ما بعد PYD.. كوردستان سوريا تحتاج إلى تغيير النهج لا تغيير الأسماء

لاوين ابراهيم

تدخل كوردستان سوريا مرحلة مختلفة عن تلك التي تشكلت فيها منظومتها السياسية والعسكرية خلال سنوات الحرب. فمسار دمج قسد ومؤسسات الإدارة الذاتية في مؤسسات الدولة السورية لا يمثل تحولاً عسكرياً وإدارياً فحسب، بل يفتح الباب أمام إعادة ترتيب المشهد السياسي الكردي أيضاً.

خلال السنوات الماضية تشكلت منظومة متداخلة من الإدارة الذاتية، وقسد كقوة عسكرية، وPYD كقوة سياسية كان لها النفوذ الأبرز في محيط هذه التجربة، إلى جانب أحزاب وشخصيات وقوى كردية أخرى. وقد فرضت ظروف الحرب وميزان القوة على الأرض واقعاً جعل هذه المنظومة صاحبة التأثير الأكبر في إدارة المنطقة وتمثيلها السياسي.

لكن الظروف التي صنعت تلك المرحلة بدأت تتغير، ومن الطبيعي أن تتغير معها قواعد العمل السياسي.

في هذا السياق، يبرز الحديث عن مستقبل PYD، وليس عن PKK وحده. فالـPKK تنظيم نشأ في تركيا، بينما أصبح PYD خلال السنوات الماضية القوة الحزبية الأكثر نفوذاً في كوردستان سوريا، مع وجود روابط تاريخية وفكرية وتنظيمية بين الطرفين، رغم تأكيد قيادة PYD على استقلال الحزب. ومع الانتقال من مرحلة الحرب إلى مرحلة سياسية جديدة، لم يعد النقاش حول الأسماء والعلاقات التنظيمية كافياً؛ الأهم هو معرفة ما إذا كان الانتقال المقبل سيحمل معه تغييراً حقيقياً في طريقة العمل السياسي.

وهنا يأتي موقع مظلوم عبدي.

عبدي أحد أبرز قادة المرحلة العسكرية، وانتقاله إلى العمل السياسي يحمل دلالة تتجاوز موقعه الشخصي. وإذا تحولت الأنباء المتداولة عن تأسيس حزب جديد بقيادته إلى إعلان رسمي، فقد نشهد إعادة تشكيل مهمة داخل الساحة السياسية الكردية، خصوصاً في ظل إعادة ترتيب علاقة قسد والإدارة الذاتية بالدولة السورية.

لكن تأسيس حزب جديد لا يعني بالضرورة ولادة تجربة سياسية جديدة.

الحزب الجديد لا يصبح جديداً بمجرد تغيير الاسم.

إذا انتقلت القيادات والشبكات التنظيمية نفسها، وبقيت طريقة اتخاذ القرار والخطاب السياسي والعلاقة مع المجتمع والقوى الأخرى كما هي، فلن يكون التغيير أكثر من إعادة ترتيب للواجهة. أما إذا ترافق تأسيس الحزب مع مراجعة سياسية حقيقية، وانفتاح على التعددية، وفصل واضح بين العمل الحزبي والسلاح، وتغيير في آليات صناعة القرار، وعلاقة أكثر توازناً مع بقية القوى الكردية، فحينها يمكن الحديث عن بداية مختلفة.

وهذا ينطبق أيضاً على احتمال إعادة تشكيل PYD أو تغيير اسمه. القضية ليست في بقاء الحزب أو تغييره، وإنما في طبيعة المرحلة التي ستأتي بعده. الاسم يمكن أن يتغير بسهولة، أما النهج فلا يتغير بقرار شكلي.

ولا يمكن تناول هذه المسألة من دون الاعتراف بدور قسد. فقد لعبت قواتها ومقاتلوها دوراً أساسياً في مواجهة داعش وحماية المنطقة خلال سنوات شديدة الصعوبة، ودفع كثيرون ثمناً كبيراً لذلك. لكن الاعتراف بهذه التضحيات لا يعني أن قواعد مرحلة الحرب يمكن أن تستمر كما هي في زمن السياسة.

فالمرحلة العسكرية لها أدواتها وحساباتها، بينما تحتاج السياسة إلى مؤسسات وتعددية ومنافسة وقبول بالاختلاف.

وهنا تظهر إحدى أهم مشكلات التجربة السابقة: الساحة الكردية السورية لم تكن خالية من القوى السياسية الأخرى. فقد واصل المجلس الوطني الكردي، إلى جانب أحزاب وتيارات كردية أخرى، حضوره في المعارضة السورية والعمل السياسي، وشارك في محاولات بناء موقف كردي مشترك. لكن ميزان القوة على الأرض جعل الدور السياسي للقوى المحيطة بالإدارة الذاتية، والدور العسكري لقسد، هو الأبرز في كثير من المراحل، بينما بقيت قوى كردية أخرى خارج مركز القرار الفعلي أو أقل تأثيراً في مسار التفاوض.

وجود التعددية السياسية لم يكن يعني دائماً وجود تعددية حقيقية في صناعة القرار.

وهذا لا يعفي المجلس الوطني الكردي أو غيره من القوى من مسؤولية حالة الانقسام الكردي التي رافقت السنوات الماضية. فالمشكلة لم تكن في طرف واحد فقط، بل في عجز القوى الكردية مجتمعة عن بناء صيغة سياسية مستقرة تجعل الخلاف تنافساً سياسياً بدلاً من أن يتحول إلى انقسام دائم.

لذلك، فإن المرحلة الجديدة لا ينبغي أن تنتج احتكاراً جديداً للتمثيل الكردي، أياً كان اسمه.

لا يمكن أن يكون الحل في انتقال مركز النفوذ من PYD إلى حزب جديد بقيادة مظلوم عبدي، كما لا يمكن أن يكون في إقصاء المجلس الوطني الكردي أو بقية القوى السياسية. القضية الكردية أكبر من حزب وأكبر من قيادة، وأي مشروع سياسي لا يستطيع استيعاب هذا التنوع سيعيد إنتاج المشكلة نفسها بطريقة مختلفة.

المطلوب هو صيغة سياسية أكثر توازناً، يكون فيها المجلس الوطني الكردي وبقية القوى الكردية جزءاً حقيقياً من النقاش والقرار، لا مجرد أطراف تُستدعى عند الحاجة. وفي الوقت نفسه، لا ينبغي تقديم أي طرف باعتباره الممثل الوحيد للكرد أو البديل الجاهز عن الآخرين.

ومن هنا تأتي مسألة استقلال القرار الكردي السوري.

لقد جعل ارتباط القضية الكردية السورية بالصراعات الإقليمية، ولا سيما الصراع بين PKK وتركيا، هذه القضية عرضة لحسابات تتجاوز أحياناً مصالح المجتمع الكردي السوري نفسه. والمرحلة الجديدة تتيح فرصة لإعادة تعريف المشروع السياسي الكردي باعتباره قضية سورية لها خصوصيتها، وحقوق قومية وسياسية ينبغي تثبيتها داخل الدولة السورية.

وهذا لا يعني قطع الصلات الفكرية أو التاريخية مع الحركة الكردية في أجزاء أخرى من كوردستان، ولا يعني التنكر لأي مرجعية فكرية. لكن من الضروري الفصل بين المرجعية الفكرية وبين مركز القرار السياسي والتنظيمي.

يمكن أن يتأثر حزب بفكر أو تجربة خارج حدوده، لكن القرار السياسي الذي يتعلق بمستقبل كوردستان سوريا يجب أن يكون نابعاً من مصالح مجتمعها ومؤسساتها، لا أن يكون امتداداً لقرار يصنع خارجها.

وفي المقابل، فإن دمشق أمام مسؤولية أساسية أيضاً. إذا كان مسار المرحلة الجديدة يقوم على دمج المؤسسات العسكرية والإدارية في الدولة السورية، فإن هذا المسار يحتاج إلى ضمانات سياسية ودستورية واضحة للحقوق الكردية، بما يشمل الهوية واللغة والثقافة والمشاركة السياسية والإدارة المحلية.

دمج المؤسسات لا يمكن أن يكون بديلاً عن حل القضية السياسية.

كما أن انتقال القوى الكردية من العمل العسكري إلى العمل السياسي يجب ألا يكون انتقالاً شكلياً. المطلوب أن تتغير معه قواعد العمل: من منطق الضرورة العسكرية إلى منطق السياسة، ومن احتكار المجال إلى التعددية، ومن القرار المغلق إلى المشاركة، ومن الاعتماد على القوة إلى الاحتكام إلى المؤسسات.

لهذا سيكون أي حزب جديد، إذا تأسس، أمام اختبار حقيقي.

لن تحدد قيمته شخصية مؤسسه ولا الاسم الذي سيحمله، وإنما برنامجه، وبنيته، وعلاقته بالمجتمع، وموقفه من التعددية، واستقلال قراره، وعلاقته ببقية القوى الكردية والدولة السورية.

والمعيار في النهاية بسيط:

إذا تغير الاسم وبقي النهج، فنحن أمام إعادة تسمية. وإذا تغير النهج والبنية وطريقة اتخاذ القرار، فنحن أمام تحول سياسي حقيقي.

فإذا تغير اسم PYD، أو ظهر حزب جديد بقيادة مظلوم عبدي، بينما بقيت القيادات والشبكات والعقلية وطريقة العمل والقرار كما هي، فلن يكون قد تغير شيء جوهري؛ ستكون اللافتة فقط هي التي تغيرت.

أما إذا كان تأسيس الحزب الجديد جزءاً من مراجعة أوسع تعيد تعريف العلاقة مع المجتمع، وتفتح المجال أمام التعددية، وتفصل بين الحزب والسلاح، وتمنح القوى الكردية المختلفة مكانها الطبيعي، وتجعل القرار السياسي نابعاً من كوردستان سوريا، فسيكون ذلك تحولاً يستحق التوقف عنده ودعمه سياسياً.

كوردستان سوريا لا تحتاج إلى إعادة تدوير تجربة انتهت ظروفها، ولا إلى استبدال اسم باسم آخر، ولا إلى نقل مركز النفوذ من جهة إلى جهة. ما تحتاجه هو مراجعة سياسية شجاعة تستفيد من تجربة السنوات الماضية، وتحافظ على ما كان فيها من إنجازات، وتعترف بأخطائها، وتؤسس لمرحلة أكثر تعددية واستقلالاً.

فالانتقال الحقيقي من مرحلة الحرب إلى مرحلة السياسة لا يقاس بعدد الأسماء التي تتغير، وإنما بما يتغير في طريقة التفكير وصناعة القرار والعلاقة مع المجتمع.

كوردستان سوريا لا تحتاج إلى حزب جديد بالاسم فقط؛ تحتاج إلى سياسة جديدة بالفعل

شارك المقال :

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 Comments
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
اقرأ أيضاً ...

أحمد اسماعيل اسماعيل Ahmad Ismail Ismail هل العلّة في العقل الكردي أم في الثقافة التي تحاصره؟ تُتهم العقلية الكردية، في كثير من الأحيان، بالجمود أو بالعجز عن الفعل والإبداع. ولكن هل تكمن المشكلة حقاً في العقل الكردي ذاته؟ إن النظر إلى تجارب عدد من المبدعين الكرد الذين استطاعوا تجاوز الأنساق الثقافية والاجتماعية التقليدية يكفي لإثارة الشك في هذا الحكم. فسليم…

د. فريد سعدون هل كان سيسقط الأسد بشكل أسرع إن حاربته الأحزاب والقوى الكردية ولم تهادنه وتتغاضى عن الدخول في صراع مباشر معه … ؟؟ المسألة أكثر تعقيدا مما نتوقع، ولكن المساحة الجغرافية التي سيطر عليها الأكراد، والموارد الاقتصادية التي استحوذوا عليها، والقوة العسكرية التي امتلكوها، لو…

كاوى ازيزي Kawa Azizi العملية السلمية لحل معضلة ال ب ك ك مع الدولة التركية ، هامة واتت في مرحلة خطيرة تمر به الشرق الاوسط برمته . عملية تركيا بلا ارهاب وافقت عليه الاكثرية المطلقة لاحزاب تركيا بما فيهم حزب DEM PARTI. اذا ، اعترف الجميع بما حدث في تركيا منذ اربعين عاما كانت ارهابا ، لكن دم بارتي سمته…

شادي حاجي تمرّ سوريا اليوم بمرحلة انتقالية قد ترسم شكل الدولة السورية ومستقبل العلاقة بين مكوّناتها، وموقع الشعب الكردي وحقوقه في سوريا الجديدة. وفي مثل هذه اللحظات، لا يكفي التمسك بالأدوات والخطابات التي رافقتنا لعقود، بل تفرض المرحلة أسئلة جديدة، أبرزها: إذا كانت المرحلة قد تغيّرت، فهل ينبغي أن تبقى القيادات والعقلية السياسية الكردية على حالها؟ هذا السؤال ليس استهدافاً…