فرهاد جميل حاجو
هناك بيانات سياسية تمرّ وتنتهي بانتهاء المناسبة التي كُتبت من أجلها، وهناك بيانات تستدعي الرد لأنها لا تتعلق بموقف سياسي عابر، بل تتناول اسمًا تاريخيًا وذاكرة جماعية وإرثًا نضاليًا لا يحق لأحد أن يتصرف به وكأنه ملك شخصي.
ومن هذا المنطلق و من منطلق كوني حفيداً لحاجو آغا أجد نفسي مضطرًا إلى الرد على البيان الصادر باسم ما سُمّي «مجلس عشائر هفيركان»، والموقّع باسم السيد زيور حاجو آغا بصفته «رئيس المجلس».
إن اعتراضي هنا لا يتعلق بحق أي إنسان في التعبير عن موقفه السياسي، ولا بحق أي شخص في احترام الرئيس مسعود بارزاني أو غيره من القادة الكرد. ذلك حق مشروع لكل إنسان.
لكن المسألة تصبح مختلفة تمامًاعندما يتجاوز الأمر التعبير الشخصي. فعندما يأتي شخص كالسيد زيور حاجو فيُستخدم اسم هفيركان، ويستدعي مكانتها التاريخية، و يتحدث باسم جميع عشائرها وأبنائها في كردستان والشتات، من دون أن يكون واضحًا ما هو الأساس الذي يمنحه هذه الصفة التمثيلية، عندها يصبح من البديهي أن عليه أن يضع في حسابه بأنه سيصبح هدفاً للمحاسبة.
إن اسم هفيركان ليس اسمًا مستحدثًا يمكن استخدامه كمطية من قبل أشخاص أو مجموعة من الأفراد لتحقيق أغراض و مصالح شخصية.ولن يسمح لمثل هؤلاء إغتصاب شرعية التكلم بإسمها أو إصدار البيانات السياسية، حتى و لو كانت تلك البيانات تعبرفي ظاهرها عن مضامين تتماشى مع التوجه السائد لدى الرأي العام الكردي. فلم يعد بقدور تلك البيانات السياسية المغلفة بالكلمات و التعابيرالبراقة أن تخدع المشاعرالحقيقية للإنسان الكردي الواعي لمصلحته ولا في مقدورها إضافة شيء جديد إلى تاريخ اتحاد عشائر هفيركان و لا إلى اسم حاجو آغا. فتاريخ إتحاد عشائرالهفيركان و تاريخ حاجو آغا بغنى عن مثل هكذا بيانات، فهي لديها ما يكفيها من صفحات مشرقة بين دفات كتب الـتاريخ. فالوثائق المحفوظة في الأرشيفات الفرنسية و الإنكليزية هي شهادات موثقة على ذلك.
تعقيباً على ما استهلتُ به مقالي، لا بد لي أن أوضح نقطةً مهمةً تتعلق بدافعي للرد على بيان «مجلس عشائر هفيركان». ردي ليس له أية علاقة بما يقوم به ” زيور حاجو” بشكل شخصي. فأنا لا أهتم بتاتا بما يقول أو يكتب أو يعلن عنه بإسمه الشخصي. و لوكان هذا البيان أعلن بإسم زيور الشخصي لما جلبت على نفسي مشقة الرد عليه. و قبل قيامي بذلك هناك ملاحظة مهمة يجب الإشارة إليها من البداية، و ربما لا يعيها السيد زيور، وهي أنه بإصداره لبيان سياسي و بتوقيعة كرئيس لتنظيم سياسي ـ عشائري يحول نفسه إلى ”شخصية عامة” و يفتح بذلك الباب على مصراعيه أمامي و أمام أيٍ من كان، النبش في تاريخه و نشاطه السياسي. خاصةً عندما يجازف بالخروج على الرأي العام بمثل هكذا بيان.
ما يجعلني مجبراً على الرد على هذا البيان يتلخص في نقطتين:
أولاٍ كوني أحد أحفاد حاجو آغا من الجيل الأول: و هنا أريد أن أوضح سلفاً بأنني لا أتعامل مع هذا الإنتماء ولا مع تاريخ حاجو آغا، ، باعتبارهما وسيلة لمنح نفسي صكوكًا سياسية أو إجتماعية، وإنماـ بعكس ما يقوم به زيور آغا ـ أتعامل معهما باعتبارهما أمانة عائلية وتاريخية تجعلني أكثر حرصًا على ألا يتحول اسم جدي واسم العشائر التي قادها إلى واجهة لبيانات سياسية لم تكن تستخدم يوما كلافتات للتعريف بهفيركان و تاريخها. ولكنني أملك الحق في أن أسأل سؤالًا بسيطًا، لكنه جوهري:
من فوّض السيد زيور حاجو آغا ليتحدث باسم عشائر هفيركان كلها، في كردستان والشتات، وأن يقدّم نفسه رئيسًا لمجلسها؟ وإذا كان هناك مجلس حقيقي، فليُعرَّف للناس: من هم أعضاؤه؟ متى تأسس؟ من انتخب رئيسه؟ وما هي الآلية التي منحته حق تمثيل عشائر هفيركان؟ أما أن يُكتب اسم «مجلس عشائر هفيركان» في أعلى بيان، ثم يوضع تحته اسم شخص بصفته «رئيس المجلس»، فهذا وحده لا يصنع شرعية تمثيلية.
ثانيا مضمون البيان و توقيته: قبل كل شيء أجد من الضروري أن أقول بوضوح إنني لا أرى في احترام مسعود بارزاني أو تقدير دوره في التاريخ الكردي أمرًا يحتاج إلى إعلان ولاءات.
بل على العكس.
إنني أرى أن للرئيس مسعود بارزاني مكانة سياسية وتاريخية معروفة، وأن الحديث عن تضحيات عائلة بارزاني ودورها في الحركة الكردية لا يحتاج إلى أن يتحول إلى مسابقة في عبارات المديح. فمسعود البارزاني نفسه يضع قضية شعبنا فوق القضايا الشخصية و يعتبرها أكبر من الأشخاص. وهو يمقت أن تختزل تضحيات أجيال من الكرد في إعلان ولاء لشخص.
وقد استوقفني في البيان هذا السيل من العبارات من قبيل: «أسمى عبارات الوفاء»، و«تجديد العهد»، و«المرجع القومي»، و«موقف وفاء وعهد ثابت».
السؤال الذي أطرحه ليس: لماذا تحترمون مسعود بارزاني؟ بل لماذا يحتاج احترام قائد كردي بقامة مسعود البارزاني إلى كل هذا الإعلان عن الولاء؟
فالرئيس مسعود بارزاني، في رأيي، لا يحتاج إلى شهادات ولاء من أحد كي تثبت مكانته. والمشروع القومي الكردي لا يقوى بكثرة عبارات التملق، وإنما يقوى بصدق المواقف وثبات المبادئ والعمل من أجل الشعب.
ولكن يبدو واضحاً بأن ” زيورآغا الهفيركي ”يحتاج إلى هذا الأسلوب في تغيير ولاءاته وانتقاله من موقع سياسي إلى موقع آخربغرض تغطية ولاءاته السابقة. وهولا يجد حرجاً إبدال خطاب سياسي كان يمجّد قيادة عبدالله أوجلان إلى خطاب جديد يعلن «العهد والوفاء» لمسعود البارزاني. وعندما أقول هذا لا أعني به بأنه ممنوع على البشر تغيير مواقفهم، و لاأسأل أيضاً لماذا يغيّرالإنسان مواقفه. فالإنسان من حقه أن يراجع نفسه، وأن يغيّر قناعاته. بل إن تغيير الموقف السياسي قد يكون أحيانًا علامة على مراجعة فكرية حقيقية. لكن المشكلة تبدأ عندما يتغير الولاء ويبقى الأسلوب نفسه. فأنا لا أستعمل هذه الحقيقة لإدانة شخص بعينه بسبب ماضيه السياسي، وإنما لأطرح سؤالًا أكبر:
هل غيّر الإنسان قناعته، أم غيّر فقط الجهة التي يوجه إليها الولاء؟
وللتنبيه أقول بأن على كلٍ من ” زيورآغا ” و عمه الدكتور حزني حاجو ـ أن يضعوا في حسابهم بأن الذاكرة الجمعية لكرد روجآفا ليست قصيرة ـ إلى تلك الدرجة التي يتصورونها هم ـ بأن ينسوا، بالمنظور القريب ، تلك العلاقة التي كانت تربطهم وتربط مشروعهم العشائري بالإدارة الذاتية (التي كان يقودها حزب الاتحاد الديمقراطي PYD). وهيهات أن ينسى أحد بأن هذا التشكيل العشائري الذي يختفي خلفه زيور حاجو بمساندة عمه حزني حاجو جرى بدعم وتوجيه غير مباشر من حزب العمال الكردستاني والإدارة الذاتية لتأمين غطاء عشائري محلي للمشروع السياسي القائم هناك.
التاريخ القريب علّمنا الحذر من «الولاء الأبدي»
إن منطقتنا شهدت خلال العقود الماضية ظاهرة سياسية مؤلمة: زعماء تحوّلوا في ظل أنظمة سلطوية إلى رموز تُرفع صورهم في كل مكان، وتُكتب لهم عبارات الولاء، وتُقام لهم المهرجانات، ويُقدَّم القرب منهم باعتباره فضيلة سياسية.
عرفنا ذلك في عهود جمال عبد الناصر، وصدام حسين، ومعمر القذافي، وحافظ الأسد، ثم بشار الأسد.
ولا أقارن هنا مسعود بارزاني بأي واحد من هؤلاء. بل أنا لا أستطيع تقبل أن يتحول إسم مسعود بارزاني إلى لافتة يستعمل بنفاق من قبل بعض مروجي الولاءات لأغراض مصلحية آنية. وهذه نقطة أريد أن تكون واضحة جدًا.
فالمقارنة التي أقصدها ليست مقارنة بين الأشخاص أو بين تاريخهم أو أفعالهم، وإنما مقارنة بين ظاهرة سياسية واحدة: ظاهرة تحويل السياسة إلى إعلان ولاء شخصي، ثم يبدل هذا الولاء عندما تتبدل موازين القوة.
لقد شهد الشرق الأوسط، وخصوصاً العالم العربي، أنظمة قامت على الزعيم والحزب والدولة في منظومة واحدة، وأن ثقافة تمجيد القائد كانت جزءًا من الحياة السياسية والإعلامية في مراحل مختلفة. ومع سقوط بعض تلك الأنظمة، تغيّرت مواقع أشخاص وقطاعات من النخب، وانتقل بعض من كانوا يطبلون للسلطة في الأمس القريب إلى مواقع أخرى يمارسون فيها مهنتهم في تقديم الولاءات للسلطة الجديدة .
صدام حسين مثال صارخ على انهيار نظام كان قائمًا على سلطة شديدة التركّز حول شخصه؛ وقد أُعدم بعد إدانته أمام المحكمة العراقية الخاصة عام 2006. أما ابناه عدي وقصي تعرضا للخيانة من قبل أقرب الناس إليهم و قُتلا في عملية أمريكية في الموصل عام 2003.
وفي ليبيا، انتهى حكم معمر القذافي عام 2011 بعد انتفاضة مسلحة وتدخل دولي، وقُتل القذافي في أكتوبر من العام نفسه.
وفي سوريا، استمر حكم حافظ الأسد من 1971 حتى وفاته عام 2000، ثم انتقلت الرئاسة إلى ابنه بشار، قبل أن ينتهي حكم بشار الأسد في ديسمبر 2024. وهذه الوقائع وحدها تذكّرنا بأن الأنظمة السياسية، مهما بدت ثابتة في لحظة معينة، ليست قدرًا أبديًا.
لكن الدرس الذي ينبغي أن نستخلصه من هذه التجارب ليس أن الولاء يجب أن ينتقل من زعيم إلى زعيم، وإنما العكس تمامًا:
أن تكون علاقتنا بالقادة قائمة على المبدأ، لا على موازين القوة.
الشعب الكردي لا يحتاج إلى «مؤمنين بالأشخاص»
لقد دفع الشعب الكردي ثمنًا باهظًا عبر تاريخه بسبب الولاءات الشخصية الغير موزونة والانقسامات والصراعات بين الزعامات.
وما نحتاجه اليوم ليس أن يتحول كل كردي إلى تابع لزعيم، وإنما أن تتحول العلاقة بين الشعب وقياداته إلى علاقة قائمة على الاحترام والثقة والمحاسبة والمبدأ.
إن مسعود بارزاني، مثل أي قائد سياسي، يمكن أن يُحترم ويُنتقد، ويمكن أن تُثمّن مواقفه ويُختلف مع بعضها الآخر، دون أن يعني ذلك انتقاصًا من تاريخه.
بل إن احترام القائد الحقيقي يكون أحيانًا في أن تقول له الحقيقة بدل أن تغرقه في المديح.
وأنا أعتقد أن مسعود بارزاني ليس بحاجة إلى أن يسمع من أحد أن «هفيركان كلها» تقف وراءه، ولا أن يُعلن له «عهد ثابت» باسم أناس لم يُستشاروا.
يكفي أن يكون هناك مواطن كردي يقول:
أنا أحترمك لأنني أؤمن بما فعلته، وأختلف معك عندما أختلف، وأقف إلى جانبك عندما أقتنع بموقفك.
هذا الموقف أكثر صدقًا من عشرات بيانات الولاء.
إلى أبناء هفيركان
أقول:
إن اسم هفيركان أكبر من بيان.
وتاريخ هفيركان ليس ملكًا لعائلة أو فرد أو مجموعة سياسية. إنه تاريخ رجال ونساء، وقرى وبيوت، وهجرة ونضال وتضحيات، وتاريخ حاجو آغا ومن سبقه ومن جاء بعده. ولذلك فإن استخدام اسم هفيركان في البيانات السياسية يجب أن يكون مسؤولية، لا امتيازًا. ومن حق كل فرد من أبناء هفيركان أن يعلن موقفه السياسي كما يشاء، وأن يؤيد مسعود بارزاني أو يعارضه أو يختلف معه.
لكن لا أحد يملك الحق، من وجهة نظري، في أن يحوّل موقفه الشخصي إلى موقف جماعي لمجموعة تاريخية بأكملها دون تفويض واضح.
وإلى أخي مسعود البارزاني
أقول
ما أكتبه هنا ليس إعلان ولاء لك.
فأنا أملك لك في قلبي مشاعر أخرى هي أكبر بكثير من مفهوم الولاء.
ما أملكه لك هو الحب الذي ترعرعت عليه على أيدي والدي، جميل حاجو، الذي استقبله والدكم، الزعيم الخالد ملا مصطفى البارزاني، في ناوبردان بعد إعلان اتفاقية آذار عام 1970.
وما أملكه لكم هو ما ورثته أبًا عن جد من تربية على نهج الكوردايتي
ولذلك لا أريد أن أكون واحدًا من أولئك الذين يعلنون الولاء لك عندما الظروف تقتضي ذلك، أو لأن ميزان السياسة مال في اتجاه معين.
أنا لا أحتاج إلى أن أكون «موالياً» لك حتى أحبك.
ولا أحتاج إلى أن أرفع شعارًا حتى أكون ابنًا لهذه القضية.
إنني أريد أن أبقى كما تربيت: كرديًا يرى في كردستان قضية، وفي النضال مسؤولية، وفي الرجال مواقف تُقاس بما قدموه لشعبهم.
والآن، اسمح لي أن أناديك بأحلى اسم لك لدي؛ الاسم الذي زرعته نضالاتكم في قلب كل بيشمه ركه و في ضميركل كردي يحب كردستان:
كاك مسعود، أحبك لأنك تعشق جبال كردستان.
وهذا، بالنسبة إليّ، أكبر من الولاء
السويد 6 اوكتوبر 2026




