أكرم محمد
تقع مدينة القامشلي، المعروفة محلياً باسم «قامشلو»، في أقصى الشمال الشرقي لسوريا، وهي تمثل جغرافياً جزءاً لا يتجزأ من منطقة «الجزيرة العليا»، التي شكّلت عبر العصور امتداداً طبيعياً وعمقاً حيوياً للمجال الجغرافي والاجتماعي الكردستاني.
إن دراسة تاريخ هذه المنطقة، والتدقيق في وثائقها ومراجعها المتنوعة، يكشفان عن تداخل وثيق بين أصالة الهوية الأرضية والعشائرية للكرد، وبين التحولات العمرانية والسياسية الحديثة التي شهدها القرنان العشرون والحادي والعشرون.
من الناحية الأنثروبولوجية والأثرية، لم تكن هذه السهول الخصبة الممتدة جنوب جبال طوروس معزولة عن حضارات الشرق القديم؛ إذ تُظهر المكتشفات والرقم الطينية المسمارية في التلال الأثرية المحيطة بالمدينة، مثل تل ليلان وتل بري ومملكة أوركيش القديمة في تل موزان، نصوصاً أكادية وبابلية تعود إلى الألف الثاني قبل الميلاد، تذكر بوضوح اسماً جغرافياً وسياسياً للمنطقة، وهو «بلاد كوردا» (Mat Kurda) أو «كوردانوم»، وهو إثبات علمي يربط الجذور الأولى لهذه الأرض بأسلاف الكرد منذ فجر التاريخ.
ومع انتقال المنطقة إلى العصور الإسلامية والكلاسيكية، وثّقت أمهات كتب الجغرافيا والرحلات هذا الحضور البشري الراسخ؛ إذ يشير الجغرافي الشهير ابن حوقل، في كتابه «المسالك والممالك» خلال القرن العاشر الميلادي، إلى هذه السهول الشمالية وجنوب خط جبال طوروس، واصفاً إياها بأنها «معاقل ومواطن الأكراد».
كما أكد ياقوت الحموي، في موسوعته «معجم البلدان»، أن هذه الأراضي الممتدة كانت المراعي الثابتة والموطن العشائري الخالص للقبائل الكردية، التي ارتبطت إدارياً واقتصادياً بإمارات كردية عريقة، مثل الإمارة المروانية وإمارة بوتان والعزيزية، حكمت المنطقة لقرون متطاولة قبل رسم الحدود السياسية الحديثة.
وخلال حقبة السيطرة العثمانية، استمر هذا التوصيف القانوني والجغرافي؛ إذ تُثبت دفاتر الطابو والتحرير العقاري والضرائب، في القرنين الثامن عشر والتاسع عشر، أن البقعة التي تقوم عليها القامشلي اليوم كانت تُشكّل المدى الزراعي والحكورة الطبيعية التابعة مباشرة لـ«قضاء نصيبين التاريخي»، وضمن «ولاية ماردين».
بل إن الحوليات الرسمية للدولة العثمانية «السالنامات»، الصادرة في منتصف القرن التاسع عشر، أطلقت على هذه المنطقة إدارياً اسم «إيالة كردستان»، لبيان الصبغة القومية والعرقية الغالبة عليها؛ حيث استقرت في هذه السهول وأدارتها عشائر كردية كبرى وعريقة، مثل الأومرية، والكيكية، والدقورية، والملية، بصفتهم الملاك الأصليين للتراب.
ومع نهاية الحرب العالمية الأولى وانهيار الدولة العثمانية، جرى ترسيم الحدود الدولية الحديثة بموجب اتفاقية أنقرة عام 1921 بين فرنسا وتركيا، فقسّم خط سكة قطار الشرق السريع العشائر والأراضي الكردية قسراً بين دولتين ناشئتين، وتأسست مدينة القامشلي الحديثة مركزاً عمرانياً وإدارياً عام 1926 تحت الانتداب الفرنسي.
وتكشف الوثائق العسكرية السرية لـ«المكتب الثاني الفرنسي»، ومذكرات المستشار العسكري الملازم الأول «تيرييه» (Terrier)، أنه عندما تقرر وضع أول مخطط هندسي لبناء بلدة حدودية، لم تكن الأرض مشاعاً بلا صاحب؛ بل كانت البقعة المحددة بمحاذاة نهر جقجق تضم مطحنة مائية ومزارع وبيوتاً تعود ملكيتها القانونية المثبتة لعائلة «آل قدور بك» الكردية، وهم من أعيان الكرد وملاكي الأراضي التاريخيين هناك.
ونظراً لأن الفرنسيين فاوضوا العائلة الكردية لبناء ثكنتهم العسكرية «القشلة» ومقاسم المدينة، فقد حُفظ هذا الحق القانوني بتسمية أول وأقدم أحياء المدينة الناشئة باسمهم، وهو «حي قدور بك» في الجانب الشرقي للنهر، مما يقطع الشك باليقين بأن الوجود البشري والملكية الكردية للأرض سبقا التخطيط العمراني والإسمنتي للمدينة الحديثة.
وبالتزامن مع هذا التأسيس، شهد مركز المدينة الفتي تدفق موجات ضخمة من اللاجئين والمهجّرين السريان والأرمن والآشوريين، الفارين من بطش السلطات العثمانية والمجازر الجماعية المعروفة بـ«سيفو» في مناطق ماردين ونصيبين وطور عابدين، فاستقبلهم المجتمع الكردي واحتضنهم إنسانياً.
وساهم هؤلاء السكان المسيحيون، بفضل خبراتهم المدنية وحرفهم، في إنعاش الحركة التجارية، وبناء السوق المركزي المنظم، وتأسيس أحياء مثل «الحي الغربي» و«حي السريان»، ليتشكّل داخل مركز المدينة مزيج اجتماعي فريد. إلا أن هذا التنوع الحضري لم يُلغِ يوماً أن الطوق الجغرافي، والامتداد العشائري، والعمق البشري للمنطقة ظل كردياً خالصاً.
ومع دخول النصف الثاني من القرن العشرين، تحولت القامشلي إلى الهدف الرئيسي لسياسات «الهندسة الديمغرافية والتعريب القسري»، التي قادتها الحكومات السورية المتعاقبة لطمس هويتها الكردية وسلبها نسبها التاريخي.
ففي عام 1962، صدر المرسوم التشريعي رقم 93، القاضي بإجراء إحصاء استثنائي في محافظة الحسكة خلال يوم واحد فقط، ونتج عنه تجريد أكثر من 120 ألف كردي من جنسيتهم السورية، وتحويلهم قسراً إلى «أجانب» و«مكتومي قيد».
وهي خطوة قانونية جائرة أدانتها تقارير المنظمات الدولية، مثل هيومن رايتس ووتش ومنظمة العفو الدولية، وأكدت أن هدفها الأساسي كان إضعاف الوجود القانوني والسياسي للكرد، وحرمانهم من حق تملك عقاراتهم وأراضيهم التاريخية أو توريثها.
وتبعت ذلك خطة أمنية رسمية وُضعت عام 1963، بناءً على كراس سري صاغه رئيس الأمن السياسي في الجزيرة «محمد طلب هلال»، الذي دعا علانية إلى تجهيل الشعب الكردي، وحظر لغته، وتهجيره، وإحلال عناصر عربية مكانه.
وتُرجمت هذه التوصيات العنصرية عملياً عام 1974، من خلال تنفيذ مشروع «الحزام العربي»، حيث قامت السلطات بمصادرة مئات الآلاف من الدونمات من الأراضي الزراعية الخصبة التابعة للفلاحين الكرد، على طول الشريط الحدودي مع تركيا بعمق يتراوح بين 10 و15 كيلومتراً، بما في ذلك ريف القامشلي.
وجرى تمليك هذه الأراضي لعشائر عربية وافدة، عُرفت باسم «الغمر»، نُقلت من مناطق الرقة وحلب بعد غمر أراضيهم بسد الفرات، ووُطّنوا في مستوطنات نموذجية بُنيت خصيصاً لهم، لخلق جدار ديمغرافي اصطناعي يفصل كرد سوريا عن امتدادهم الطبيعي في أجزاء كردستان الأخرى.
ورغم كل هذه المشاريع السياسية والأمنية المكثفة، ومحاولات صهر الهوية وتغيير الأسماء، أثبت المجتمع الكردي في القامشلي صموداً ديمغرافياً وثقافياً استثنائياً؛ إذ استمر زحف وتوسع سكان الريف الكردي المحيط نحو أحياء مركز المدينة، فامتدت واتسعت الكتلة البشرية الكردية في أحياء كبرى، مثل العنترية، والهلالية، وقدور بك، وميسلون، ليحافظ الكرد على تفوقهم البشري العددي، ويمثلوا اليوم الأغلبية الساحقة والكتلة السكانية الأكبر بنسبة تتجاوز 70% من إجمالي سكان المدينة.
ولم تكن «قامشلو» مجرد مكان للسكن، بل تحولت في الوجدان الجمعي إلى العاصمة الروحية والثقافية والسياسية للحركة التحررية الكردية في سوريا؛ إذ احتضنت المدينة كبار الرموز والفلاسفة الذين صاغوا الهوية القومية.
وفي مقدمتهم الشاعر الكردي الكبير «جكرخوين» (Cigerxwîn)، الذي أثرى اللغة والأدب بأشعاره الثقافية والسياسية، والفنان القومي «محمد شيخو» (Mihemed Şêxo)، الملقب بـ«بلبل قامشلو»، الذي عبّرت ألحانه وصوته عن وجدان شعبه ونضاله، ودُفن في مقبرة الهلالية بالمدينة ليبقى رمزاً وطنياً خالداً.
ويضاف إليهما العالم ورجل الدين التنويري الشيخ «معشوق الخزنوي»، الذي قاد حراكاً فكرياً شجاعاً يطالب بالحقوق الكردية والمواطنة حتى اغتياله.
كما شهدت المدينة محطات نضالية كبرى غيّرت مسار التاريخ الحديث، أبرزها «انتفاضة القامشلي عام 2004»، التي انطلقت من ملعب المدينة الرياضي، وتحولت إلى شرارة قومية أحيت الهوية الكردية في وجه آلة القمع الأمنية.
وتستمر هذه الحقائق التاريخية والجغرافية بالترسخ والوضوح، وصولاً إلى الواقع السياسي والاجتماعي المعاصر في عام 2026؛ فبعد عقود من التهميش والإقصاء، وتحول المدينة إلى مركز للإدارة الذاتية، فرضت التوازنات والتطورات السياسية الجديدة والمراسيم الانتقالية تفاهمات وصيغاً قانونية منحت الكرد اعترافاً رسمياً طال انتظاره بلغتهم الأم وثقافتهم وحقوقهم القومية، إلى جانب البدء الشامل في تسوية الأوضاع القانونية وإعادة الجنسية والمواطنة لآلاف العائلات الكردية التي حُرمت منها منذ إحصاء عام 1962 الجائر.
إن هذه اللوحة التاريخية المتكاملة، والمستندة إلى مسح شامل للمصادر الأكاديمية والوثائق الدولية المستقلة، تؤكد بلا أدنى لبس أن القامشلي «قامشلو» ولدت جغرافياً وقانونياً وعشائرياً من رحم جغرافيا تراب كردستاني أصيل، وأن هويتها وأغلبيتها الكردية بقيتا راسختين وثابتتين كالجبال، عصيتين على التذويب أو التعريب أو التلاعب التاريخي والتسميات المصطنعة.
المصادر والمراجع المعتمدة في البحث
أولاً: المصادر الأثرية والأنثروبولوجية القديمة
- تقارير البعثة الأثرية لجامعة ييل (Yale University) حول التنقيبات في موقع «تل ليلان» والشرق القديم، التي وثقت الرقم المسمارية لـ«بلاد كوردا» (Mat Kurda).
- دراسات تل موزان «مملكة أوركيش القديمة» للبروفيسور جورجيو بوتشيلاتي (Giorgio Buccellati) وماريلين كيلي-بوتشيلاتي.
ثانياً: أمهات كتب الجغرافيا والتاريخ الكلاسيكية
- ياقوت الحموي: كتاب «معجم البلدان»، المجلد الثاني، وصف الجزيرة الفراتية العليا ومواطن القبائل.
- ابن حوقل: كتاب «المسالك والممالك»، خريطة ديار بكر وديار ربيعة وتوزع عشائر الأكراد.
- ابن الأثير: كتاب «الكامل في التاريخ»، حول حركات الإمارات الكردية في شمال الجزيرة.
ثالثاً: الأرشيف العثماني والسجلات الرسمية (Ottoman Archives)
- دفاتر الطابو والتحرير، وهي سجلات الملكية العقارية والضرائب العثمانية الخاصة بـ«ولاية ماردين» و«قضاء نصيبين» للقرنين الثامن عشر والتاسع عشر.
- الحوليات الرسمية للدولة العثمانية «السالنامات»، الصادرة بين عامي 1847 و1867، التي ضمت المنطقة رسمياً ضمن «إيالة كردستان».
رابعاً: وثائق ومستندات الانتداب الفرنسي (French Mandate Archives)
- تقارير «المكتب الثاني الفرنسي» (Deuxième Bureau) لعام 1926، الخاصة بتخطيط بلدة القامشلي الحدودية.
- مذكرات وتقارير الملازم الأول «تيرييه» (Terrier) والجنرال بيير روندو (Pierre Rondot) حول جغرافية العشائر الكردية وعقود شراء الأراضي من آل قدور بك الملي الكردي.
- دراسات النقيب الفرنسي «بونو» (Capitaine Benoist) حول العشائر الكردية في الجزيرة العليا: الأومرية، والدقورية، والكيكية.
خامساً: المستندات السياسية السورية الرسمية، السرية والعلنية
- المرسوم التشريعي رقم 93 لعام 1962، الخاص بالإحصاء الاستثنائي في محافظة الحسكة.
- الكراس الأمني السري للملازم أول «محمد طلب هلال»، الصادر عام 1963 تحت عنوان: «دراسة عن محافظة الجزيرة من النواحي القومية والاجتماعية والسياسية».
- المخططات التنفيذية لوزارة الزراعة والإصلاح الزراعي السورية، الخاصة بـ«مشروع الحزام العربي» لعام 1974 وتوطين عشائر «الغمر».
سادساً: تقارير المنظمات الدولية وحقوق الإنسان (International Reports)
- تقرير منظمة هيومن رايتس ووتش (Human Rights Watch)، الصادر عام 1996 تحت عنوان: «سوريا: إنكار الوجود – قمع الحقوق الثقافية والسياسية للكرد».
- تقارير منظمة العفو الدولية (Amnesty International) ومفوضية الأمم المتحدة السامية لشؤون اللاجئين (UNHCR)، حول تداعيات إحصاء عام 1962 ومكتومي القيد والكرد عديمي الجنسية (Stateless Kurds).
سابعاً: مراجع التاريخ الاجتماعي والواقع الحديث حتى عام 2026
- المراسيم الانتقالية والقوانين الدستورية الصادرة مطلع عام 2026، والمتعلقة بملف تسوية أوضاع الجنسية والاعتراف باللغة الكردية.
- دراسات المؤرخ الكردي أحمد خليل حول التاريخ المعاصر لكرد سوريا والجزيرة الفراتية.