حسن قاسم
لم يكن سقوط تنظيم «داعش» عسكرياً نهاية المعركة بالنسبة لقوات سوريا الديمقراطية ومجلس سوريا الديمقراطية، بل كان يفترض أن يكون بداية مرحلة جديدة تنتقل فيها القضية الكوردية من موقع الشريك العسكري في الحرب على الإرهاب إلى موقع الشريك السياسي في صياغة مستقبل سوريا. لكن السؤال الذي يفرض نفسه اليوم، وبكل صراحة ومسؤولية: لماذا لم تستطع قيادة قسد ومسد تحويل سنوات الدعم العسكري والسياسي والعلاقات الدولية إلى مشروع سياسي مستدام يحظى باعتراف دولي واضح بالحقوق القومية والسياسية للشعب الكوردي في سوريا؟
لا يمكن اختزال الإجابة في الظروف الدولية وحدها. صحيح أن القضية السورية محكومة بصراعات إقليمية ودولية معقدة، وأن تركيا بذلت جهوداً كبيرة لمنع حصول الكورد على مكاسب سياسية، وأن الولايات المتحدة والدول الأوروبية تعاملت مع قسد أساساً من منظور محاربة الإرهاب وحماية مصالحها الأمنية. لكن الظروف الخارجية لا تفسر وحدها ضياع فرص كثيرة كانت متاحة.
كان المطلوب، منذ السنوات الأولى، بناء استراتيجية سياسية ودبلوماسية متكاملة تستثمر العلاقة مع واشنطن والعواصم الأوروبية، وتفتح قنوات أوسع مع البرلمانات والأحزاب ومراكز القرار ومنظمات حقوق الإنسان، وتشرح للمجتمع الدولي أن المشروع الكوردي ليس مشروع انفصال، بل يمكن أن يكون جزءاً من حل ديمقراطي لسوريا، يقوم على اللامركزية السياسية، والاعتراف بالتعدد القومي والثقافي، وضمان حقوق جميع السوريين.
لكن ذلك لم يحدث بالمستوى المطلوب.
كما أن استمرار الانقسام الكوردي الداخلي كان أحد أكبر مصادر الضعف. وكان كونفرانس نيسان الخاص بوحدة الموقف والخطاب الكوردي فرصة تاريخية لبناء الثقة بين مختلف أطراف الحركة السياسية الكوردية، وتشكيل مرجعية سياسية قادرة على مخاطبة الداخل والخارج. إلا أن هذه التجربة، بكل أسف، لم تستثمر كما ينبغي، وكأنها وُلدت ميتة. وهنا تبرز مسؤولية القوى السياسية كلها، لا طرفاً واحداً فقط.
والأهم من ذلك أن هناك سؤالاً جوهرياً ينبغي طرحه: هل استطاعت القيادة العسكرية الانتقال في الوقت المناسب من منطق إدارة الحرب إلى منطق إدارة السياسة؟ فإدارة معركة عسكرية تختلف جذرياً عن إدارة قضية سياسية وطنية تحتاج إلى مؤسسات، وكفاءات دبلوماسية، وتوافقات داخلية، وخطاب سياسي مرن، وشبكة علاقات دولية طويلة الأمد.
اليوم، وبعد كل ما حدث، لم يعد كافياً الاكتفاء بتبادل الاتهامات أو تحميل المسؤولية للآخرين. شعبنا بحاجة إلى مراجعة نقدية شجاعة، وإلى محاسبة سياسية حقيقية.
والمحاسبة لا تعني الانتقام أو التخوين، ولا تعني إصدار أحكام مسبقة، وإنما تعني تشكيل لجان مستقلة وذات مصداقية للتحقيق في القرارات السياسية والعسكرية والدبلوماسية التي أدت إلى هذه النتائج، وتحديد مكامن الخطأ، ومعرفة من أخطأ في التقدير، ومن أهدر الفرص، ومن عطل وحدة الصف، ومن اتخذ قرارات مصيرية دون رؤية استراتيجية.
فإذا كانت هناك مسؤوليات قانونية، فيجب أن تأخذ العدالة مجراها وفق القانون؛ وإذا كانت المسؤولية سياسية، فيجب أن تكون هناك مساءلة سياسية حقيقية، لا أن تتحول الهزيمة إلى وسيلة لإعادة توزيع المناصب والامتيازات وتكريم المسؤولين عنها.
لا يمكن بناء المستقبل بعقلية تقديس القيادات، كما لا يمكن بناء مشروع وطني بعقلية التخوين.
السؤال اليوم ليس فقط: من انتصر ومن خسر؟ بل: أين كان الخطأ؟ ولماذا لم نستطع تحويل كل تلك الفرص الدولية إلى مكاسب سياسية حقيقية؟
إن الإجابة الصريحة عن هذه الأسئلة، والمحاسبة العادلة للمسؤولين، وإعادة بناء المؤسسات على أساس الكفاءة والشفافية ووحدة القرار، هي الخطوة الأولى لاستعادة ثقة شعبنا، وتصحيح المسار، ومنع تكرار الأخطاء.
فالشعوب لا تتقدم بإخفاء أخطائها، وإنما بامتلاك الشجاعة للاعتراف بها ومحاسبة المسؤولين عنها والتعلم منها.