شادي حاجي
تمرّ سوريا اليوم بمرحلة انتقالية قد ترسم شكل الدولة السورية ومستقبل العلاقة بين مكوّناتها، وموقع الشعب الكردي وحقوقه في سوريا الجديدة. وفي مثل هذه اللحظات، لا يكفي التمسك بالأدوات والخطابات التي رافقتنا لعقود، بل تفرض المرحلة أسئلة جديدة، أبرزها:
إذا كانت المرحلة قد تغيّرت، فهل ينبغي أن تبقى القيادات والعقلية السياسية الكردية على حالها؟
هذا السؤال ليس استهدافاً لأحد، ولا إنكاراً لتاريخ الأحزاب والقيادات الكردية وتضحياتها، بل هو سؤال يرتبط بالمسؤولية السياسية. فالقيادة ليست موقعاً دائماً، وإنما مسؤولية تتطلب قراءة الواقع، ومراجعة التجربة، والاعتراف بالأخطاء، والانتقال إلى أدوات جديدة عندما تتغير الظروف.
لقد واجهت الحركة السياسية الكردية في سوريا عقوداً من التهميش والقمع والإنكار، وناضلت من أجل الاعتراف بحقوق الشعب الكردي. لكن السؤال اليوم لا ينبغي أن يكون فقط: ماذا فعلنا في الماضي؟ بل ماذا يحتاج منا المستقبل؟
مرحلة جديدة تحتاج إلى عقل سياسي جديد
المرحلة الانتقالية السورية تتطلب من الحركة السياسية الكردية رؤية واضحة لكيفية تثبيت الحقوق الكردية ضمن سوريا ديمقراطية وعادلة ومتعددة القوميات والأديان والطوائف. وهذا يحتاج إلى قيادة قادرة على التفاوض، وبناء التحالفات، وإدارة الحوار مع مختلف القوى والمكونات، وفهم المتغيرات الإقليمية والدولية، والتواصل مع المجتمع بلغة واقعية ومسؤولة.
كما أن أدوات العمل السياسي تغيّرت. ففي عصر الإعلام الرقمي والتكنولوجيا والذكاء الاصطناعي، أصبحت القدرة على الوصول إلى المعلومات وتحليلها، وصناعة الخطاب، والتواصل مع الرأي العام، وإدارة المبادرات والحملات، جزءاً أساسياً من التأثير السياسي.
ومن هنا يبرز سؤال مهم: أين موقع الجيل الجديد من الكفاءات الكردية في صناعة القرار؟
التجديد لا يعني إلغاء الخبرة
التجديد لا يعني إقصاء الجيل السابق أو إنكار خبرته. فخبرة من عاشوا مراحل النضال السابقة رصيد مهم لا يمكن الاستغناء عنه. لكن الخبرة تتحول إلى عبء عندما تصبح سبباً لرفض التغيير، أو عندما تتحول المواقع القيادية إلى حق مكتسب بدلاً من أن تكون مسؤولية قابلة للمراجعة والتقييم.
المطلوب هو الجمع بين خبرة الأمس وأدوات الغد، بين من يعرفون الطريق الذي قطعناه، ومن يمتلكون القدرة على اكتشاف الطريق الذي لم نسلكه بعد.
إن فتح المجال أمام جيل جديد من الكفاءات ليس تقليلاً من شأن الجيل السابق، بل استثمار في مستقبل القضية الكردية وضمان لاستمرارها بأدوات أكثر ملاءمة للمرحلة.
المشكلة أعمق من تغيير الوجوه
لا تكمن المشكلة في أسماء أو قيادات بعينها فقط، بل في طريقة العمل السياسي نفسها.
هل تسمح الأحزاب والأطر بمساحة حقيقية للنقاش والنقد الداخلي؟
هل تُقاس الكفاءة بالقدرة على الإنجاز أم بالولاء التنظيمي؟
هل تستطيع القيادات الاستماع إلى الأصوات المختلفة داخل المجتمع الكردي؟
وهل يمكن تجاوز الخلافات القديمة عندما تصبح المصلحة الكردية أكبر من الحسابات الحزبية والشخصية؟
هذه الأسئلة لا ينبغي أن تُقابل بالخوف أو التخوين، لأن النقد الذاتي ليس ضعفاً، بل مصدر من مصادر القوة.
فالقضية الكردية في سوريا أكبر من حزب أو قيادة أو جيل سياسي واحد، وأي محاولة لاختزالها في أشخاص أو أطر محددة ستبقى عاجزة عن بناء مشروع سياسي طويل الأمد.
وحدة الصف لا تعني إلغاء الاختلاف
تحتاج الحركة السياسية الكردية اليوم إلى إعادة تعريف مفهوم الوحدة. فالوحدة لا تعني تطابق الآراء أو اختفاء الخلافات، بل القدرة على إدارة الاختلاف بعقل ديمقراطي، والاتفاق على القضايا الجوهرية، ووضع المصلحة الكردية فوق المصالح الحزبية والشخصية.
لا تجعلوا الشعب أسيراً للخلافات بين الأحزاب، ولا تجعلوا القضية الكردية رهينة للمواقف المتغيرة للقوى الإقليمية والدولية، ولا تجعلوا نضال عقود طويلة مجرد أوراق تفاوضية تُستهلك في لحظة سياسية عابرة.
إن استقلالية القرار السياسي، ووحدة الرؤية، والقدرة على الحوار والتفاوض، أصبحت شروطاً أساسية لحماية المصالح القومية الكردية.
فرصة تاريخية لا ينبغي إضاعتها
تحمل المرحلة الانتقالية السورية مخاطر كبيرة، لكنها تحمل أيضاً فرصة نادرة لإعادة صياغة العلاقة بين الدولة السورية ومكوّناتها على أسس تقوم على المواطنة المتساوية، والعدالة، والديمقراطية، والاعتراف بالحقوق السياسية والثقافية والقومية.
لكن الفرص التاريخية لا تنتظر طويلاً.
وإذا أرادت الحركة السياسية الكردية أن تكون طرفاً مؤثراً في صياغة مستقبل سوريا، فعليها أن تدخل هذه المرحلة بعقلية مختلفة، وقيادة أكثر قدرة على قراءة المتغيرات، وخطاب أكثر واقعية، ومشروع سياسي واضح، واستعداد حقيقي للتوافق والعمل المشترك.
فالمطلوب اليوم ليس المزيد من الأحزاب والأطر والبيانات، بل مشروع سياسي يتجاوز الأشخاص والأحزاب، ويعبّر عن تطلعات المجتمع الكردي، ويعرف كيف يحوّل التحولات الجارية إلى فرصة بدل أن يبقى أسيراً لها.
السؤال الذي لا ينبغي تأجيله
ربما آن الأوان لطرح السؤال بوضوح أمام الأحزاب والأطر والقيادات الكردية في سوريا:
هل نريد أن نقود المرحلة الجديدة بعقلية المرحلة السابقة، أم نمتلك الشجاعة لفتح الباب أمام التجديد؟
التجديد لا يعني التنكر للتاريخ أو إقصاء أصحاب الخبرة، بل يعني أن تتحول الخبرة إلى جسر تعبر عليه الأجيال الجديدة، وأن تُفتح الأبواب أمام الكفاءات التي تمتلك المعرفة والأدوات والقدرة على التعامل مع عالم مختلف.
فالشعب الكردي في سوريا لا يحتاج اليوم إلى مزيد من الشعارات بقدر ما يحتاج إلى قيادة أكثر وحدة وكفاءة واستقلالية، وأكثر قدرة على قراءة اللحظة التاريخية.
لقد تغيّرت المرحلة بالفعل.
والسؤال لم يعد: هل سيأتي التغيير؟
بل أصبح: هل ستملك القيادات الكردية شجاعة أن تقود هذا التغيير، أم سيقودها التغيير إلى حيث لا تريد؟
فالمستقبل لا يُبنى بعقلية الماضي، والقضايا الكبرى لا تحميها الشعارات وحدها، وإنما تحميها العقول الحرة، والقيادات القادرة على التجدد، والمشاريع السياسية التي تضع مصلحة الشعب فوق مصلحة الأشخاص والأحزاب.
العقول الحرة تصنع الأوطان… والسياسة التي لا تتجدد قد تتحول، مع مرور الوقت، إلى عبء على القضية التي تدّعي الدفاع عنها.
وإلى مستقبلٍ أفضل.