القضية الكوردية بين الانقسام الداخلي و التحولات الإقليمية 

فرهاد حبش
تعتبر القضية الكوردية من أكثر القضايا تعقيدًا في منطقة الشرق الأوسط، ولا سيما في سوريا، نظرًا إلى التحولات والتغيّرات التي شهدتها المنطقة، إضافةً إلى الموقع الجيوبوليتيكي لسوريا. وتمر القضية الكوردية في سوريا بمرحلة سياسية بالغة الحساسية، فعلى الرغم مما تحقق خلال السنوات الماضية من حضور سياسي واعتراف نسبي بالقضية الكوردية، فإن هذا الحضور قد يتراجع بصورة مقلقة نتيجةً لعدة عوامل، من بينها المصالح المرتبطة بالتحولات الاستراتيجية للدول المؤثرة في المنطقة، ولا سيما الولايات المتحدة الأمريكية وتركيا وإسرائيل.
كما تأثرت القضية الكوردية بالصراعات الإقليمية، ومنها بشكل خاص الصراع التركي-الإسرائيلي حول سوريا، الذي جعل من القضية الكوردية ورقةً تُستخدم في إطار التنافس الإقليمي، الأمر الذي انعكس سلبًا على إمكانية تمكين الكورد من نيل حقوقهم، ولا سيما حقهم في إدارة مناطقهم ضمن إطار الفيدرالية أو الحكم الذاتي. ويضاف إلى ذلك عامل آخر يتمثل في الخلافات الداخلية الكوردية، وغياب وحدة الصف، والارتباطات الأيديولوجية والفكرية المختلفة، التي أسهمت في إضعاف القضية والمطالب الكوردية في سوريا، ولا سيما بعد سقوط نظام الأسد.
ويمكن اعتبار أن تراجع وضعف الموقف الكوردي يرتبط أيضًا بالتغيّر في موقع سوريا ضمن محاور التنافس الدولي، وانتقالها من دائرة النفوذ الروسي إلى مرحلة جديدة أصبحت فيها الدول الغربية أكثر حضورًا وتأثيرًا. وقد دفع ذلك السلطة الانتقالية في سوريا إلى إعادة ترتيب علاقاتها ومصالحها مع الدول الإقليمية والدول الكبرى، بما يتناسب مع التحولات الجديدة في موازين القوى والمصالح في المنطقة والعالم. وقد انعكست هذه التحولات بصورة مباشرة وغير مباشرة على موقع القضية الكوردية وعلى قدرتها على الحفاظ على مكتسباتها السياسية.
لذلك، فإن غياب الحضور السياسي الكوردي لا يعني ضعف عدالة القضية الكوردية، وإنما يعود بدرجة كبيرة إلى الانقسام السياسي، وغياب الوحدة والقرار الكوردي المستقل والموحد، إلى جانب الصراعات الإقليمية والدولية الدائرة في المنطقة.
منذ بداية الأزمة السورية، أُتيحت فرصة تاريخية للحركة السياسية الكوردية لطرح القضية الكوردية باعتبارها قضية وطنية سورية، مرتبطة ببناء دولة ديمقراطية تعددية تعترف بحقوق جميع مكوّناتها. وكان بإمكان الأحزاب والقوى السياسية الكوردية استثمار الظروف الدولية والإقليمية، على وجه الخصوص، من أجل بناء موقف موحد ورؤية سياسية واضحة، وطرح القضية الكوردية على طاولة المفاوضات من خلال المسارات السياسية والدبلوماسية. إلا أن الخلافات الحزبية، والحسابات الضيقة، وتعدد المرجعيات السياسية، أدت إلى إضعاف الموقف الكوردي، وأفقدت القضية جزءًا كبيرًا من قدرتها على التأثير في مسار الأحداث.
وبعد التغيّرات والمجريات الإقليمية والسورية، وما آلت إليه القضية الكوردية في سوريا، ولا سيما في ضوء اتفاقية 29 يناير بين قوات سوريا الديمقراطية والحكومة السورية الانتقالية، التي أسهمت في تهميش دور الأحزاب والفواعل السياسية بصورة كبيرة، تحولت القضية بصورة متزايدة إلى مسألة ذات أبعاد عسكرية وجغرافية، على حساب أبعادها السياسية والوطنية. ورغم أن هذا الاتفاق جاء نتيجة ضغوط خارجية مورست على الطرفين، فإنه أسهم، في جانب منه، في إضعاف بعض عوامل القوة والمصالح الكوردية في سوريا.
ومن ناحية أخرى، فإن دور الأحزاب السياسية الكوردية لم يرتقِ إلى المستوى المطلوب على مدار سنوات الأزمة السورية، نتيجة الاضطرابات والخلافات التنظيمية والأيديولوجية، وعدم الاتفاق على رؤية سياسية متماسكة وواضحة تخدم القضية الكوردية. ولذلك تتحمل مختلف القوى السياسية الكوردية مسؤولية تاريخية عن تراجع القضية وإضعافها، وعلى وجه الخصوص حزب الاتحاد الديمقراطي، بسبب امتلاكه النفوذ العسكري والسياسي في كوردستان سوريا، وتفرّده بإدارة السلطة دون مشاركة فعلية من بقية الأطراف السياسية، وهو ما أثبت، فشله في العديد من الجوانب السياسية والإدارية.
وفي هذه المرحلة الجديدة من تاريخ القضية الكوردية في سوريا، تبرز الحاجة إلى توحيد الجهود والرؤى، وإعادة طرح القضية الكوردية على المستويين الداخلي والخارجي، وترتيب الأولويات السياسية، والانتقال من مرحلة ردود الفعل والتجاذبات السابقة إلى مرحلة توحيد صناعة القرار الكوردي، سواء على المستوى الدولي أو على المستوى السوري.
إن القضية الكوردية في سوريا قضية عادلة، لكن عدالة القضية وحدها لا تكفي. فما تحتاجه اليوم هو وحدة الصف، ووضوح الرؤية، وشجاعة القيادات في تجاوز الحسابات الحزبية الضيقة، وطرح القضية بصورة لائقة وفعّالة على طاولة المفاوضات، إلى جانب تعزيز عوامل القوة السياسية والدبلوماسية والمجتمعية.
فمستقبل القضية الكوردية لا يمكن أن يُبنى من خلال قرارات متفرقة ومواقف متباينة، وإنما من خلال إرادة سياسية كوردية مشتركة، قادرة على حماية الحقوق، وتعزيز حضور الكورد، والتعامل بواقعية مع المتغيرات الإقليمية والدولية، وصناعة مستقبل سياسي يضمن للشعب الكوردي حقوقه المشروعة ضمن سوريا ديمقراطية تعددية.

شارك المقال :

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 Comments
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
اقرأ أيضاً ...

د. محمود عباس قبل أيام، انتهيت من ترجمة كتابي (هل كان للكورد أدباء وفلاسفة قبل الإسلام؟) إلى اللغة الكوردية، بعد رحلة طويلة مع هذا السؤال الذي يتجاوز البحث عن أسماء مفقودة في التاريخ، ليمتد إلى إشكالية الذاكرة، واللغة، والسيادة، وما تعرضت له ثقافة شعوب المنطقة من انقطاعات ومحو وإعادة صياغة. وقد أصبحت النسخة الكوردية متاحة على موقع أمازون بصيغة…

خالد بهلوي انعقد ، يوم امس 23/8/2026، مؤتمر الاتحاد العام للكتّاب والصحفيين الكرد في سوريا، في مدينة إيسن- ألمانيا، بمشاركة أعضاء الاتحاد عبر منصة «زووم» من عدة دول. أما الأعضاء المتواجدون في مدينة إيسن وجوارها، فقد حضروا في قاعة المؤتمر، حيث كانت المشاركة فعّالة من الحاضرين افتراضيًا ومن الموجودين في القاعة. افتُتحت أعمال المؤتمر بالوقوف دقيقة صمت، مع عزف…

شــــريف علي يعتبرمنح البابا ليو الرابع عشر وسام بيوس التاسع للرئيس مسعود بارزاني حدث سياسي – ديني يحمل رسائل متعددة المستويات . فالكرسي الرسولي، الذي يتعامل بحذر شديد مع الرموز السياسية في الشرق الأوسط، لا يمنح هذا الوسام الذي يعد أرفع رتبة ضمن الأوسمة البابوية المخصصة للشخصيات المدنية والسياسية التي قدمت خدمات استثنائية للسلام، وحماية التعددية، وتعزيز كرامة الإنسان ….

نظام مير محمدي كاتب حقوقي وخبير في الشأن الإيراني   على امتداد أكثر من أربعة عقود، جرب المجتمع الدولي مختلف السبل في التعامل مع النظام الإيراني، من الحوار إلى المفاوضات، ومن العقوبات إلى الضغوط السياسية، ولكنه لم ينجح في الوصول إلى حل جذري يضع حداً للأزمة التي باتت تلقي بظلالها على أمن المنطقة واستقرارها. والأسوأ من ذلك أن…