صلاح بدرالدين
عندما حاولت التوسط لرأب الصدع، وبعبارة أدق وقف عدوان ب ك ك على إقليم كردستان العراق
دعيت من جانب اللجنة الائتلافية الموسعة المشكلة من جميع الأحزاب المشرفة على انتخابات أول برلمان كردستاني في الإقليم كمراقب، والتي جرت في 19/5/1992 بمشاركة نحو مليون مقترع كانوا يمثلون أكثر من ثلاثة ملايين مواطن، وكانت التجربة الأولى الأهم في الحياة السياسية بالإقليم.
والتقيت في الفندق الذي أقيم فيه ببلدة صلاح الدين “بيرمام” مجموعة من الضيوف المراقبين الأجانب والكرد، ومن بينهم ثلاثة نواب كرد في البرلمان التركي، وهم السيدة ليلى زانا، والسيدان أحمد تورك وزبير آيدار، حيث تعارفنا ونشأت بيننا علاقة ود واحترام متبادل.

زبير آيدار – ليلى زانا – صلاح بدرالدين – احمد ترك
وخلال نحو أسبوع قضيناها سوية، تداولنا مختلف المسائل المتعلقة بالقضية الكردية في المنطقة بالمناقشة المستفيضة، وقبيل مغادرتهم إلى تركيا تحادثنا حول مدى إمكانية محاولة تخفيف التوتر، وبالأحرى تهدئة قيادة ب ك ك لوقف تدخلها العسكري في شؤون الإقليم، والعمل على إيجاد مساحة للحوار بين قيادات الطرفين.
في البداية تحفظ الرفاق حول موقفي في كون ب ك ك هو المعتدي، والإقليم معتدى عليه، ولكن بعد سرد الوقائع والأحداث المتتالية خف تحفظهم، ثم اتفقنا أن يقوموا هم من جانبهم بمفاتحة مسؤولي ب ك ك حول هذه المبادرة، وأقوم من جانبي بمفاتحة الزعيم الأخ مسعود بارزاني.
وتبادلنا أرقام التلفونات على أن نبقى على تواصل، وإن وافق الطرفان سأمر بطريق العودة عليهم بأنقرة لنقوم بدورنا في تنفيذ المبادرة. وهذا ما حصل، حيث أجاب الأخ مسعود بارزاني بالقول إنهم مع السلام والحوار دائما، وفهمت من الأصدقاء بأنقرة بأن الجواب إيجابي.
في حقيقة الأمر، وبناء على اطلاعي وفهمي لدور ب ك ك في ذلك الوقت كجزء تابع لاستراتيجية نظامي الأسد والولي الفقيه، بالإضافة إلى ارتباطه بالدولة التركية العميقة من خلال منظمة الأرغنكون، لم أكن واثقا من استجابة قيادته لنداء السلام والحوار، ولكن مهما تكن النتيجة فإن المعتدي سينكشف أكثر، وستظهر الحقيقة للرأي العام.
في طريق العودة إلى ألمانيا، حيث تقيم عائلتي، مررت بأنقرة، والتقيت الثلاثة في منزل السيد أحمد تورك، حيث كانوا يقيمون في مساكن مخصصة لأعضاء البرلمان، ولاحظت أن المنزل كخلية نحل يعج بكوادر ب ك ك وهم منكبون على أجهزة اللابتوب.
وفهمت من تورك أنهم مجبرون على السماح لهم، لأننا حسب فهمهم دخلنا البرلمان بفضلهم وعلينا دفع الثمن، حتى إنه أسر لي منزعجا أنه مع عائلته لم يشعروا يوما بالخصوصية.
اجتمعنا نحن الأربعة من جديد وأبلغتهم أن الأخ مسعود بارزاني مع السلام والحوار، ولاحظت من خلال مناقشتنا نوعا من التصلب من جانب كل من السيدة ليلى زانا والسيد زبير آيدار، في حين كان السيد أحمد تورك منفتحا وداعيا إلى التفاهم.
وسألت الثلاثة: هل أخبرتم قيادة ب ك ك بالمبادرة؟ وماذا كان الجواب؟
لم أحصل على الجواب الشافي، وفهمت أنهم لا يتجرؤون على إبلاغهم، وأنهم غير متفقين فيما بينهم، فطلب مني تورك أن أمكث أياما إضافية لتلقي الجواب القطعي.
بعد عدة أيام التقيت الثلاثة مجددا، وأبلغوني الجواب التالي: يمكن متابعة الموضوع في ألمانيا مع المحامي السيد فريدون يازار.
وتابعت سفري والتقيت بالسيد يازار، فكان شخصا مهذبا متحمسا للتفاهم، ولكن لاحظت عليه عدم التفاؤل بشأن جماعته، وأعتقد أنه لم يكن عضوا في ب ك ك، بل عضوا قياديا في حزب هادب.
ثم أخبرني بأن الجماعة حددوا شخصا آخر هنا بألمانيا للقاء بي، وكما أتذكر اسمه نظام الدين، وأنه لن يكون ضمن اللقاء. وأتذكر أن مكان اللقاء تحدد في محطة قطار دوسلدورف، وكان ذلك مصدر قلق لي، ولكن مضيت لإيماني أن المهمة التي أقوم بها لمصلحة القضية الكردية.
التقيت بالسيد نظام الدين، وبدأ يطلق عبارات التخوين والوطنيات والثورة بحماس منقطع النظير، ويستشهد بأقوال الزعيم الخالد أوجلان، ولم يقترب من موضوعنا الأساسي.
فقاطعته باحترام وقلت له: الجواب وصل ولا حاجة للإطالة، وغادرت المكان.
وبعد ذلك اتصل بي السيد يازار وتقابلنا، وسردت له ما جرى، فأبدى أسفه الشديد، وأخبرني أنهم قرروا إبعاده عن الموضوع.
ولم ينقطع بيننا التواصل، حتى إنني دعوته إلى أربيل لإلقاء محاضرة في “رابطة كاوا للثقافة الكردية” حول الوضع في كردستان تركيا، وأبلغني أنه قطع أي اتصال مع الجماعة.
طبعا بعد ذلك مباشرة أبلغت الأخ مسعود بارزاني بالتفاصيل، وعن رفض الجماعة لأي حوار أو تفاهم، كما لم أتواصل بعد ذلك مع الأشخاص الثلاثة حول ذات الموضوع.
بعد طرد أوجلان من سوريا عام 1998، وتنقلاته بين عدد من الدول الأوروبية، ومكوثه في روما قبل خطفه، اتصل بي السيد زبير آيدار وطلب لقائي بإلحاح وللضرورة.
ثم جاء برفقة أحد رفاقه إلى ألمانيا من بلجيكا واجتمعنا، فطلب مني التدخل لدى ألمانيا لقبول أوجلان لديهم، واللقاء مع أوجلان في روما لإقناعه بذلك.
فأجبته: تجربتي معكم لا تشجعني كثيرا، ولكن لا بأس. أعتقد أن ألمانيا قد تقبل أوجلان لاجئا إذا أعلن رسميا انسحابه من ب ك ك، وهذه مهمتكم. اذهبوا وتكلموا معه وأقنعوه أولا، ثم أنا سأقوم بالخطوة التالية مع الألمان، أما أن أذهب إليه في روما فهذا لن يحدث.
وشعرت مرة أخرى بجبن مختلف أنواع المسؤولين في هذا الحزب واستسلامهم أمام الفرد القائد الأوحد، الذي أودى بحياة عشرات الآلاف من بنات وأبناء الشعب الكردي في الأجزاء الأربعة، وانتهى أخيرا بحل حزبه وإعلان الفشل.
أؤكد مجددا أن محاولتي تلك، مع مسائل وأحداث أخرى حدثت فيما بعد مرارا وجئت على ذكر الكثير منها في مذكراتي، كانت بهدف حماية مكتسبات شعب كردستان، والحفاظ على التجربة الفيدرالية التي تحدث للمرة الأولى في العصر الحديث.