شادي حاجي
تعيش سوريا مرحلة انتقالية مفصلية يعاد خلالها تشكيل مؤسسات الدولة وصياغة قواعدها الدستورية والقانونية. وفي هذه المرحلة، ينبغي للأعضاء الكرد في مجلس الشعب، رغم عدم انتخابهم مباشرة من الشعب، ألا ينظروا إلى وجودهم باعتباره مجرد تمثيل للكرد، بل فرصة تاريخية للمساهمة في صياغة دستور جديد لسوريا.
القضية الكردية في سوريا ليست قضية لغة وثقافة فحسب، ولا ينبغي اختزالها في ملف أمني أو إداري؛ فهي قضية حقوق قومية سياسية ودستورية تراكمت حولها مظالم تاريخية، وحلها يتطلب معالجة الماضي وبناء ضمانات للمستقبل.
من الاعتراف إلى الدسترة
إن الاعتراف الرسمي بالكرد كمكوّن أصيل من نسيج المجتمع السوري وبحقوقهم الثقافية واللغوية خطوة مهمة، لكنه لا يكفي ما لم يتحول إلى حقوق دستورية وقوانين ملزمة.
وينبغي أن تكون الأولوية للعمل من أجل دستور يعترف بسوريا متعددة القوميات والأديان والطوائف، ويضمن المساواة الكاملة ويحظر التمييز على أساس القومية أو اللغة أو الدين، ويحمي حق الكرد في لغتهم وثقافتهم وتعليمهم وإعلامهم.
فالهدف ليس الحصول على امتياز للكرد، وإنما بناء دولة لا تستطيع فيها أي جهة استخدام مؤسسات الدولة للتمييز ضد أي مكوّن.
معالجة الماضي بالعدالة لا بالانتقام
لا يمكن بناء مستقبل مستقر من دون معالجة المظالم التاريخية. لذلك ينبغي أن يكون للأعضاء الكرد دور في صياغة قانون للعدالة الانتقالية يعالج، ضمن الأطر القانونية، ملفات الجنسية والحقوق المدنية والملكية، وآثار الإجراءات الاستثنائية التي طُبقت بحق الكرد في عقود سابقة، والتغيير الديموغرافي والتهجير، وجبر الضرر.
فالعدالة الانتقالية ليست انتقاماً من الماضي، بل ضمانة لعدم تكراره.
اللامركزية: من مطلب كردي إلى مشروع سوري
ينبغي التعامل مع اللامركزية بواقعية وذكاء، بعيداً عن صراع التسميات. والمطلوب نظام يمنح المناطق صلاحيات حقيقية في إدارة شؤونها المحلية، في التعليم والثقافة والتنمية والإدارة والخدمات، مع الحفاظ على وحدة سوريا وسيادتها.
وعندما تتحول اللامركزية من مطلب كردي إلى مشروع وطني يستفيد منه جميع السوريين، تصبح فرص قبولها أكبر بكثير.
من التصريحات إلى التشريع
قوة النواب الكرد لن تُقاس بعدد البيانات والتصريحات والمواقف، بل بما يستطيعون تقديمه من مشاريع قوانين وتحالفات سياسية.
ومن المهم العمل على حزمة تشريعية تشمل مكافحة التمييز، وحماية التنوع القومي والثقافي، وتنظيم الحقوق اللغوية والثقافية، ومعالجة آثار الحرمان من الجنسية، وضمان التمثيل السياسي العادل، وتوسيع صلاحيات الإدارة المحلية.
وفي الوقت نفسه، عليهم بناء تحالفات مع النواب العرب والسريان والآشوريين والتركمان وغيرهم، على أساس المواطنة المتساوية والديمقراطية وسيادة القانون.
توحيد الحد الأدنى الكردي
لا يشترط توحّد الأحزاب الكردية سياسياً، لكن من الضروري الاتفاق على ورقة مشتركة للمرحلة الانتقالية تتضمن الحد الأدنى من الحقوق غير القابلة للتراجع: الاعتراف الدستوري، وحماية اللغة والثقافة، والمساواة، ومناهضة التمييز، والعدالة الانتقالية، واللامركزية، والمشاركة السياسية العادلة، وحماية حقوق المهجرين والملكية.
إن وجود موقف مشترك سيمنح النواب قوة تفاوضية أكبر بكثير من تحرك كل طرف منفرداً.
الأحزاب الكردية والنواب: تكامل الأدوار
لا ينبغي أن يقتصر الدور الكردي في المرحلة الانتقالية على النواب داخل مجلس الشعب. فالأحزاب والأطر السياسية الكردية في سوريا الفاعلة، بما تملكه من حضور سياسي وخبرة وتواصل مع الشعب الكردي، تستطيع أن تؤدي دوراً مكملاً من خلال الدخول في تفاوض سياسي مباشر ومنظم مع الجهات العليا في السلطة الانتقالية في دمشق.
وينبغي أن يركز هذا التفاوض على إيجاد حلول سياسية وقانونية ودستورية للقضية الكردية، ضمن رؤية وطنية شاملة لبناء الدولة السورية الجديدة، مع تثبيت حقوق الشعب الكردي دستورياً وقانونياً، بما ينسجم مع مبادئ المواطنة المتساوية والديمقراطية وسيادة القانون ووحدة سوريا.
فالنواب يمتلكون أدوات التشريع والعمل البرلماني، بينما تستطيع الأحزاب والقوى السياسية فتح قنوات الحوار والتفاوض وبناء التفاهمات. لكن نجاح هذا التكامل يتطلب تنسيقاً مستمراً، وتجنب تعدد المطالب المتناقضة أو التفاوض المنفرد الذي قد يضعف الموقف الكردي.
المطلوب هو تحويل الحد الأدنى المتفق عليه إلى أجندة سياسية وتفاوضية مشتركة، تجمع بين العمل البرلماني والتفاوض السياسي، بما يعزز فرص الوصول إلى تسوية عادلة ومستدامة للقضية الكردية ويساهم في بناء دولة سورية تقوم على الاعتراف بالتنوع والشراكة والمواطنة المتساوية.
الفرصة لا تنتظر
المرحلة الانتقالية نافذة سياسية وقانونية محدودة، ولا ينبغي إضاعتها في الشعارات أو الخلافات الكردية الداخلية. المطلوب سياسة طويلة النفس تقوم على التفاوض والتحالفات والتشريع والتدرج وتثبيت الحقوق داخل الدستور والقانون.
وأهم ما ينبغي أن يدركه النواب الكرد أن القضية الكردية لن تُحل فقط بالمطالبة بحقوق الكرد، وإنما بالمشاركة في بناء سوريا ديمقراطية متعددة القوميات والثقافات، يكون فيها الانتماء السوري إطاراً جامعاً لا وسيلة لإلغاء الخصوصيات.
وهنا تكمن الحنكة السياسية الحقيقية: لا تنتظروا أن تمنح سوريا الجديدة الكرد مكاناً فيها؛ شاركوا في بناء سوريا جديدة يكون للكرد فيها مكان دستوري وقانوني وسياسي لا يستطيع أي نظام مقبل أن ينتزعه منهم.
فالضمان الحقيقي لهذه الحقوق لا يكمن في تعهّد من رئيس، ولا في مرسوم يصدر عن سلطة، ولا حتى في قانون يمكن تعديله أو إلغاؤه، وإنما في بناء منظومة دستورية متكاملة: دستور توافقي، وحقوق دستورية صريحة، ولا مركزية محمية دستورياً، ومحكمة دستورية مستقلة، وتعددية سياسية حقيقية، وآليات تجعل الانتقاص من هذه الحقوق أمراً بالغ الصعوبة.
فكلما انتقلت حقوق الكرد من مستوى التعهدات والقرارات السياسية إلى مستوى الضمانات الدستورية والمؤسسات المستقلة، أصبحت أكثر قدرة على الصمود أمام تغير الحكومات والسلطات والظروف السياسية.
وهنا تحديداً تتحول القضية الكردية من ملف قابل لإعادة التفاوض في كل مرحلة إلى جزء أصيل من بنية الدولة السورية الجديدة وعقدها الدستوري.
وإلى مستقبلٍ أفضل