جان كورد
(هل تتذكرون رفض حزب الاتحاد الديموقراطي لعودة آلاف البيشمرﮔة الكورد السوريين المدربين في جنوب كوردستان؟ وهل تتذكرون أنه رفض السماح لتشكيل أي تنظيم عسكري كوردي سوري إلا ضمن قوات الحماية العائدة له؟)
وعليه فإن المسؤولية الكبرى في الجانب الكوردي عن النتائج السلبية لما يجري في هذه البقعة التي اشتهرت تاريخياً بصونها الوحدة الوطنية والتعايش السلمي بين مكوناتها الاثنية والدينية، وفي مقدمتها الكورد والعرب في تل أبيض وقراها، تقع على عاتق حزب الاتحاد الديموقراطي وليس على كل الأحزاب الكوردية السياسية، التي نعلم عنها بالتأكيد رفضها الانزلاق إلى أي صراعٍ جانبي اليوم، والمعركة السياسية لها هي ضد نظام الأسد ومرتزقته وحلفائه وشبيحته فقط.
ويعلم كل العقلاء بأن خرق الاتفاق يقتضي وجود الاتفاق قبل ذلك، فإذا كانت جبهة النصرة ومن ورائها إمارة (أو دويلة) العراق والشام الإسلامية كما تم تصنيفهما عالمياً من المنظمات الإرهابية والمتطرفة فكيف يعقد حزب الاتحاد الديموقراطي معهما اتفاقاً؟ وعلى أي أساس تم صوغه والالتزام به؟ ثم يعود الحزب للقول بأنه يقاتل اليوم ضد الإرهاب السلفي، الأردوغاني، المتخلف، المعادي للكورد وكوردستان.
والتصريحات اللامسؤولة التي يطلقها البعض من الكورد بصدد “قدرة الشعب الكوردي على التصدي لكل التنظيمات المتطرفة وتركيا من ورائها!!ّ!” ليست إلا بالونات دعائية إعلامية بهدف تقوية عزيمة المنخدعين ببعض أسباب القوة التي يمتلكها هذا الحزب الكوردي أو ذاك، فإن غرب كوردستان (كوردستان سوريا) ليس كما هو عليه شمال كوردستان (كوردستان تركيا) أو شرقه أو جنوبه، من حيث العمق الاستراتيجي والإمكانات والاستعداد التعبوي اللازم للتصدي لكل هذه القوى المتكالبة علينا مجتمعة.
كما أن المواجهة الكوردية “السورية” مع الدولة التركية غير واردة كبرنامج سياسي عملي لأي حزبٍ كوردي سوري، ناهيك عن أن المرحلة التي فيها حركتنا التحررية الكوردستانية عموماً، ومن ضمنها حزب العمال الكوردستاني (الأم التي أنجبت حزب الاتحاد الديموقراطي) في سعي حميم من أجل السلام مع تركيا، وهي بحاجة إلى فترةٍ زمنية طويلة لبناء قواها الذاتية وحشد طاقاتها وكسب مزيدٍ من الأصدقاء، من العالم كله ومن الشعب التركي أيضاً، وليس الدخول في مغامرات تؤدي إلى تشريد ملايين الكورد السوريين وإفراغ منطقتهم الكبيرة الممتدة من حدود العراق شرقاً إلى لواء الاسكندرون غرباً من القوم الكوردي.
ما حدث لشعبنا في شمال كوردستان من تهجير وتدمير اقتصادي، وكذلك من قبل في جنوب كوردستان يجب أن لايتكرر لدينا أيضاً.
أليس ما جرى في رأس العين سابقاً ويجري الآن في تل أبيض يعد انتكاساً فظيعاً ناجماً عن سوء تقدير المواقف والقوى والفصل بين الصديق والعدو وقلة خبرة في المجالين السياسي والعسكري؟ على الرغم من إدانتنا التامة لأي عدوانٍ على الكورد وقراهم ومدنهم من أي طرفٍ كان، وتحت أي لافتةٍ كانت، دينية أو علمانية، أفلا يتحمل الذين أعلنوا المنطقة الكوردية “محررة ومصانة” بقواهم القتالية مسؤولية فشلهم في كل ما حدث؟ ألم يدقوا منذ ظهورهم اسفيناً بينهم وبين مختلف فصائل الحركة الوطنية الكوردية بمواقفهم التسلطية والاستفراد بالقرار الكوردي؟ فكيف يطالبون الآن بأن تتحمل هذه القوى “الخائنة!” التي كانت تتهم في وطنيتها مسؤوليتها في الدفاع ويتم الاستنجاد بالشعب الذي تم إذلاله بصورة ممنهجة من قبل “أولياء الأمر” هؤلاء، كما حدث مراراً في عفرين وعامودة وكوباني؟ الشعب الكوردي لايقبل أن يستبد به أحد، سواءً أكان المستبد غريباً أو من أبنائه، كما لايقبل ذلك من أي جهة سياسية كانت، سواءً أكان زعماؤها وأنصارها ملتحون أو غليظو الشوارب أو بدون لحى وشوارب.، ولذلك فإن ماجرى هو عدم إسراع الحركة الوطنية الكوردية وتباطىء الشعب الكوردي لتلبية نداء الاستنجاد المنطلق من حناجر واسعة في حزب الاتحاد الديموقراطي لصد عدوان الإسلاميين المتطرفين على تل أبيض، على الرغم من أن صد أي عدوانٍ غاشم واجب قومي ووطني يقع على عاتقنا جميعاً، بغض النظر عن الخلافات السياسية والآيديولوجية.
ولكن من جهة أخرى، ليس الإسلاميون وحدهم يوجهون هذه التهمة إلى حزب الاتحاد الديموقراطي، وإنما عدد لايستهان به من الناشطين الكورد أيضاً، فلماذا يتم اتهام هكذا حزب كبير يعتبر نفسه جزءاً من قوى الثورة السورية بالذات؟ ولاحاجة لنا بالدخول في هذه الغرفة المعتمة التي تمتلىء بالشكوك والظنون حتى لانظلم أحداً.
فكيف يصدر هكذا بيان بعد كل ما قيل ونشر عن هذا المشروع؟ بالتأكيد إن قيام حزب الاتحاد الديموقراطي بما يحلو له باسم الشعب الكوردي وبالغياب عن إرادته، بل وبدون فصائل حركته الوطنية الأخرى يؤدي إلى أخطاء جسيمة مضرة بشعبنا وقضيته العادلة.
لابد من التأكيد على أن حماية الشعب الكوردي عن طريق تشكيل قوات مسلحة مسؤولية مشتركة تقع على عاتق مختلف الفصائل الوطنية لهذا الشعب، وأن إقامة إدارة ما، يحكم بها نفسه بنفسه، ضمن حدود الدولة المشتركة: سوريا، مسؤولية جماعية أيضاً، وكذلك فإن إقامة علاقات مع المعارضة السورية، الوطنية والديموقراطية والإسلامية المعتدلة، يجب أن تأخذ بعين الاعتبار وجود هذا الكم الهائل من القوى السياسية الكوردية، كما أن الشروع في قتالٍ مع هذا أو ذاك يجب أن يدرس بعناية فائقة في أضيق الدوائر الكوردية الهامة، إذ أن شعبنا غير مستعد لزجه في معارك جانبية في هذا الوقت الحرج والخطير من تاريخ سوريا التي هو جزء أساسي من مكونات مجتمعه الفسيفسائي.






