م. عبدالباقي علي
ما يجري اليوم في المناطق الكردية السورية ومحيطها لا يبدو، في رأيي، مجموعة أحداث منفصلة أو مجرد مصادفات متزامنة. هناك سلسلة من المؤشرات السياسية والعسكرية والاجتماعية التي توحي بأن مرحلة كاملة يجري إعادة ترتيبها، وأن الكثير من الأوراق التي استُخدمت خلال السنوات الماضية بدأت تفقد وظيفتها القديمة.
هذه قراءة واستنتاج شخصي، وليست ادعاءً بوجود صفقة معلنة تجمع جميع الأطراف. لكن حين تتزامن المصالحة التركية مع الملف الكردي، وإعادة ترتيب مواقع عدد من قادة الفصائل السورية، وعودة مهجرين كرد إلى بعض المناطق، وتغير خطاب بعض الشخصيات العشائرية، مع إعادة الولايات المتحدة حساباتها الإقليمية في مواجهة إيران، يصبح من الصعب تجاهل وجود اتجاه عام جديد.
تركيا وتغير وظيفة الفصائل
المتغير الأهم يبدأ من تركيا نفسها.
فعندما تنتقل أنقرة من مرحلة المواجهة المفتوحة مع المسألة الكردية إلى مسار سياسي وقانوني وأمني مختلف، فإن انعكاسات ذلك لا يمكن أن تبقى داخل الحدود التركية فقط.
جزء مهم من بنية الفصائل السورية المدعومة من تركيا تشكل خلال السنوات الماضية في سياق المواجهة مع القوى الكردية في سوريا. ولذلك، إذا تغير تعريف الخطر بالنسبة إلى أنقرة، فمن الطبيعي أن تتغير أيضًا قيمة الأدوات التي استُخدمت في المرحلة السابقة.
ومن هنا يمكن قراءة التغييرات التي طالت شخصيات مثل أبو عمشة وسيف بولاد و حاتم أبو شقرا.
المهم هنا ليس فقط اسم المنصب الجديد أو استمرار الرتبة العسكرية، بل السؤال الأهم: هل بقي هؤلاء يمتلكون القرار المباشر على الرجال والسلاح والمنطقة؟
قوة قادة الفصائل لم تكن يومًا في الرتبة وحدها، بل في امتلاك تشكيل عسكري مرتبط بهم شخصيًا. لذلك فإن نقل قائد من قيادة فرقة مباشرة إلى موقع إداري أو أقل اتصالًا بالقوة الميدانية، أو تفكيك ارتباط عناصره به وإعادة توزيعهم ضمن مؤسسات رسمية، قد يعني عمليًا تقليص نفوذه حتى لو احتفظ بلقب أو منصب.
إذا استمر هذا المسار، فقد نكون أمام بداية تفكيك نموذج «أمراء الفصائل» الذي حكم أجزاء واسعة من الشمال السوري طوال سنوات، والانتقال تدريجيًا إلى تشكيلات أكثر خضوعًا للدولة والمؤسسات.
عودة المهجرين وإعادة النظر في نتائج المرحلة السابقة
عودة مهجرين كرد إلى مناطق مثل رأس العين ليست، في رأيي، مجرد مسألة إنسانية، على أهميتها.
هذه العودة تحمل أيضًا معنى سياسيًا وأمنيًا؛ لأن ملف رأس العين وعفرين وغيرها ارتبط خلال سنوات بالحرب والتهجير والتغيير الديمغرافي والصراع على النفوذ.
إذا أصبحت العودة عملية مستمرة وليست حدثًا رمزيًا، وترافقت مع حماية أمنية وضمان استعادة الحقوق والممتلكات، فسنكون أمام مؤشر مهم على أن نتائج مرحلة ما بعد العمليات العسكرية التركية بدأت تخضع للمراجعة.
كما أن الأنباء المتداولة عن تشكيل قوة أو لواء من الكرد للمساهمة في حماية عفرين، إذا ثبتت بصورة رسمية، ستكون ذات دلالة كبيرة. فهي قد تشير إلى أن الأمن في المناطق الكردية لم يعد يُراد له أن يبقى مرتبطًا بالكامل بالفصائل التي سيطرت عليها في السنوات الماضية.
هذه النقطة تحديدًا تحتاج دائمًا إلى التمييز بين الخبر المثبت وبين المؤشر أو المعلومة المتداولة، لكن وضعها ضمن المشهد العام يجعلها جديرة بالمتابعة.
الحسكة والعشائر: أخطر منطقة لسوء قراءة التحولات
في الحسكة تظهر مفارقة لافتة.
بعض الشخصيات العشائرية بدأت تستخدم خطابًا أكثر هدوءًا تجاه قسد ومحافظة الحسكة، وربما أكثر استعدادًا للتعامل مع الوقائع الجديدة، بينما ما زالت مجموعات من بعض العشائر العربية تتصرف بعقلية المواجهة القديمة.
وهنا يجب أن يكون الكلام دقيقًا جدًا.
المقصود ليس العرب، ولا العشائر العربية ككل. فالعرب في المنطقة ليسوا كتلة سياسية أو عسكرية واحدة، وكذلك الكرد. الحديث يتعلق بمجموعات محدودة قد تُدفع إلى مواجهات مسلحة وهي تظن أنها ما زالت تتحرك ضمن الخريطة الإقليمية نفسها التي كانت قائمة قبل سنوات.
وهذا، في رأيي، هو الخطر الحقيقي.
إذا كانت تركيا نفسها تعيد ترتيب علاقتها بالمسألة الكردية، وإذا كانت القوى الدولية والإقليمية تبحث عن تسويات جديدة، فإن استمرار مجموعات محلية في القتال على أساس أن الحرب القديمة ستبقى إلى الأبد قد يحولها إلى وقود لمعركة انتهت وظيفتها السياسية قبل أن تنتهي ميدانيًا.
الوكيل المحلي يكون في أخطر حالاته عندما يستمر في الحرب بينما يكون الداعم الذي اعتمد عليه قد بدأ بالتفاوض.
وقد يدفع شباب من بعض العشائر حياتهم في صدامات لا تحقق لهم مكسبًا سياسيًا ولا اجتماعيًا، ثم يتغير المشهد الإقليمي بعد ذلك ويجلس الخصوم أنفسهم إلى طاولة تفاهم.
والأسوأ أن القوى الكبرى تستطيع تغيير سياساتها بسرعة، أما المجتمعات المحلية فتبقى مع نتائج الدم.
كل قتيل في صراع عربي–كردي محلي قد يترك وراءه ثأرًا وذاكرة ألم وعداوة بين عائلتين أو عشيرتين أو قريتين. وقد تنتهي حسابات الدول خلال أشهر، بينما يبقى الشرخ الاجتماعي سنوات أو عقودًا.
ولهذا فإن أخطر ما يمكن أن يحدث هو أن تتحول خلافات سياسية قابلة للحل إلى عداوة اجتماعية بين العرب والكرد بسبب اندفاع مجموعات لا تدرك أن الخريطة التي تقاتل وفقها ربما انتهى زمنها بالفعل.
الولايات المتحدة والكرد وإيران
إلى جانب المتغير التركي، هناك متغير أميركي لا يقل أهمية.
الولايات المتحدة تعيد حساباتها في المنطقة في ظل المواجهة مع إيران، والقوى الكردية في سوريا والعراق وإيران تبقى عنصرًا مهمًا في أي استراتيجية أميركية لضبط النفوذ الإيراني أو الضغط على طهران.
لكن العلاقة بين الكرد وواشنطن لم تعد كما كانت في مرحلة الحرب على داعش.
هناك أزمة ثقة حقيقية، وخصوصًا بسبب تجارب سابقة شعر فيها الكرد بأن الولايات المتحدة استفادت من دورهم العسكري ثم تراجعت عندما تغيرت الأولويات.
وإدارة ترامب تحديدًا تركت لدى قطاعات كردية شعورًا قويًا بعدم الاطمئنان إلى الالتزامات الأميركية الطويلة الأمد.
لهذا من الصعب، في رأيي، تصور انخراط كردي جديد واسع في أي مشروع أميركي ضد إيران بالشروط القديمة نفسها.
إذا احتاجت واشنطن إلى الدور الكردي مرة أخرى، فمن الطبيعي أن تحاول القوى الكردية الحصول هذه المرة على ضمانات أكثر وضوحًا ورسمية.
قد لا تكون هذه الضمانات دولة مستقلة أو مشروع انفصال، بل ربما تتمثل في اعتراف سياسي وإداري داخل سوريا، وضمانات أمنية، وحماية لعودة المهجرين، وتسوية لوضع القوات الكردية ضمن مؤسسات الدولة، إضافة إلى ضمانات تمنع تكرار سيناريو التخلي عنهم عند أول تغير في المصالح الدولية.
هل تلتقي المصالح التركية والأميركية؟
هذه هي النقطة الأكثر إثارة للاهتمام.
لسنوات طويلة عاشت الولايات المتحدة تناقضًا واضحًا في سوريا: شريكها العسكري الرئيسي ضد داعش كان قسد، بينما كانت تركيا، حليفتها في الناتو، تعتبر البنية العسكرية الكردية تهديدًا لأمنها القومي.
إذا نجح مسار المصالحة التركية مع الملف الكردي، وتراجعت حدة هذا التناقض، فإن هامش الحركة الأميركية سيصبح أوسع.
حينها يمكن أن تظهر صيغة لا تقوم على استقلال كردي، ولا على استمرار الصراع التركي–الكردي، بل على إدماج الكرد السوريين في الدولة مع احتفاظهم بضمانات سياسية وأمنية معينة.
في هذه الحالة تستطيع تركيا الحصول على حدود أكثر استقرارًا، وتستطيع واشنطن الاحتفاظ بعلاقة مع القوى الكردية واستخدامها ضمن استراتيجيتها الإقليمية، وتستطيع دمشق استعادة جزء من سيادتها، بينما يحصل الكرد على موقع أكثر ثباتًا من التحالف العسكري المؤقت.
وإذا تطورت الأمور في هذا الاتجاه، فإن الفصائل التي كانت وظيفتها الأساسية مرتبطة بمواجهة الكرد ستواجه سؤالًا وجوديًا: ما الحاجة إليها بالشكل القديم؟
وهنا يصبح تراجع بعض قادتها أو نقلهم إلى مواقع مختلفة أكثر قابلية للفهم ضمن لوحة أكبر.
ليست صفقة واحدة بالضرورة
مع ذلك، لا أرى ضرورة لافتراض وجود غرفة مغلقة اتفق فيها الأتراك والأميركيون والكرد ودمشق على كل شيء.
السياسة أحيانًا لا تحتاج إلى صفقة مركزية واحدة.
يكفي أن تتقاطع المصالح.
تركيا تريد إغلاق ملف أمني استنزفها لعقود.
الولايات المتحدة تريد مواجهة إيران وتقليل كلفة حضورها المباشر.
الكرد يريدون حماية وجودهم السياسي والأمني وعدم تكرار تجربة التخلي عنهم.
دمشق تريد استعادة الدولة وإنهاء وجود القوى العسكرية المستقلة.
أما السكان العرب والكرد فيريد معظمهم، قبل كل شيء، الاستقرار والعودة إلى حياتهم الطبيعية بعد سنوات طويلة من الحرب.
عندما تتقاطع هذه المصالح، فقد تنتج عنها ترتيبات تبدو وكأنها صفقة واحدة، بينما هي في الحقيقة نتيجة مسارات متعددة وصلت إلى نقطة التقاء واحدة.
من سيدفع الثمن؟
إذا صحت هذه القراءة، فإن الخاسر الأكبر لن يكون العرب ولا الكرد.
الخاسر سيكون كل من بنى نفوذه ومستقبله على افتراض أن الصراع بينهما سيبقى إلى الأبد.
بعض قادة الفصائل قد يكتشفون أن الوظيفة التي منحتهم القوة لم تعد مطلوبة.
وبعض المجموعات العشائرية قد تكتشف، بعد فوات الأوان، أنها دفعت أبناءها إلى معارك وفق خريطة سياسية تغيرت بينما بقيت هي أسيرة خطاب قديم.
وهؤلاء قد يكونون الوقود الحقيقي لمرحلة انتقالية لا يملكون قرارها.
لكن الخسارة الأكبر لن تكون عسكرية فقط، بل اجتماعية أيضًا.
فالسياسي يستطيع تغيير موقفه، والدولة تستطيع توقيع اتفاق جديد، والقائد العسكري يستطيع الانتقال إلى منصب آخر، لكن الدم الذي يسقط بين أبناء المنطقة يترك وراءه ذاكرة وثأرًا وعداوة يصعب محوها.
ولهذا فإن المسؤولية الأكبر اليوم تقع على من يمنع تحويل إعادة ترتيب إقليمية إلى حرب أهلية صغيرة بين العرب والكرد.
العرب والكرد سيبقون في المنطقة بعد أن تتغير التحالفات الدولية وبعد أن ترحل الجيوش الخارجية، وسيبقون جيرانًا وشركاء في الأرض والاقتصاد والمستقبل.
الخلاصة
ما نراه اليوم قد يكون بداية نهاية مرحلة كاملة من إدارة الشمال السوري عبر الفصائل والصراعات بالوكالة، وبداية مرحلة أخرى تقوم على إعادة دمج القوى المحلية ضمن الدول والمؤسسات وإعادة تعريف العلاقات التركية–الكردية والأميركية–الكردية.
المصالحة التركية، وتراجع نفوذ بعض قادة الفصائل، وعودة المهجرين، وتغير خطاب شخصيات عشائرية، والحسابات الأميركية الجديدة تجاه إيران، كلها مؤشرات لا تثبت وجود صفقة شاملة، لكنها ترسم اتجاهًا واحدًا يستحق القراءة.
وأخطر من لا يقرأ هذا الاتجاه هم أولئك الذين ما زالوا يستعدون لخوض معارك الأمس.
السؤال الحقيقي اليوم ليس من سينتصر في الصراع القديم، بل من أدرك أن قواعد اللعبة نفسها بدأت تتغير، ومن سيدفع ثمن الإصرار على القتال وفق خريطة انتهى زمنها.