قامشلو الحزينة في مئويتها

صلاح بدرالدين

        قبل مائة عام بدأت معالم هذه المدينة بالظهور مع تواجد حامية الانتداب الفرنسي على التلة المقابلة لمدينة نصيبين – التركية – ووضع المهندسون الفرنسييون الخرائط ، واللبنة الأولى لبناء مدينة على نهر – جقجق – المتدفق من ينابيع وادي – بونصرا – قبل تغيير مجراه – في ولاية ماردين بكردستان تركيا .

   هناك في المنطقة الكردية السورية وأطرافها عشرات المدن ، والبلدات ، قديمة ، وحديثة ، كبيرة وصغيرة ، ذات طابع كردي ، او مختلط ، وتأثرت جميعها بشكل او بآخر بالسياسات العنصرية ، ومخططات تغيير التركيب الديموغرافي منذ قيام الدولة السورية وبشكل اخص بعد سيطرة حزب البعث على مقاليد السلطة منذ بداية ستينات القرن الماضي ، كما ان موجات النزوح والتهجير بعد اندلاع الثورة السورية عام ٢٠١١ غيرت معالم الكثير من المدن والبلدات الكردية وفي المناطق المختلطة الان .

  وعندما تزال آثار تغيير التركيب الديموغرافي المتبع خلال عقود ، ويعاد النظر في الكثير من الإجراءات العنصرية السابقة بحسب وعود مسؤولي العهد الجديد وتصريحات الرئيس احمد الشرع ، وتطبق بنود المرسوم – ١٣ – لعام ٢٠٢٦ ، وعندما يفسح المجال لقول الحقيقة بكل حرية ومن دون الإساءة لاي مكون نقول أن  القامشلي او قامشلو من المدن التي تعتبر كردية من حيث التاريخ ، والجغرافيا ، والعنصر البشري ، مع وجود المكونات القومية الأخرى الشريكة في الحاضر والمستقبل ، والمصير من عرب ، وارمن ، ومسيحيين ( كلدان – سريان – آشور) ، وهناك بالمقابل مدن وبلدات مختلطة مثل مدينة الحسكة وغيرها .

   تكريم القامشلي في مئويتها

   بدأت مرحلتي الابتدائية في قريتي جمعاية التي كانت تبعد حينها عن القامشلي خمسة كيلومترات ، وأصبحت الآن جزء من بلديتها ، واكملت الإعدادية والثانوية بالقامشلي ، بمعنى آخر تعايشت مع القامشلي بعد قيامها بنحو ثلاثين عاما ،وكانت بلدة صغيرة مقارنة بالحاضر ، والاهم من كل ذلك كانت مدينتنا مركزا للحركة القومية الكردية ، ورموزها ، وقادتها ، وكوادرها ، ومثقفيها ، كانت منطلقا للتنظيم السياسي ، تعقد فيها الاجتماعات ، والمؤتمرات ، وتتخذ فيها القرارات المصيرية .

  ماشاهدناه اليوم من احتفال بالمئوية كان بمثابة إهانة للمدينة ، وساكنيها ، وبناتها ، ورموزها المدنية ، والثقافية ، والتاريخية من كل الاطياف والثقافات ، لقد شعرت شخصيا بالحزن ، حتى الكلمة الأساسية لم تكن تشبه خطاب وثقافة اهل قامشلو ، بل كانت ركيكة ، مصطنعة ، ومفروضة بقوة السلاح الميليشياوي ، شهدت الاحتفالية غيابا كاملا لاهل القامشلي واصحابها الحقيقين ، وظهورلمن احتلوها عام ٢٠١٢ بدعم نظام الأسد ، وعبر التسليم والاستلام .

  قامشلو التي نعرفها هي موئل المناضلين الكرد الأوائل ، هي منزل – قدور بك – الذي عقد فيه الجزء الأول من مؤتمر خويبون ، هي منازل جكرخوين ، وملااحمد نامي ، وملا احمد زفنكي ، ومحمدي مصطو ، وعبدالله ملا علي ، وسليمان ادي ، وبهجت ملا حامد ، هي جمعاية التي أصبحت جزء من القامشلي وعقد فيها الكونفرانس الرابع والخامس للحزب الديموقراطي الكردي ، والبارتي اليساري ، هي الهلالية التي عقد فيها المؤتمر الأول للبارتي الديموقراطي الكردي اليساري – الاتحاد الشعبي ، هي مسكن التلاميذ الكرد الذين اعتقلوا لرسمهم العلم الكردي على جدران مدارس القامشلي .

 ستبقى قامشلو ، وكوباني ، وعفرين حزينة  ولن يتم الاحتفال الحقيقي بتاريخها قبل ان يعاد بناء الحركة السياسية الكردية ، وتستعاد وحدتها ، وشرعيتها من خلال المؤتمر الكردي السوري الجامع .

شارك المقال :

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 Comments
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
اقرأ أيضاً ...

أ. د. سربست نبي القابلية لإقناع الذات وخداعها إزاء الواقع، هو استعداد وسلوك نفسي مشترك ينشأ لدى الجماعات والأفراد، الذين بلغوا درجة من العجز المطلق إزاء فهم واقعهم وتفسيره بعد أن فُرض عليهم قسراً، واستسلموا فعلياً له. ورغم ذلك يلجؤون إلى ميكانيزمات لخداع الذات والتحايل عليها عبر إسباغ معنى أو دلالة معاكسة لهذا الواقع كما هو بالفعل. فالأمم تخدع نفسها…

ماجد ع محمد إذا ما صدق موقع “أكسيوس” بأن إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترمب اختارت رئيس إقليم كردستان العراق نيجيرفان بارزاني ليكون قناة خلفية للتواصل مباشرة مع قيادة “الحرس الثوري” الإيراني، بعدما ساورت واشنطن شكوك بشأن صلاحيات المفاوضين الإيرانيين لإبرام اتفاق ينهي الحرب. فهذا يعني بأن بارزاني حلقة وصل مهمة وفاعل خير وليس محضر شر، وفي العرف الإنساني يُكافأ فاعل…

عبد الجابر حبيب لا أعتقد أن المشكلة في أن ننتقد صلاح الدين أو نعيد قراءة دوره في التاريخ، فهذا حق مشروع، لكن المشكلة تبدأ عندما ننظر إلى التاريخ بعين اليوم، ثم نحاكم شخصيات الماضي وفق مفاهيم سياسية وقومية لم تكن موجودة في زمنها. من يقول إن صلاح الدين قصر بحق الكورد، وخدم غير هم، ولم يسعَ إلى تأسيس دولة كوردية،…

د . مرشد اليوسف تدخل قامشلو مئويتها الثانية وهي تحمل مئة عام من الذاكرة، بكل ما فيها من أفراح وأحزان، ونجاحات وإخفاقات، وتحولات سياسية واجتماعية تركت بصماتها على المدينة وأهلها. لكن قامشلو اليوم ليست قامشلو التي عرفناها قبل عقود. فقد أنهكتها سنوات الأزمة السورية، وأثقلت بنيتها التحتية، وتراجعت خدماتها، وفقدت بعضاً من ملامحها الجميلة. وليس من الإنصاف أن نحمّل…