م. عبدالباقي علي
انا شخصياً لا أرى أن اندماج «قسد» ضمن الدولة السورية يمكن اختزاله بتسليم مقرات أو مواقع عسكرية، فالقضية أكبر من ذلك بكثير. نحن نتحدث عن مستقبل دولة، وعن حقوق ومخاوف ومصير مكوّن سوري كامل.
إذا كانت النيات صادقة، فلا بد من بناء الثقة والتوصل إلى صيغة وطنية تضمن مشاركة جميع السوريين في دولة حديثة تقوم على المواطنة والعدالة، لا على الغلبة والإقصاء.
أما إذا كان كل طرف يحاول شراء الوقت بانتظار اللحظة المناسبة لإضعاف الآخر أو إلغائه، فلن تكون النتيجة سوى صراع جديد يدفع ثمنه السوريون جميعاً.
والمشكلة أن الهمج والمتطرفين من الطرفين لا يريدون لهذه التفاهمات أن تتقدم بهدوء؛ فمع كل خطوة إلى الأمام يثيرون زوبعة جديدة، ويحوّلون كل حركة أو إجراء إلى مادة للتحريض والتخوين والشماتة، وكأنهم يعيشون على استمرار الصراع ولا يجدون لأنفسهم مكاناً إلا في أجواء التوتر والكراهية.
وأما الأصوات والتهليل الذي صدر عن البعض عند دخول قوات الأمن العام إلى مدينة الحسكة، وكأن ما حدث انتصار لطرف وهزيمة لطرف آخر، فأقول لهم: تهليلكم لن يغيّر من حقيقة أن ما يجري يتم وفق اتفاقات وتفاهمات بين الأطراف، ومع الأسف، تحت إشراف وضغط خارجي أيضاً. لذلك لا داعي لمحاولة تصوير كل خطوة وكأنها عملية إخضاع أو كسر لإرادة الكرد.
وأقولها بوضوح أيضاً: أنا لستُ قَسَديّاً، ولدي خلافات سياسية وفكرية واضحة مع «قسد»، وأرى أن من الضروري إخضاع تجربتها وسياساتها لمراجعة نقدية جادة ومسؤولة، بعيداً عن التبرير أو التقديس. كما يجب تقييم أخطائها وقراراتها بموضوعية، وتحميلها مسؤوليتها عن حصتها مما آلت إليه كثير من الأمور، من دون إغفال مسؤوليات الأطراف الأخرى أو تعقيدات الواقع السياسي والعسكري.
كما أنني لست راضياً عن تجربتها الإدارية. فقد امتلكت لأكثر من عشر سنوات فرصة كبيرة، بل ربما فرصة ذهبية، لتقديم نموذج مختلف في الإدارة المحلية؛ نموذج يجعل خدمة المواطن أولوية، ويطور البنية التحتية والخدمات والاقتصاد، ويبني مؤسسات أكثر كفاءة وشفافية. لكنها، برأيي، لم تستثمر هذه الفرصة بالمستوى الذي كان منتظراً منها، ولم تستطع تقديم نفسها للناس كنموذج أفضل بما يكفي.
ومن هنا، فإن نقد «قسد» ليس عداءً للكرد، والدفاع عن حقوق الكرد لا يعني تقديس «قسد». يمكنني أن أختلف مع «قسد» سياسياً وفكرياً، وأن أنتقد إدارتها وأحمّلها مسؤولية أخطائها، وفي الوقت نفسه أرفض تماماً أن تُحمَّل القضية الكردية أو الشعب الكردي ثمن تلك الأخطاء.
كما يجب ألا ننسى أن «قسد» لم تكن يوماً قوة كردية خالصة، ولم تقدّم نفسها باعتبارها الممثل الحصري للكرد أو القوة المكلفة بحماية حقوق الكرد وحدهم، بل ضمّت منذ تأسيسها مكونات سورية مختلفة.
وهنا تكمن المفارقة: البعض يريد اليوم تحميل «قسد» وحدها كل القضية الكردية، ثم يتعامل مع أي تفاهم أو إعادة انتشار لها وكأنه هزيمة للكرد أنفسهم. وهذا خلط بين تنظيم عسكري وسياسي من جهة، وبين شعب له وجوده وحقوقه وتطلعاته من جهة أخرى.
ومن المؤسف أن بعض الأصوات ما زالت تتعامل مع الكرد بعقلية الانتقام والسحق، وكأنهم ليسوا جزءاً أصيلاً من سوريا. دفع الكرد بالقوة إلى ما لا يريدونه لن يصنع استقراراً، بل سيزيد الاحتقان ويعمّق الانقسام.
إذا كان الهدف فعلاً بناء سوريا جديدة، فلا ينبغي لأحد أن يتعامل مع هذه المرحلة بعقلية المنتصر والمهزوم. سوريا المستقبل يجب ألا تكون دولة ينتصر فيها مكوّن على آخر، بل دولة ينتصر فيها السوريون جميعاً على عقلية الإقصاء والحقد والحروب.
وأقولها بوضوح لكل من يخلط الأمور عمداً أو جهلاً: لا تخلطوا بين مصير «قسد» وحقوق شعب بأكمله. التنظيمات والتشكيلات العسكرية قد تتغير، وقد تندمج أو تنتهي، أما وجود الكرد في سوريا وحقوقهم السياسية والثقافية والوطنية فلا يمكن اختزالها بتنظيم، ولا إلغاؤها بتغيّر موازين القوة.
القضية الكردية لم تبدأ مع «قسد»، ولن تنتهي باندماجها أو حتى بزوالها. فالقضية قد تمرض، وقد تُحاصر، وقد تتراجع، لكنها لا تموت ما دامت أسبابها قائمة وحقوق أصحابها لم تجد حلاً عادلاً.
لذلك، لا تراهنوا على انتهاء قضية شعب بانتهاء تنظيم، ولا تعتبروا تغير موازين القوة نهاية للتاريخ. التنظيمات تولد وتتغير وتنتهي، أما الشعوب فتبقى، والحقوق لا تموت بالتجاهل، والقضية لا تنتهي إلا عندما تجد حلاً عادلاً.
ومن يريد سوريا مستقرة فعلاً، فليبحث عن الحل لا عن المنتصر، وعن الشراكة لا عن الإخضاع؛ لأن وطناً يُبنى على كسر أحد مكوناته سيبقى وطناً مكسوراً