمارية الى دول تركز بدرجات متفاوتة على دعم حقوق وحريات الشعوب.
كما ان القومية التركية على النمط الكمالي باتت تخضع لعملية تحول مرتبطة بالتأثيرات الايديولوجية والسياسية الاوروبية، في وقت تسعى فيه تركيا الى التقارب مع الاتحاد الاوروبي.
وتدرك القيادة التركية ايضا ضرورة التعايش الديمقراطي داخل البلاد بين المجموعات الاثنية المختلفة، واحترام هوياتها ووجهات نظرها القومية، وتبني موقف اكثر تسامحا تجاه مختلف الآراء السياسية وتطلعات الاقليات القومية.
ولا يمكن ايضا تجاهل المتغيرات الجارية في العالم.
فقد تبين ان النظام الاجتماعي والسياسي التركي يتمتع بدرجة من المرونة، كما انه مرتبط بقوة بالعالم الغربي.
ومع سعي تركيا الى الانضمام الى الاتحاد الاوروبي، تصبح مجبرة على تلبية جزء من معاييره، ما يدفعها تدريجيا الى مراجعة بعض المواقف الكمالية وتحرير سياستها تجاه الكرد.
وبطبيعة الحال، لا تسير هذه العملية بالسرعة التي يريدها الكرد، كما تواجه مقاومة من قوى تركية مؤثرة ترى في هذه التحولات تهديدا لطبيعة تركيا كدولة قومية موحدة.
ويبدو ان مشروع السلام الذي بات متداولا في تركيا، وقرار حزب العمال الكردستاني التخلي عن الكفاح المسلح والدخول في النضال الديمقراطي السلمي، جزء من هذا التحول.
لكن تركيا لا تزال تعيش حالة بحث عن هويتها بين الاسلاموية والعلمانية.
واذا استمرت في رفض الحل الديمقراطي للقضية الكردية، فان مستقبلها السياسي سيظل محفوفا بالتحديات.
وتشير هذه الاحداث الى ان تركيا قد تشهد خلال السنوات القادمة تغيرات كبيرة في صورتها الجيوسياسية، وسيلعب العامل الكردي دورا رئيسيا فيها.
وقد ظلت القضية الكردية واحدة من العقبات الاساسية في طريق انضمام تركيا الى الاتحاد الاوروبي.
الدور الاوروبي في حل القضية الكردية
هناك نقطة مهمة وحاسمة اصبحت واضحة بشكل متزايد في بداية القرن الحادي والعشرين، وهي ان المنظمات الاوروبية مرشحة للعب دور اكثر نشاطا في حل القضية الكردية في تركيا.
وترتبط مسألة منح الحقوق القومية للكرد داخل تركيا بقضية انضمام هذا البلد الى الاتحاد الاوروبي.
وتجدر الاشارة الى انه، طوال الفترات التي شهدت تفاقم القضية الكردية في تركيا، لم تكتف منظمات حقوق الانسان الاوروبية بطرح القضية، بل ناقشتها ايضا اللجان البرلمانية على مستوى مجلس اوروبا، مؤكدة ضرورة الحل الديمقراطي وغير العنيف للقضية الكردية، ومنح الكرد حقوقا قومية متساوية.
ايران والقضية الكردية
ساهمت السياسة الامريكية تجاه القضية الكردية في تعزيز حركة كرد غرب آسيا، في العراق وتركيا وايران وسوريا، من اجل الديمقراطية ومحاربة الانظمة الشمولية.
وتكتسب القضية الكردية بالنسبة الى جمهورية ايران الاسلامية اهمية متزايدة، اذ تمثل عنصرا اساسيا في استراتيجيتها السياسية في الشرق الاوسط، وفي سياساتها المحلية والاقليمية القائمة على مواجهة الحركة الكردية.
وفي هذا السياق تبدو مبادرات نشطاء حقوق الانسان الايرانيين الذين تحدثوا دفاعا عن حقوق السكان الكرد في ايران خطوة مهمة وايجابية تهدف الى حماية حقوق مختلف المكونات القومية في البلاد، ومنها المكون الكردي.
ويدفع الوضع الجيوسياسي الصعب لجمهورية ايران الاسلامية قيادتها الى اتخاذ اجراءات ضد التطلعات القومية لكرد ايران والعراق وسوريا على المستوى الاقليمي، كما تتخذ القيادة الايرانية خطوات لاضعاف الاهمية السياسية لكرد العراق في المنطقة.
وادى عدم حل القضية الكردية في ايران الى تحول حركة الاستقلال الذاتي للكرد الايرانيين الى احدى ادوات الصراع بين ايران والغرب في غرب آسيا.
كما ابدى الحزب الديمقراطي الكردستاني – ايران استعداده لدعم سياسة التحالف الانكلو امريكي في المنطقة من اجل تغيير النظام الايراني واقامة نظام فدرالي في ايران.
سوريا والقضية الكردية
تعد القضية الكردية في سوريا من القضايا العالقة التي يمكن ان تؤثر بشكل كبير في استقرار البلاد، بسبب رفض الحكومات المتعاقبة الاستجابة للمطالب الكردية المشروعة.
وقد شكل سقوط حزب البعث السوري بعد 62 عاما من التسلط والتفرد، منها 54 عاما من حكم الاسد الاب والابن، حدثا تاريخيا كبيرا ونقطة انعطاف في تاريخ سوريا المعاصر والشرق الاوسط.
وامام النظام الجديد في دمشق جملة من التحديات التي تبحث عن حلول، وعلى رأسها حل القضية الكردية دستوريا، باعتبار الكرد ثاني قومية في البلاد، ووضع دستور جديد يقر بالتعددية القومية والدينية.
فالمجتمع السوري بطبيعته مجتمع متنوع ومتعدد المكونات، يضم الكرد والدروز والعلويين والاسماعيليين والمسيحيين والسنة وغيرهم.
والشعب السوري الذي رفع راية النضال من اجل حريته لن يقبل باستبدال دكتاتورية باخرى.
وما يزيد الامل هو دعوة الولايات المتحدة ودول اوروبا النظام الجديد الى الاعتراف بحقوق جميع المكونات.
ورغم التدخلات الخارجية في الشؤون السورية، فان حل القضية الكردية في هذا البلد يحتل مكانة متقدمة ضمن القضايا المطروحة.
وخلال اكثر من عقدين تحولت القضية الكردية في سوريا الى واحدة من اهم القضايا في الصراع الاقليمي والدولي.
وفي هذه الحالة، فان الوجود الامريكي في المنطقة يعطي املا للكرد ويطمئنهم الى حد ما.
فالولايات المتحدة، من خلال وجودها في المنطقة الكردية، تحاول من ناحية تهدئة الاوضاع واعتبار الكرد حلفاء في مواجهة الارهاب واحتواء تصعيد الصراع المسلح.
ومن ناحية اخرى، تتعامل بمرونة مع تصرفات الحكومة الجديدة، علما ان واشنطن حليفة لتركيا في الناتو، ولها مصالح اقتصادية واستراتيجية مع دول الخليج.
وبالتالي، ليس من السهل ايجاد توازن وخط استراتيجي واضح في ظل هذه المصالح المتناقضة في الصراع على سوريا.
وفي هذه الحالة ايضا، تستخدم الورقة الكردية من قبل اطراف عدة.
روسيا والقضية الكردية
تتخذ روسيا موقفا براغماتيا تجاه القضية الكردية بغية تأمين مصالحها الجيوسياسية.
وتستند السياسة الروسية الى مبدأ التوازن في علاقاتها مع الكرد في الاجزاء الاربعة، وفي الوقت نفسه علاقاتها مع الدول التي قسمت كردستان.
وتقيم موسكو علاقات سياسية واقتصادية مع اقليم كردستان العراق.
كما وفرت للكرد في سوريا، خلال مراحل مختلفة من الحرب ضد داعش، قدرا من الحماية والغطاء الدبلوماسي.
وتنظر روسيا الى كردستان باعتبارها جزءا مهما من التوازنات الجيوسياسية في المنطقة.
في الختام يمكن القول انه، في الالفية الثالثة ومع المتغيرات المتسارعة، حصل الكرد على فرصة تاريخية لتحقيق حلم العديد من الاجيال وانشاء دولتهم الخاصة.
ويعتمد مدى نجاحهم في ذلك على العملية السياسية العالمية، وعلى سياسات القوى العظمى، وعلى التطورات في البلدان التي قسمت كردستان، وقبل كل شيء على تماسك ووحدة الكرد انفسهم.
وهناك امر واحد بات واضحا، وهو انه عند تحليل العمليات الجارية في الشرق الاوسط، وخاصة عند اتخاذ قرارات سياسية من قبل الدول المهتمة بهذه المنطقة، لم يعد من الممكن تجاهل العامل الكردي.
ولا بد من التعامل مع القضية الكردية بوصفها مسألة تاريخية مزمنة، وليس كمشكلة ثانوية عابرة، بل باعتبارها واحدة من القضايا الملحة في الالفية الجديدة.
وينبغي الاخذ بعين الاعتبار ان الكرد ليسوا قبيلة او مجموعة اثنوغرافية، بل شعب له مطالبه الطبيعية في الحصول على دور سياسي مناسب.
لذلك لا بد من اجراء دراسة متخصصة ومتكاملة للعامل الكردي.
ولحل هذه القضية المعقدة، من الضروري وجود تعاون وثيق بين الدول الكبرى في العالم، ومنها روسيا والولايات المتحدة وبريطانيا وفرنسا ودول اخرى، على ان يقوم هذا التعاون على اساس تحقيق الاستقرار والسلام والديمقراطية، وليس فقط على المصالح الضيقة.
ونرى من الضروري عقد مؤتمر دولي حول القضية الكردية، ومن الممكن ان تخرج مبادرة عقد مثل هذا المؤتمر من روسيا.
الاستنتاجات:
- لن يعم السلم والاستقرار السياسي والاقتصادي والثقافي في الشرق الاوسط، مهما كان نوعه وشكله، دون ايجاد حل سياسي جذري ونهائي للقضية الكردية.
- تشكل كردستان طاقة اساسية اقتصادية وبشرية، ولا يمكن الاستفادة منها بالشكل الكامل الا بعد حل قضيتها القومية.
- تشكل كردستان قلب الشرق الاوسط، ولا يمكن الاستفادة من الجسم الكبير الا بقلب قوي ودافق.
- ضرورة العودة الى معاهدة سيفر ووضع الدول العظمى امام مسؤولياتها الدولية والتاريخية.
- انتقال العامل الكردي من مجرد ورقة ضغط تستخدمها القوى المختلفة الى عامل اساسي مؤثر في التحولات الديمقراطية في الشرق الاوسط، ولا سيما بعد التحولات التي شهدها العراق والتغيرات المنتظرة في المنطقة.
- مفتاح الديمقراطية يمر عبر حل القضية الكردية وليس العكس.
- تعد كردستان نقطة التقاء للمصالح الدولية والاقليمية بسبب موقعها الجيوبوليتيكي، اضافة الى التدخلات الدولية، لذلك لا يمكن الاستغناء عن دورها في معادلات المنطقة.
- تتخذ القضية الكردية طابعا دوليا، وتحولت الى قضية ساخنة في الشرق الاوسط والادنى، ولذلك فمن مصلحة جميع الاطراف ايجاد حل لها بما يحقق الامن والسلام والاستقرار في المنطقة.
- يرى الكاتب ان النظام الكونفدرالي هو الافضل لحل القضية الكردية في تركيا وايران والعراق وسوريا.
- من الملاحظ وجود زيادة سريعة ومضطردة في نسبة الكرد ضمن التوازن القومي لهذه البلدان. وكانت اورميا في ايران، قبل سنوات، مدينة ذات تركيبة سكانية كردية واذربيجانية، فيما ازداد فيها الحضور الكردي بصورة ملحوظة.
كما توصف اسطنبول، في تعبير شعبي، بانها “اكبر مدينة كردية في العالم”، نظرا الى وجود عدة ملايين من الكرد فيها، حتى انه يمكن لمن يتحدث الكردية فقط ان يعيش في بعض مناطقها دون حاجة كبيرة الى مترجم.
وقد شكل تزايد عدد السكان الكرد موضع اهتمام لدى مؤسسات الدولة التركية، ومن ضمنها مجلس الامن القومي.
اخيرا، انهي هذه المداخلة بما كتب عن دور الكرد واهمية كردستان.
فقد كتب المفكر والديمقراطي الارمني خجاتور ابوڤيان (1805 – 1846) في مقالته عن الكرد:
“من الممكن تسمية الكرد بفرسان الشرق بكل معنى الكلمة فيما لو مارسوا حياة الحضر بشكل اكثر” (10).
اما كمال باشا، الذي وصفه ارمسترونغ بـ”الذئب الاغبر”، فقد اشار في وقته الى انه:
“عندما تكون القوة متعادلة في شروط المعركة في الشرق الاوسط، فان المنتصر سيكون من يسيطر على كردستان” (11).
المصادر:
- م. لازاريف، الكرد والمسألة الكردية، مجلة “آسيا وافريقيا اليوم”، العدد 12، 1983، ص 37، باللغة الروسية.
- أ. م. منتشاشفيلي، الكرد، موسكو، 1984، ص 3، باللغة الروسية.
- الدكتور بيجرماني “اسماعيل حصاف”، كردستان الوطن والقضية في المواثيق والمواقف الدولية، 1986، ص 9.
- صلاح الدين سعدالله، كردستان والحركة الوطنية الكردية، بغداد، 1959، ص 18 – 19.
- المرجع نفسه، ص 19.
- صحيفة الغارديان البريطانية، 6 شباط 1970.
- Хошави Бабакр. Экономическая программа Курдистана. Kurdistan.ru، 30.04.2006.
- د. اسماعيل حصاف، الكرد ومشروع الشرق الاوسط الكبير – الجديد، ولاتي مه، 26 تشرين الثاني 2006.
- Сakir R. Turkiye’nin Kurt Sorunu. 1st. 2004، ص 117.
- خ. ابوڤيان، المؤلفات الكاملة، الجزء الثامن، يريفان، 1958، ص 360 – 361.
- الدكتور بيجرماني “اسماعيل حصاف”، المرجع السابق، ص 8.