الدكتور عبد الفتاح بوتاني إلى جنان الأبدية

إبراهيم محمود

كما يترجل كل منا عن حصانه، في لحظة غير محتسبة، أو مفاجئة، لحظة تطوي صفحة حياة تقدّر بسنوات تترى، هكذا ترجلّ فارس قلمه الذي يسمّى به، كما ينعطف عليه، البروفيسور الدكتور والمؤرخ الكردي العتيد عبد الفتاح علي يحيى بوتاني. كان رحيله المباغت عصر يوم الثلاثاء” 1-9/ 2026 ” وهو في زيارة عمل وواجب اجتماعي إلى الموصل، استرجاعاً لمكان طفولة وأبعد، واغترافاً من ذكريات تناثرت في المدينة التي شهدت ألواناً حياتيه في حياته، وبحثاً أعمق عما كان يشغله في أيامه الأخيرة، وهو يقبل على توثيق ” سوق النبي ” الشهير في الموصول، محلات وزوايا ومقاه ومطاعم ودكاكين وغيرها، تأريخاً من نوع مختلف، كما أعلم بذلك من خلال المتابعة، وعن قرب. المدينة التي أمضى فيها فترة طفولته وصباه وشبابه، الاسم المقروء بمسمّاه أستاذاً جامعياً وأكاديمياً وعميد كلية الآداب في جامعة ” دهوك- مالطا” ورئيس مركز الدراسات الكردية وحفظ الوثائق، قبل أن يصبح مركز بيشكجي للدراسات الكردية، ورئيس الأكاديمية الكردية في أربيل، ودون أن يفارق الكتاب يديه وحضنه صحبة القلم، والورق الذي كان يسطّر بخطه البديع.

يا لها من مسيرة غنية تستحق التقدير، من رجل ٍ إنسان أراد أن يكون إنسان يومه وغده أكثر، بأكثر من معنى، واستثمر طاقاته لتكون تمثيلاً حياً للمعرفة ذات الصلة بشعبه تاريخاً وجغرافية، في أكثر من ” 45 ” كتاباً، أراد أن يمنح لنفسه ما يتوخاها في نفسه، ومنها لتكون طوع رغبته في التعبير عما هو منشود في سبيل قضية شعب، قضية إنسان مطارَد في اسمه، ونسبه، في زمانه ومكانه، برباطة جأش، وسيرورة عزيمة.

بوتاني الإنسان- المؤرخ الضليع في تاريخه كما يريده تاريخه، والذي عاش بين عامي” 1949-2026 ” كان يسابق اللحظة الزمنية الواحدة، ساعياً إلى كتابة ما يعتبره زوادة الظامىء إلى المعرفة المعتبَرة، تلك التي تنير وعي طالبها تاريخاً ومجتمعاً، وبملء روحه، بملء قواه، بملء مخياله وهو ينظر في جهاته الأربع، كما لو أن داخله ينبض أكثر من قلب، وثمة أكثر من روح تتفاعل مع فضيلة العلم الخاص والمنشود.

أتحدث هنا عنه حضوراً، عما هو مرئي، بالصوت والصورة، على مدى أكثر من أربعة عشر عاماً، حين التقيته في المركز المذكور، في آذار 2013، وانخرطت في العمل البحثي معه، بصفة باحث، كانت سنوات مثمرة وأي إثمار، مع رجل، ما أقل أقل الذين يمكن التذكير بهم، على منواله في تفانيه، في حبه لمن يحمل معه كتاباً، لمن يقرأ ويكتب، وبعيداً عن أي حساسية غيرة أو حسد، وهو بتواضعه المشهود له . كان أبعد ما يكون عن الهيمنة في تعامله الإداري، حتى في أقصى حالات الحزم، تعبيراً عن احترام الذات للذات.

صورة في مكتبه الخاص ضمن مكتبته العامة، على يساره قرينته، وأنا على يسارها

 

ربما صوتٌ منفرد واحد أحياناً، يمهد لفتح طريق يصل بسالكه إلى الكثير مما يريد وما يفيد، وهو لم يكن مجرد صوت منفرد” سولو، كما يقال ” ودون صدى، في علاقته بمن حوله: أخوةً، أحبة، زملاء، وما أكثر الحالات التي كان يظهر فيها بصفة طالب العلم، وممن يصغره بسنوات، كان العمر الذي يعطيه اعتباراً هو العمر المعرفي، هو الآخر الذي يمكن تقديره مكانة وأهمية، ومأثرة علاقة، بما يحمله بين جنبيه من إيثار علاقة، ومن ابتهاج بنظيره في طلب العلم، وفي إثراء الحوار، وبمرونة لافتة بالمقابل.

كلّي يقينٌ، وأنا أتواصل معه، وألتقيه مع آخرين من طلاب العلم والمعرفة في أكثر من مكان، أن ما تمكنتُ من كتابته ونشره من مؤلفات ومن ترجمات عن طريق المركز وعن طريق الأكاديمية الكردية،  كان له دور كبير، ولست وحدي في هذا المضمار، إنما كثيرون ممن أبصرت كتاباتهم النور في كتب تأليف وترجمة من ” روجآفا كردستان ” وبتلك الحميمية المضيافة، كما لو أنه يريد أن يوفّر لهذا الكردي الروجآفاوي  الكثير مما يريد تحقيقه، وفي حدود الإمكان، وما أكثر ما تحقق وشهد له بهذا العرفان بجميل العلاقة التي تجاوزت بصفتها حدود إقليم كردستان، لتكون علاقة كردستانية، وأكثر مع آخرين بنوعية ثقافته الجامعة بين ما هو إنساني وقومي، وبروحه المركّبة من الخصلتين، كما تشهد صِلاته بمن حوله.

لا أكثرَ من طلابه الذين أصبحوا بأنفسهم أكاديميين وباحثين وكتاباً وهم يعترفون بهذا الجود في موجوده المختلف والمتفرد مقارنة بآخرين، وهو يفتح باب قلبه لمن يأتيه زائراً، مصافحاً، طالب دعم معرفي..

وفي التنوع، تقدّم صورتُه الشخصية نفسها، بثراء منحاها ، وأفقها المستقبلي، واستبساله في تأكيد حقيقة أن المعرفة الفعلية وحدها تضفي على الإنسان ما يجعله إنساناً حقاً، حين افتتح مكتبة ” البوتاني ” ذخيرته الشخصية والعائلية، وأنا أسمّي تفاني زوجته وروحها الكريمة والمعطاءة والساعية إلى تحقيق مثل هذه الرغبة المشتركة: افتتاح مكتبة نموذجية متفردة في موقعها ووساعتها وثراء عناوينها وأنشطتها منذ سنة ونيّف، وأنا شاهد على كل نشاط، على مجمل العلاقات الداخلة في هذه الرحابة المعرفية ، إنها مكتبة كتب وقاعة مطالعة، عدا عن مكتبته الخاصة ضمناً حيث لم يكن يضن بأي كتب أو نشرة ، لمن يطلبها، ودون تردد، وفي مكتبته الخاصة، كانت كل جلسة بمثابة ندوة تدار وتثمر ثقافة تغني الحضور، وتمنح المعرفة حضورَها الفعلي..

 

عناوين كتب له قبل دخول مكتبته الشخصية من الداخل   

 

لهذا، لم أستغرب وأنا أرى هذا التوافد والحضور وفي زمن قياسي، للمشاركة في جنازته، وفي عيني كل مشارك ثمة غلالة دمع شاهدة على هول الفراق الأبدي، ثمة شهادة يجلوها الوجه بسيمائه تعبيراً عن أن هذا الذي ترجل عن قلمه الإنساني والكردي وهو بوجهه المعرفي والمجتمعي، وبلسانه الخبير في كيفية كسب ود الآخر دون اعتبار جانبي،، يستحق مثل هذا التقدير، حيث تم دفنه في مقبرة ” شاخكى ” بدهوك، وأنا أقرأ في سيماء الوجوه سطوراً، حيث يتشابك النور الخافت والعتمة في محيط المقبرة، ويجري الاستعداد للدفن، ما أوجعها وهي تبث العمق الوجداني وفورة الشجن والحزن، ورعشة اللحظة وصعوبة قولة: وداعاً.

والأكثر إيلاماً، النساء اللواتي حضرن، وأبين مفارقته بسهولة، وأنا أسمع بكاءهن، نحيبهن، أنينهن الروحي، وهن أهله: رفيقة دربه، بناته، وبنات ونساء أخريات وهن لابسات السواد، تعبيراً عن وطأة اللحظة هذه.

يحق لهن أن يبكين، فالبكاء اعتراف بمكانة المتوفى، وصك اعتراف بجميل مسلكه وطيب معشره!

وأنا قريب منهن، وأبعد قليلاً، وجه ابنه الأكاديمي” بردل ” المخطوف حزناً، والمثقل بالأسى ترجمان بنوة لا يخطئها النظر، إلى جانب والدته وأخواته، ومن حضروا من الأهل والأقارب.. ونحن نصافحهم عزاءً.

كنت أتنقل بنظراتي بين وجه ووجه، كما لو أنني في عالم آخر، في خاصية اللامصدّق، تحت سطوة الموت، وقد خبرت في روح الراحل ما يستحقه من تقدير، وأنا أذكر ما كتبته عنه في كتابي” اليد والقفاز: التنوير البحثي والوثائقي في كتابات الأستاذ الدكتور عبد الفتاح على البوتاني ” دراسة “، أربيل، 2016 “، انطلاقاً من تقدير لإسهاماته في تنوير التاريخ الكردي وتمثيلاً لحق معتبر، ولمن يهمه الأمر بالمقابل.

لا أجدني في مختتم هذه الكلمة، وبي وجع بما أشرت إليه،  إلا أن أعزّي عائلته الكريمة المكافحة الجديرة بالتقدير، وقد أمضت عقوداً من السنين تسند ” بافي بردل ” وتوفر له المناخ الذي يريحه حتى لحظة الوداع الأبدي الأخيرة، وهي قلقة، لحرصها عليه، وكان ما كان، وأعزّي أفراد عائلته بنين وبناتاً، وأقارب وأهلاً وأصحاباً وأصدقاء ومعارف، وأنا أمد يدي كغيري إلى كل منهم، وبصمت، ولا أبلغَ من عزاء يجري في صمت وبعيون لا تخفي ثقل الفجيعة في شخص، اسم، إنسان استثنائي، وهو يستحق أكثر من احتفاء بمأثرة كتبه، ومكتبته، وآثاره التي تنتظر الخروج إلى النور، والحفاظ على كل ذلك، من باب الوفاء له بالتأكيد.

 

شارك المقال :

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 Comments
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
اقرأ أيضاً ...

من القامشلي إلى هانوفر.. أكاديمية جانكير تفتح طريق الحلم أمام جيل جديد من المواهب بيئة رياضية وتربوية متكاملة، تبني الانضباط والثقة والعمل الجماعي   تبدأ صناعة اللاعب قبل وقت طويل من أضواء الملاعب الكبرى. ففي السنوات الأولى تتشكل علاقته بالكرة، ويتعلم كيف يتحرك ويفكر ويتعامل مع زملائه، وكيف تتحول الموهبة الفطرية إلى مهارة قابلة للتطوير. ولهذا لم تعد أكاديميات كرة…

م. محفوظ رشيد مقدمة: لكي تحظى أي قيادة أو ممثلية للشعب الكوردي بالشرعية والهيبة، لا بد أن تستند إلى كيان واضح وملموس، وعنوان معروف، وهيكلية تنظيمية تقوم على قوانين ولوائح وأسس واضحة، ومكاتب متخصصة تحدد المهام والمسؤوليات. كما ينبغي أن تستند إلى ميثاق أو عقد اجتماعي ينظم العلاقة بينها وبين الشعب، وإلى رؤية سياسية شاملة، قومياً كوردياً ووطنياً سورياً، تعبّر…

كفاح محمود في الطب، لا يُعد الزهايمر مجرد فقدان للذاكرة، بل هو مرض يصيب قدرة الإنسان على الإدراك، وعلى الربط بين الماضي والحاضر، وعلى التعامل الطبيعي مع الواقع من حوله، فالمشكلة ليست فقط أن الإنسان ينسى بعض التفاصيل، بل أنه قد يفقد القدرة على فهم ما يجري، أو يكرر الأخطاء نفسها، أو يعيش في صورة مختلفة عن الحقيقة، وهكذا يمكن…

صلاح بدرالدين عندما حاولت التوسط لرأب الصدع، وبعبارة أدق وقف عدوان ب ك ك على إقليم كردستان العراق دعيت من جانب اللجنة الائتلافية الموسعة المشكلة من جميع الأحزاب المشرفة على انتخابات أول برلمان كردستاني في الإقليم كمراقب، والتي جرت في 19/5/1992 بمشاركة نحو مليون مقترع كانوا يمثلون أكثر من ثلاثة ملايين مواطن، وكانت التجربة الأولى الأهم في الحياة السياسية بالإقليم….