أحمد اسماعيل اسماعيل Ahmad Ismail Ismail
هل العلّة في العقل الكردي أم في الثقافة التي تحاصره؟
تُتهم العقلية الكردية، في كثير من الأحيان، بالجمود أو بالعجز عن الفعل والإبداع. ولكن هل تكمن المشكلة حقاً في العقل الكردي ذاته؟
إن النظر إلى تجارب عدد من المبدعين الكرد الذين استطاعوا تجاوز الأنساق الثقافية والاجتماعية التقليدية يكفي لإثارة الشك في هذا الحكم. فسليم بركات، ويلماز غوني، ويشار كمال، وعلي وأحمد بدرخان .. وغيرهم كثيرون، نماذج تكشف عن قدرة هائلة على الخلق والإبداع متى استطاع الفرد التحرر، ولو جزئياً، من القيود التي تحيط بعقله.
فأين تكمن العلة إذاً؟
أعتقد أنها لا تكمن في العقل، وإنما في الثقافة السائدة حين تتحول مع الزمن إلى ذهنية مغلقة؛ ذهنية تحاصر العقل بطبقات متراكمة من العواطف والانفعالات والمقدسات الاجتماعية والسياسية، حتى تصبح حوله قشرة صلبة يصعب اختراقها.
لكن كيف يمكن كسر هذه القشرة؟
أعتقد أنها تيدأ بالنقد والثقافة والمعرفة. وبتشريح المسلّمات، ومساءلة الخطابات التي حولت العاطفة إلى بديل عن التفكير. وقد ساهم في تكوين هذه الحالة عاملان متداخلان: أحزاب غذت الجمهور بالشعارات والخطابات التعبوية، إلى درجة أصبحت طروحاتها سقف الكردي وأرضيته، وسلطات قاهرة مارست على الكرد، لعقود طويلة، أشكالاً متعددة من القمع والإنكار والتهميش. وبين خطاب التعبئة من الداخل وسياسات القهر من الخارج، تضخمت العاطفة أحياناً حتى ضاق المجال المتاح للعقل النقدي.
والسؤال هنا: ومن سيقوم بمهمة النقد إن لم يكن المثقف؟
هنا تبدأ المشكلة الأكثر تعقيداً. فالمثقف الكردي نفسه ليس دائماً خارج هذه البنية. فكثيراً ما ينغمس فيها، إما بدافع عاطفي، أو بانفعال سياسي، أو رغبة في إرضاء الجمهور، أو خوفاً من اتهامه بالخيانة أو التنكر لقضيته. وهكذا قد يتحول من ناقد للذهنية السائدة إلى جزء من آلية إعادة إنتاجها.
فهل يعني ذلك أن لا حل إذا فسد “ملح المجتمع”؟
بلى.
باعتقادي، يبدأ الحل من جرأة المثقف على الاعتراف بهذه الآفة أولاً، ومن امتلاكه الشجاعة لتوجيه معول النقد حتى إلى أكثر المساحات حساسية.
وفي المقابل، يحتاج المجتمع إلى أن يتعلم ألا يحاكم المثقف لمجرد أن نقده أصاب بعض عواطفه الحقيقية أو جرح بعض مسلماته الراسخة.
فالمثقف الذي لا يستطيع إزعاج اليقين السائد لا يمارس دوره كاملاً، والمجتمع الذي لا يحتمل نقد نفسه سيظل يعيد إنتاج أزماته، حتى وإن غيّر شعاراته وأسماء أحزابه.
المشكلة إذاً ليست في نقص القدرة على الإبداع، بل في تحرير العقل من الطبقات التي تراكمت فوقه.
وحين يصبح النقد حقاً لا خيانة، والسؤال فضيلة لا تهمة، يمكن للعقل أن يستعيد حريته.
فمتى نبدأ خطوة الألف ميل؟
الجواب كما في صورتي مع حفيدي آلان…إنه لدى الجيل الجديد.
الجديد تماماً.