كيف تكون قيادات وممثليات الكورد في سوريا ذات شرعية وهيبة؟

م. محفوظ رشيد

مقدمة:

لكي تحظى أي قيادة أو ممثلية للشعب الكوردي بالشرعية والهيبة، لا بد أن تستند إلى كيان واضح وملموس، وعنوان معروف، وهيكلية تنظيمية تقوم على قوانين ولوائح وأسس واضحة، ومكاتب متخصصة تحدد المهام والمسؤوليات.
كما ينبغي أن تستند إلى ميثاق أو عقد اجتماعي ينظم العلاقة بينها وبين الشعب، وإلى رؤية سياسية شاملة، قومياً كوردياً ووطنياً سورياً، تعبّر عن تطلعات غالبية مكونات وتيارات وأطياف المجتمع الكوردي.
وتحتاج هذه القيادة كذلك إلى برامج وخطط واضحة للدفاع عن حقوق الشعب ومصالحه، وتحقيق الأمن والاستقرار، مع الالتزام بالميثاق والنظام الداخلي، ووجود مرجعيات تشريعية وتنفيذية من أصحاب الخبرة والكفاءة والمصداقية، تخضع لها القيادة من خلال آليات واضحة للرقابة والمساءلة والمحاسبة.

معايير الشرعية:

تكتسب القيادات والممثليات شرعيتها وثقة المجتمع وفق الظروف السياسية والميدانية، وأبرز مصادر الشرعية هي:

1. الشرعية الثورية:
وتنشأ في ظروف النضال الوطني، حين تفرض حركات التحرر أو الأطر الائتلافية نفسها بحكم الواقع، ولا سيما في مراحل العمل السري أو الكفاح المسلح والظروف الأمنية المعقدة.
2. الشرعية الشعبية:
وهي الأقوى والأكثر استدامة، لأنها تستمد من إرادة الشعب، وتتحقق أساساً عبر:
الانتخاب الحر والمباشر من خلال انتخابات نزيهة وشفافة، بعيداً عن الضغط والتزوير.
التوافق الوطني الجامع عند تعذر إجراء انتخابات مباشرة، من خلال مؤتمر شامل يضم القوى والفعاليات والنخب السياسية والثقافية والاجتماعية.

وفي هذا السياق، شكّل كونفرانس 26 نيسان 2025 لوحدة الموقف والصف الكوردي محطة مهمة في تاريخ الحركة الكوردية، بصرف النظر عن بعض الأخطاء أو الهفوات التي رافقته.

متى تفقد القيادة شرعيتها؟

تفقد القيادات والممثليات ثقة الشعب وشرعيتها، خصوصاً عندما:
▪️︎ تُفرض على الشعب من قوى خارجية، وفق أجندات أو تفاهمات أو محاصصات محلية أو إقليمية.
▪️︎ تُعطّل الإرادة الشعبية، أو تحتكر السلطة والتمثيل، أو تنحرف عن أهداف المجتمع ومصالحه، أو تتمسك بالمناصب من دون تفويض شعبي متجدد.
▪️︎ تفشل في إثبات حضورها وأداء مسؤولياتها، وتعجز عن تحقيق إنجازات ومكاسب ملموسة في القضايا القومية والوطنية والحقوقية والأمنية والمعيشية والخدمية.

#ملاحظات_أساسية:

الحركة الكوردية لا تقتصر على الأحزاب السياسية، بل تضم أيضاً الشخصيات الوطنية المستقلة، والنخب والفعاليات السياسية والثقافية والاجتماعية، ومنظمات المجتمع المدني والشباب والنساء والحقوقيين. لذلك، لا يجوز اختزال إرادة الشعب الكوردي في حزب أو إطار واحد.

ولا يستطيع أي طرف حزبي، مهما كان حجمه أو حضوره، أن يمثل الشعب الكوردي بأكمله أو يتحدث باسمه ويتخذ قرارات مصيرية نيابة عنه، بما في ذلك عقد الاتفاقات التي تحدد مستقبله. وأي طرف يقدم على ذلك يتحمل مسؤوليته التاريخية والوطنية والقانونية والأخلاقية عن نتائجه وتداعياته.

وبالتالي، فإن القيادات الحزبية أو المبادرات الشخصية لا تمثل الكورد تلقائياً، ولا تعبّر عن رؤيتهم إلا إذا استندت إلى تفويض شعبي حقيقي واستوفت معايير الشرعية والتمثيل والتوافق.

توصيات:

أمام المرحلة الانتقالية الراهنة والحاجة إلى مشاركة فاعلة في بناء سوريا الجديدة، تبرز ضرورة توحيد الصف والخطاب السياسي الكوردي وتشكيل مرجعية شرعية مستقلة في إرادتها وقرارها، تعبّر عن تطلعات الشعب الكوردي في سوريا، بعيداً عن الوصايات والإملاءات والولاءات الخارجية.
وفي الوقت نفسه، ينبغي الحفاظ على العمق الكوردستاني من خلال التعاون والتنسيق والتشاور في القضايا القومية المشتركة، مع احترام استقلالية القرار وعدم التدخل في الشؤون الداخلية.

أما وطنياً، فينبغي التأكيد على مبدأ المواطنة المتساوية في الحقوق والواجبات، والمشاركة العادلة في السلطة والثروة، ضمن سوريا موحدة ذات سيادة، يحكمها دستور عصري يقوم على الحرية والديمقراطية والعدالة واللامركزية والتعددية، ويضمن حقوق وخصوصية جميع المكونات القومية والدينية والطائفية، وفي مقدمتها الشعب الكوردي.

ولتحقيق ذلك، يمكن العمل وفق أحد مسارين:

أولاً: تطوير مخرجات كونفرانس 26 نيسان وتوسيعها لتشمل أوسع شريحة ممكنة من الشعب الكوردي، وتشكيل مرجعية تمثل مختلف مكونات الحركة والمناطق، على أساس النزاهة والخبرة والكفاءة، بعيداً عن المحاصصة والاصطفافات والمحسوبيات والأجندات الخارجية والمصالح الحزبية والأنانيات الشخصية.

ثانياً: عقد مؤتمر وطني كوردي جامع يضم القوى والأحزاب والمنظمات الفاعلة، إلى جانب النخب والشخصيات والفعاليات المجتمعية، بهدف التوافق على رؤية سياسية مشتركة وانتخاب مرجعية كوردية شرعية تقود النضال السياسي لتحقيق حقوق الشعب الكوردي وتطلعاته، وفق الظروف والإمكانات المتاحة.

فالشرعية لا تُمنح بالادعاء، ولا تُفرض بالقوة، وإنما تُبنى بالتوافق والتفويض الشعبي، وتُثبت بالعمل والإنجاز والمساءلة.

 ٢٣ / ٨/ ٢٠٢٦

شارك المقال :

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 Comments
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
اقرأ أيضاً ...

إبراهيم محمود كما يترجل كل منا عن حصانه، في لحظة غير محتسبة، أو مفاجئة، لحظة تطوي صفحة حياة تقدّر بسنوات تترى، هكذا ترجلّ فارس قلمه الذي يسمّى به، كما ينعطف عليه، البروفيسور الدكتور والمؤرخ الكردي العتيد عبد الفتاح علي يحيى بوتاني. كان رحيله المباغت عصر يوم الثلاثاء” 1-9/ 2026 ” وهو في زيارة عمل وواجب اجتماعي إلى الموصل، استرجاعاً لمكان…

كفاح محمود في الطب، لا يُعد الزهايمر مجرد فقدان للذاكرة، بل هو مرض يصيب قدرة الإنسان على الإدراك، وعلى الربط بين الماضي والحاضر، وعلى التعامل الطبيعي مع الواقع من حوله، فالمشكلة ليست فقط أن الإنسان ينسى بعض التفاصيل، بل أنه قد يفقد القدرة على فهم ما يجري، أو يكرر الأخطاء نفسها، أو يعيش في صورة مختلفة عن الحقيقة، وهكذا يمكن…

صلاح بدرالدين عندما حاولت التوسط لرأب الصدع، وبعبارة أدق وقف عدوان ب ك ك على إقليم كردستان العراق دعيت من جانب اللجنة الائتلافية الموسعة المشكلة من جميع الأحزاب المشرفة على انتخابات أول برلمان كردستاني في الإقليم كمراقب، والتي جرت في 19/5/1992 بمشاركة نحو مليون مقترع كانوا يمثلون أكثر من ثلاثة ملايين مواطن، وكانت التجربة الأولى الأهم في الحياة السياسية بالإقليم….

صلاح عمر مصيبتنا الكردية، في كثير من مراحل تاريخنا الحديث، لم تكن في غياب التضحيات، ولا في ندرة الرجال، ولا حتى في نقص الشعور القومي؛ كانت في العجز عن تحويل هذا الشعور إلى عقل سياسي قادر على قراءة العالم كما هو، لا كما نتمنى أن يكون. لقد عرف الكرد كيف يقاومون، وكيف يموتون من أجل قضيتهم، وكيف يحافظون على هويتهم…