قامشلو… مئة عام من الذاكرة وقرن جديد من الأمل.

د . مرشد اليوسف
تدخل قامشلو مئويتها الثانية وهي تحمل مئة عام من الذاكرة، بكل ما فيها من أفراح وأحزان، ونجاحات وإخفاقات، وتحولات سياسية واجتماعية تركت بصماتها على المدينة وأهلها.
لكن قامشلو اليوم ليست قامشلو التي عرفناها قبل عقود. فقد أنهكتها سنوات الأزمة السورية، وأثقلت بنيتها التحتية، وتراجعت خدماتها، وفقدت بعضاً من ملامحها الجميلة. وليس من الإنصاف أن نحمّل الأزمة وحدها مسؤولية ما وصلت إليه المدينة؛ فقد أسهم إهمال أبنائها وتراجع الاهتمام بالشأن العام في زيادة معاناتها.
واليوم، وقد هدأت الجبهات، آن الأوان لكي تنتقل قامشلو من استذكار ماضيها إلى صناعة مستقبلها.
وهذا الانتقال يبدأ من أبنائها، من جميع مكوناتها، لأن المدينة ليست مسؤولية جهة أو مؤسسة واحدة، بل مسؤولية جماعية. تحتاج قامشلو إلى همة أهلها، وإلى مبادراتهم، وإلى مشاركة المثقفين والمهندسين والأطباء ورجال الأعمال والشباب والنساء، إلى جانب بلدية فاعلة ومؤسسات حكومية قادرة على وضع خطة حقيقية للنهوض بها.
إنها تحتاج قبل كل شيء إلى ترميم بنيتها التحتية: شوارعها وأرصفةها وشبكات المياه والصرف الصحي والكهرباء، وتحسين النظافة والخدمات، وتنظيم الأسواق والمرور، وإعادة تأهيل الحدائق والساحات العامة، وحماية ما تبقى من معالمها وذاكرتها العمرانية.
لكن ترميم قامشلو لا ينبغي أن يكون ترميماً للحجر وحده، فالمدينة تحتاج أيضاً إلى ترميم ذاكرتها وروحها المدنية. تحتاج إلى مراكز ثقافية، ومكتبات، ومساحات للشباب، وإلى توثيق تاريخها وشخصياتها وأحيائها ومؤسساتها، حتى تبقى ذاكرتها حية للأجيال القادمة.
إن المئوية الثانية يجب ألا تكون مجرد احتفال بمرور مئة عام، بل ينبغي أن تكون بداية مشروع جديد لقامشلو. مشروع يجعلها أكثر نظافة وتنظيماً وجمالاً، وأكثر قدرة على استيعاب طموحات أبنائها.
لقد أعطت قامشلو أبناءها الكثير، وحان الوقت لكي يردوا لها شيئاً من الجميل.
قامشلو لا تحتاج إلى العودة إلى الماضي، وإنما إلى أخذ أجمل ما في الماضي معها إلى المستقبل.
فالمئة الأولى هي ذاكرة المدينة، أما المئة الثانية فيجب أن تكون قرن النهوض والأمل.

شارك المقال :

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 Comments
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
اقرأ أيضاً ...

أ. د. سربست نبي القابلية لإقناع الذات وخداعها إزاء الواقع، هو استعداد وسلوك نفسي مشترك ينشأ لدى الجماعات والأفراد، الذين بلغوا درجة من العجز المطلق إزاء فهم واقعهم وتفسيره بعد أن فُرض عليهم قسراً، واستسلموا فعلياً له. ورغم ذلك يلجؤون إلى ميكانيزمات لخداع الذات والتحايل عليها عبر إسباغ معنى أو دلالة معاكسة لهذا الواقع كما هو بالفعل. فالأمم تخدع نفسها…

ماجد ع محمد إذا ما صدق موقع “أكسيوس” بأن إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترمب اختارت رئيس إقليم كردستان العراق نيجيرفان بارزاني ليكون قناة خلفية للتواصل مباشرة مع قيادة “الحرس الثوري” الإيراني، بعدما ساورت واشنطن شكوك بشأن صلاحيات المفاوضين الإيرانيين لإبرام اتفاق ينهي الحرب. فهذا يعني بأن بارزاني حلقة وصل مهمة وفاعل خير وليس محضر شر، وفي العرف الإنساني يُكافأ فاعل…

عبد الجابر حبيب لا أعتقد أن المشكلة في أن ننتقد صلاح الدين أو نعيد قراءة دوره في التاريخ، فهذا حق مشروع، لكن المشكلة تبدأ عندما ننظر إلى التاريخ بعين اليوم، ثم نحاكم شخصيات الماضي وفق مفاهيم سياسية وقومية لم تكن موجودة في زمنها. من يقول إن صلاح الدين قصر بحق الكورد، وخدم غير هم، ولم يسعَ إلى تأسيس دولة كوردية،…

صلاح بدرالدين قبل مائة عام بدأت معالم هذه المدينة بالظهور مع تواجد حامية الانتداب الفرنسي على التلة المقابلة لمدينة نصيبين – التركية – ووضع المهندسون الفرنسييون الخرائط ، واللبنة الأولى لبناء مدينة على نهر – جقجق – المتدفق من ينابيع وادي – بونصرا – قبل تغيير مجراه – في ولاية ماردين بكردستان تركيا . هناك في المنطقة الكردية السورية وأطرافها…